الاثنين، 9 مايو 2022

مجلد 3. ومجلد4 .خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب عبد القادر بن عمر البغدادي

 مجلد 3. ومجلد4 .خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب عبد القادر بن عمر البغدادي 

3

مجلد 3.خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب عبد القادر بن عمر البغدادي  

  =تجعل لي بيتاً أي : امرأة بنكاح وعليه فلا تضمين لكني لم أجد أبات بهذا المعنى في كتب اللغة .
وزعم الأعلم أنه فعل تام فقال : طلبها للمبيت إما للتحصيل أو الفاحشة . وروى بعضهم : تبيث بالمثلثة وقال : العرب تقول : بثت بالشيء بوثاً وبثته بيثاً : إذا استخرجته . أراد امرأة تعينه على استخراج الذهب من تراب المعدن . وهذا غفلة عما قبله وما بعده .
والترجيل : التسريح وإصلاح الشعر واللمة بالكسر : الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن . وقم البيت قماً من باب قتل : كنسه . والإتاوة قال في المصباح : وأتوته آتوه إتاوة بالكسر : رشوته .
وعمرو بن قعاس بكسر القاف بعدها عين قال الصاغاني في العباب : ويقال ابن قنعاس أيضاً .
أي : بزيادة نون بينهما .
وهذه نسبته من جمهرة ابن الكلبي : عمرو بن قعاس بن عبد يغوث بن مخدش ابن عصر بالتحريك ابن غنم بفتح بسكون ابن مالك بن عوف بن منبه بن غطيف بن عبد الله بن )
ناجية بن مالك بن مراد المرادي المذحجي . ومن ولد عمرو ابن قعاس هانئ بن عروة بن نمران بن عمرو بن قعاس قتله عبيد الله بن زياد مع مسلم بن عقيل بن أبي طالب وصلبهما .
وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع والستون بعد المائة
____________________

( تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ** بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا ) على أن الفعل قد حذف بعد لولا بدون مفسر . أي : لولا تعدون .
قال المبرد في الكامل : لولا هذه لا يليها إلا الفعل لأنها للأمر والتحضيض مظهراً أو مضمراً كما قال : تعدون عقر النيب البيت أي : هلا تعدون الكمي المقنعا . ومثله قدر ابن الشجري في أماليه وقال : أراد لولا تعدون الكمي أي : ليس فيكم كمي فتعدوه .
وكذلك قدره أبو علي في إيضاح الشعر في باب الحروف التي يحذف بعدها الفعل وغيره وقال : فالناصب للكمي هو الفعل المراد بعد لولا وتقديره : لولا تلقون الكمي أو تبارزون أو نحو ذلك إلا أن الفعل حذف بعدها لدلالتها عليه .
فكل هؤلاء كالشارح جعل لولا تحضيضية وقدر المضارع لأنها مختصة به . وخالفهم ابن هشام في المغني فجعلها للتوبيخ والتنديم وتختص بالماضي وقال : الفعل مضمر أي : لولا عددتم . وقول النحويين : لولا تعدون مردود إذ لم يرد أن يحضهم على أن يعدوا في المستقبل بل المراد توبيخهم على ترك عده في الماضي . وإنما قال تعدون على حكاية الحال فإن كان مراد النحويين مثل ذلك فحسن .
وتعدون اختلف في تعديته إلى مفعولين : قال ابن هشام في شرح الشواهد :
____________________

اختلف في تعدي عد . بمعنى اعتقد إلى مفعولين فمنعه قوم وزعموا في قوله : ( لا أعد الإقتار عدماً ولكن ** فقد من قد رزيته الإعدام ) أن عدماً حال . وليس المعنى عليه . وأثبته آخرون مستدلين بقوله : ( فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ** ولكنما المولى شريكك في العدم ) )
وقوله : تعدون عقر النيب الخ . هـ وجه الاستدلال في البيت الأول أن قوله شريكك . وفي البيت الثاني أن قوله أفضل مجدكم معرفتان لا يجوز نصبهما على الحالية لأنها واجبة التنكير .
وقوله : الكمي المقنعا منصوب على أنه المفعول الأول لتعدون المحذوف بتقدير مضاف والمفعول الثاني محذوف أي : لولا تعدون عقر الكمي أفضل مجدكم . ولا يجوز أن يكون من العد بمعنى الحساب قال اللخمي في شرح أبيات الجمل وأما عد من العدد وهو إحصاء الشيء فيتعدى لمفعولين أحدهما بحرف الجر . وقد يحذف تقول : عددتك المال وعددت لك المال . هـ .
فهو متعد باللام وتقدير من لا يستقيم . وقدر بعضهم من حروف الجر من وقال : هلا تعدون ذلك من أفضل مجدكم . نقله ابن المستوفى في شرح أبيات المفصل . وفيه نظر . وذكر أيضاً وجوهاً أخر : منها أن أفضل مجدكم بدل من عقر النيب . وفيه أن هذا ليس بدل اشتمال ولا بدل بعض لعدم الضمير ولا بدل كل لأنه غيره ولا بدل غلط لأنه لم يقع في الشعر . و منها أنه منصوب على
____________________

المصدر بتقدير مضاف أي : تعدون عقر النيب عد أفضل مجدكم . و منها أنه نعت أو عطف بيان . و العقر : مصدر عقر الناقة بالسيف من باب ضرب : إذا ضرب قوائمها به . قال في المصباح : لا يطلق العقر في غير القوائم وربما قيل : عقر البعير : إذا نحره . و النيب : جمع ناب وهي الناقة المسنة . و المجد : العز والشرف . و بني ضوطرى : منادى بإضمار يا قال ابن الأثيرفي المرصع : بنو ضوطرى ويقال فيه : أبو ضوطرى : هو ذم وسب . وأنشد هذا البيت وقال : وضوطرى هو الرجل الضخم اللئيم الذي لا غناء عنده وكذلك الضوطر والضيطر .
ومثله في سفر السعادة وزاد ضيطاراً وقال : وجمع ضيطار ضياطرة .
وقال حمزة بن الحسين : العرب تقول : يا ابن ضوطر أي : يا ابن الأمة . وقال اللخمي : الضوطر : المرأة الحمقاء . و الكمي : الشجاع المتكمي في سلاحه لأنه كمى نفسه أي : سترها بالدرع والبيضة كذا في الصحاح . و المقنع بصيغة اسم المفعول الذي على رأسه البيضة والمغفر .
حاصل المعنى : أنكم تعدون عقر الإبل المسنة التي لا ينتفع بها ولا يرجى نسلها أفضل مجدكم )
هلا تعدون قتل الشجعان أفضل مجدكم وهذا تعريض بجبنهم وضعفهم عن مقارعة الشجعان ومنازلة الأقران .
وهذا البيت من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق . و قضية عقر الإبل مشهورة في التواريخ محصلها أنه أصاب أهل الكوفة مجاعة فخرج أكثر الناس إلى البوادي وكان غالب أبو الفرزدق رئيس قومه ( وكان سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه ) فاجتمعوا في أطراف السماوة من بلاد كلب على مسيرة يوم من الكوفة فعقر غالب لأهله ناقة صنع منها طعاماً وأهدى إلى قوم من تميم جفاناً وأهدى إلى سحيم جفنة فكفاها وضرب الذي أتى بها وقال : أنا مفتقر إلى طعام غالب ونحر سعيم لأهله فلما كان من الغد نحر غالب لأهله ناقتين ونحر سحيم ناقتين وفي اليوم الثالث نحر غالب ثلاثاً فنحر سحيم ثلاثاً فلما كان اليوم الرابع نحر غالب مائة ناقة ولم يكن لسحيم هذا القدر فلم يعقر شيئاً ولما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة قال بنو رياح لسحيم جررت علينا
____________________

عار الدهر هلاّ نحرت مثل ما نحر غالب وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين فاعتذر أن إبله كانت غائبة ونحر نحو ثلاثمائة ناقة . وكان في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فمنع الناس من أكلها وقال : إنها مما أهل لغير الله به ولم يكن الغرض منه إلا المفاخرة والمباهاة فجمعت لحومها على كناسة الكوفة فأكلها الكلاب والعقبان والرخم .
وقد أورد القالي هذه الحكاية في ذيل أماليه بأبسط مما ذكرناه وأورد ما قيل فيها من الأشعار وما مدح به غالب وهجي به سحيم .
تتمة بيت الشاهد نسبه ابن الشجري في أماليه للأشهب بن رميلة . وكذا غيره . والصحيح أنه من قصيدة لجرير لا خلاف بين الرواة أنها له . وهي جواب عن قصيدة تقدمت للفرزدق على قافيتها . وكان الفرزدق تزوج حدراء الشيبانية وكان أبوها نصرانياً وهي من ولد بسطام بن قيس وماتت قبل أن يصل إليها الفرزدق وقد ساق إليها المهر فترك المهر لأهلها وانصرف . ( يقولون زر حدراء والترب دونها ** وكيف بشيء وصله قد تقطعا ) ( يقول ابن خنزير : بكيت ولم تكن ** على امرأة عيني إخال لتدمعا ) ( وأهون رزء لمرىء غير عاجز ** رزية مرتج الروادف أفرعا ) ) ( وما مات عند ابن المراغة مثلها ** ولا تبعته ظاعناً حيث دعدعا ) فأجابه جرير بقصيدة طويلة منها :
____________________

( وحدراء لو لم ينجها الله برزت ** إلى شر ذي حرث دمالاً ومزرعا ) ( وقد كان رجساً طهرت من جماعه ** وآب إلى شر المضاجع مضجعا ) ثم قال : ( تعدون عقر النيب أفضل سعيكم ** بني ضوطرى هلاّ الكمي المقنعا ) ( وقد علم الأقوام أن سيوفنا ** عجمن حديد البيض حتى تصدعا ) ( ألا رب جبار عليه مهابة ** سقيناه كأس الموت حتى تضلعا ) والقصيدتان مسطورتان أيضاً في منتهى الطلب من أشعار العرب .
وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من أوائل الكتاب . وتقدمت ترجمة سحيم بن وثيل أيضاً في الشاهد الثامن والثلاثين .
وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائة ( ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة ** إلي فهلا نفس ليلى شفيعها ) على أن الجملة الاسمية قد وقعت فيه بعد أداة التحضيض شذوذاً .
____________________


هذا البيت أورده أبو تمام في أول باب النسيب من الحماسة مع بيت ثان وهو : ( أكرم من ليلى عليّ فتبتغي ** به الجاه أم كنت امرءاً لا أطيعها ) قال ابن جني في إعراب الحماسة : هلاّ من حروف التحضيض وبابه الفعل إلا أنه في هذا الموضع استعمل الجملة المركبة من المبتدأ والخبر في موضع المركبة من الفعل والفاعل وهذا في نحو هذا الموضع عزيز جداً وكذا قال شرّاح الحماسة . وخرجه ابن هشام في المغني على إضمار كان الشأنية أي : فهلا كان هو أي : الشأن . ثم قال : التقدير فهلا شفعت نفس ليلى لأن الإضمار من جنس المذكور أقيس . و شفيعها على هذا خبر لمحذوف أي : هي شفيعها .
ونسب أبو حيان الوجه الأول لأبي بكر بن طاهر ونسب الوجه الثاني إلى البصريين . و نبىء يتعدى لثلاثة مفاعيل المفعول الأول التاء وهي نائب الفاعل و ليلى المفعول الثاني وجملة أرسلت في موضع المفعول الثالث . وقوله : بشفاعة أي : بذي شفاعة فالمضاف )
محذوف أي : شفيعاً . يقول : خبرت أن ليلى أرسلت إلي ذا شفاعة تطلب به جاهاً عندي هلا جعلت نفسها شفيعها .
وقوله : أأكرم من ليلى الخ الاستفهام إنكار وتقريع . أنكر منها استعانتها عليها بالغير .
وقوله : فتبتغي منصوب في جواب الاستفهام لكنه سكنه ضرورة . و أم متصلة كأنه قال : أيّ هذين توهمت ( أطلب ) إنسان أكرم علي منها أم اتهامها لطاعتي لها وخبر أكرم علي محذوف والتقدير ( أأكرم من ليلى موجود في الدنيا ) .
____________________


وقد أورد ابن هشام هذا البيت في الباب الخامس من المغني شاهداً على اشتراط الصفة لما وطّىء به من خبر أو صفة أو حال .
وفي الأمالي ابن الشجري : في البيت إعادة الضمير من أطيعها ضمير متكلم وفاقاً لكنت ولم يعد ضمير غائب وفاقاً لامرىء على حد ( قوله تعالى : ) بل أنتم قوم تجهلون .
والبيتان نسبهما ابن جنّي في إعراب الحماسة للصّمّة بن عبد الله القشيري .
قال أبو رياش في شرح الحماسة : وكان من خبر هذين البيتين أن الصّمّة بن عبد الله كان يهوى ابنة عمه تسمى ريّا فخطبها إلى عمه فزوجه على خمسين من الإبل فجاء إلى أبيه فسأله فساق عنه تسعاً وأربعين فقال : أكملها فقال : هو عمك وما يناظرك في ناقة ( ناقصة ) فجاء إلى عمه بها فقال : والله لا أقبلها إلا كلها . فلجّ عمه ولجّ أبوه فقال : والله ما رأيت ألأم منكما وأنا ألأم منكما إن أقمت معكما فرحل إلى الشام فلقي الخليفة فكلمه فأعجب به وفرض له وألحقه بالفرسان . فكان يتشوق إلى نجد وقال هذا الشعر . هـ . و الصمّة كما في جمهرة الأنساب هو الصمة بن عبد الله بن الحارث بن قرة بن هبيرة . كان شريفاً شاعراً ناسكاً عابداً وقرة بن هبيرة وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرمه وكساه واستعمله على صدقات قومه وينتهي نسبه إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر .
____________________


تتمة نسب العيني البيت الشاهد إلى قيس بن الملوح . قال : ويقال : قائلة ابن الدّمينة .
ونسبه ابن خلكان في وفيات الأعيان على ما استقر تصحيحه في آخر نسخة منها )
لإبراهيم بن الصولي وأن أبا تمام أورده في باب النسيب من الحماسة . وذكر أن وفاة إبراهيم بن الصولي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين ووفاة أبي تمام في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين . والله أعلم .
____________________

( باب التحذير ) أنشد فيه وهو الشاهد السادس والستون بعد المائة ) وهو من شواهد س : ( فإياك إياك المراء فإنه ** إلى الشر دعاء وللشر جالب ) على أن حذف الواو شاذ .
قال س : اعلم أنه لا يجوز أن تقول إياك زيداً كما أنه لا يجوز أن تقول رأسك الجدار وكذلك إياك أن تفعل إذا أردت إياك والفعل فإذا قلت إياك أن تفعل تريد إياك أعظ مخافة أن تفعل أو من أجل أن تفعل جاز .
يعني أن تقع بعد إياك على وجهين أحدهما أن تجعل مصدراً هو معقول به كما تقول إياك وزيداً وأصله أن تقول إياك وأن تفعل كما قالت إياك وزيداً ولكنهم حذفوا الواو لطول الكلام .
ويقدّر أيضاً إياك من أن تفعل إذا حذرته الفعل .
والوجه الآخر : أن تجعل أن تفعل مفعولاً له وهذا لا يحتاج إلى حرف عطف ويجوز أن يقع المصدر موقعه
____________________

فإذا وقع أن والفعل بمنزلة المفعول ثم أوقعت المصدر موقعه لم يك بدّ من إدخال الواو عليه كما تدخل على غيره من المفعولات .
ثم قال سيبويه : إلا أنهم زعموا أن ابن أبي إسحاق أجاز هذا البيت وهو قوله . فإياك إياك المراء . . الخ .
والشاهد فيه أنه أتى بالمراء وهو مفعول به بغير حرف عطف . وعند سيبويه أن نصب المراء بإضمار فعل لأنه لم يعطف على إياك . وسيبويه وابن أبي اسحاق ينصبه ويجعله كأن والفعل وينصبه بالفعل الذي نصب إياك يقدر فيه : اتق المراء كما يقدر فعلاً آخر ينصب إياك . وقال المازني : لما كرر إياك مرتين كان أحدهما عوضاً من الواو . وعند المبرد : المراء بتقدير أن تماري كما تقول : إياك أن تماري : أي مخافة أن تماري .
وهذا البيت نسبه أبو بكر محمد التاريخي في طبقات النحاة وكذلك ابن بري في حواشيه )
على درة الغواص الحريرية وكذلك تلميذه ابن خلف في شرح شواهد سيبويه للفضل بن عبد الرحمن القرشي يقوله لابنه القاسم بن الفضل . قال ابن بري : وقبل هذا البيت : ( من ذا الذي يرجو الأباعد نفعه ** إذا هو لم تصلح عليه الأقارب ) و الأباعد : فاعل يرجو . يريد : كيف يرجو الأجانب نفع رجل أقاربه محرومون منه . و المراء : مصدر ماريته أماريه مماراة ومراء . أي : جادلته . ويقال ماريته أيضاً : إذا طعنت في قوله تزييفاً للقول وتصغيراً للقائل . ولا يكون المراء إلا اعتراضاً بخلاف الجدال : فإنه يكون ابتداء واعتراضاً . والجدال مصدر جادل : إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب . كذا في المصباح
____________________

.
وأنشد بعده وهو الشاهد السابع والستون بعد المائة وهو من شواهد س : ( أخاك أخاك إن من لا أخاً له ** كساع إلى الهيجا بغير سلاح ) على أن أخاك منصوب على الإغراء وهو مكرر . يريد : الزم أخاك غير أن هذا مما لا يحسن فيه إظهار الفعل عنذ التكرير ويحسن إذا لم يكرر لأنهم . إذا كرروا وجعلوا أحد الاسمين كالفعل والاسم الآخر كالمفعول وكأنهم جعلوا أخاك الأول بمنزلة الزم فلم يحسن أن تدخل الزم على ما قد جعل بمنزلة الزم .
وجملة إن من لا أخاً له الخ استئناف بياني . وأكد لأنه جواب عن السبب الخاص . و من : نكرة موصوفة بالجملة بعدها وقيل : موصولة . و لا : نافية للجنس و أخاً : اسمها واللام مقحمة بين المتضايفين نحو قولهم : يا بؤس للحرب والخبر محذوف أي : موجود ونحوه .
قال ابن هشام في المغني : ومن ذلك قولهم : لا أبا لزيد ولا أخاً له ولا غلامى له على قول سيبويه : إن اسم لا مضاف لما بعد اللام . وأما على قول من جعل اللام وما بعدها صفة وجعل الاسم مشبهاً بالمضاف لأن الصفة من تمام الموصوف وعلى قول من جعلهما خبراً وجعل أبا وأخا على لغة من قال : إن أباها وأبا أباها وجعل حذف النون على وجه الشذوذ فاللام للاختصاص وهي متعلقة باستقرار محذوف . هـ . )
وقوله : كساع إلى الهيجا الخ خبر إن . يقول : استكثر من الإخوان فهم عدة تستظهر بها على الزمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : المرء كثير بأخيه . وجعل من لا أخا له يستظهر به كمن قاتل عدوه ولا سلاح معه . وقد
____________________

صدق فإن من قطع أخاه وصرمه كان بمنزلة من قاتل بغير سلاح .
وقد أورد هذا البيت أبو عبيد القاسم بن سلاّم في أمثاله وقال : هو مثل في استغاثة الرجل بأهل الثقة . و الهيجا : الحرب تمد وتقصر . قال ابن خلف : وهي فعلاء أو فعلى فمن قصرها فيكون المحذوف منها ألف المد دون ألف التأنيث . وإنما كان حذف ألف المد أولى من حذف ألف التأنيث لوجهين : أحدهما أن ألف التأنيث لمعنى وألف المد لغير المعنى فكان حذف ما ليس لمعنى أولى مما جاء لمعنى .
والثاني : أن جميع ما قصر مما همزته للتأنيث لا ينصرف بعد القصر ولو كان المحذوف منه همزة التأنيث لانصرف الاسم لزوال علامة التأنيث كما صرفت قريقر وحبيّر مصغري قرقرى وحبارى لزوال علامة التأنيث منه . ألا ترى قوله : يا رب هيجا هي خير من دعه قصره ولم يصرفه والقصر فيه ضرورة وقيل : هو لغة . ولو كان المحذوف منه ألف التأنيث لقال : يا رب هيجاً هي خير وكان ينون هيجا ويذكرها ويقول هو خير ولا يقول هي خير .
وهذا البيت أول أبيات لمسكين الدارمي . وبعده : ( وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ** وهل ينهض البازي بغير جناح ) ( وما طالب الحاجات إلا معذباً ** وما نال شيئاً طالب لنجاح ) ( لحا الله من باع الصديق بغيره ** وما كل بيع بعته برباح ) ( كمفسد أدناه ومصلح غيره ** ولم يأتمر في ذاك غير صلاح ) وفي الأغاني وغيره إن مسكيناً الدارمي لما قدم على معاوية أنشده ( إليك أمير المؤمنين رحلتها ** تثير القطا ليلاً وهن هجود )
____________________

( على الطائر الميمون والجد صاعد ** لكل أناس طائر وجدود ) )
وسأله أن يفرض له فأبى عليه وكان لا يفرض إلا لليمن فخرج من عنده وهو يقول : أخاك أخاك إن من لا أخا له الأبيات ولم يزل معاوية كذلك حتى كثرت اليمن وعزّت قحطان وضعفت عدنان فبلغ معاوية أن رجلاً من اليمن قال : هممت أن لا أحل حبوتي حتى أخرج كل نزاريّ بالشام . فرض من وقته لأربعة آلاف رجل من قيس . فقدم لذلك على معاوية عطارد بن حاجب فقال له : ما فعل الفتى الدارمي الصبيح الوجه الفصيح اللسان يعني مسكيناً فقال : صالح يا أمير المؤمنين قال : أعلمه أني قد فرضت له فله شرف العطاء وهو في بلاده فإن شاء يقيم بها أو عندنا فليفعل فإن عطاءه سيأتيه وبشره بأني قد فرضت لأربعة آلاف من قومه . فكان معاوية يغزي اليمن في البحر وتميماً في البرّ فقال النجاشي وهو شاعر اليمن : ( ألا أيها الناس الذين تجمعوا ** بعكّا أناس أنتم أم أباعر ) ( أيترك قيساً آمنين بدارهم ** ونركب ظهر البحر والبحر زاخر ) ( فو الله ما أدري وإني لسائل ** أهمدان تحمي ضيمها أم يحابر ) ( أم الشرف الأعلى من أولاد حمير ** بنو مالك أن تستمرّ المرائر ) فرجع القوم جميعاً عن وجههم فبلغ ذلك معاوية فسكّن منهم وقال : أنا
____________________

أغزيكم في البحر لأنه أرفق من الخيل وأقل مؤنة وأنا أعاقبكم في البر والبحر ففعل ذلك ومسكين الدارمي اسمه ربيعة بن عامر بن أنيس بن شريح بن عمرو بن عدي بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم .
قال الكلبي : كل عدس في العرب بضم العين وفتح الدال إلا عدس بن زيد هذا فإنه مضموم الدال . هكذا في جمهرة النسب .
ومسكين الدارمي شاعر شجاع من أهل العراق ولقّب المسكين لقوله : ( أنا مسكين لمن أنكرني ** ولمن يعرفني جد نطق ) ولقوله : ( وسمّيت مسكيناً وكانت لحاجة ** وإني لمسكين إلى الله راغب ) وهذه القصيدة من أحسن شعره : ) ( اتق الأحمق أن تصحبه ** إنما الأحمق كالثوب الخلق )
____________________

( كلما رقّعت منه جانباً ** حرّكته الريح وهناً فانخرق ) ( أو كصدع في زجاج فاحش ** هل ترى صدع زجاج يتفق ) ( وإذا نهنهته كي يرعوي ** زاد جهلاً وتمادى في الحمق ) ( وإذا الفاحش لاقى فاحشاً ** فهنا كم وافق الشّنّ الطبق ) ( إنما الفحش ومن يعتاده ** كغراب السوء ما شاء نغق ) ( أو حمار السوء إن أشبعته ** رمح الناس وإن جاع نهق ) ( أو غلام السوء إن جوّعته ** سرق الجار وإن يشبع فسق ) أو كغيرى رفعت من ذيلها ثم أرخته ضراطاً فانمزق ( أيها السائل عما قد مضى ** هل جديد مثل ملبوس خلق ) ( أنا مسكين لمن أنكرني ** ولمن يعرفني جد نطق ) ( لا أبيع الناس عرضي إنني ** لو أبيع الناس عرضي لنفق ) ومن شعره يرثي ابن سميّة : ( رأيت زيادة الإسلام ولّت ** جهاراً حين ودّعنا زياد ) وردّ عليه الفرزدق بقوله : ( أمسكين أبكى الله عينك إنما ** جرى في ضلال دمعها إذ تحدرا ) ( بكيت امرأ من أهل ميسان كافراً ** ككسرى على عدّانه أو كقيصرا ) قال الزمخشري في أمثاله : به لا بظبي مثل : أي : جعل الله ما أصابه لازماً مؤثراً فيه ولا كان مثل الظبي في سلامته منه . يضرب في الشماتة . وأنشد هذا البيت .
____________________


ثم رأيت الميداني قال : الأعفر : الأبيض . أي : لتنزل به الحادثة لا بظبي . يضرب عند الشماتة .
قال جرير حين نعي إليه زياد بن أبيه . . وأنشد هذا البيت وقال : ومثله .
به لا بكلب نابح في السباسب ومن شعر مسكين : ( اصحب الأخيار وارغب فيهم ** ربّ من صحبته مثل الجرب ) ( واصدق الناس إذا حدثتهم ** ودع الكذب لمن شاء كذب ) ) ( ربّ مهزول سمين عرضه ** وسمين الجسم مهزول الحسب ) ومن شعره الجيد مما أثبته السيد المرتضى علم الهدى في أماليه الدرر والغرر : ( إن أدع مسكيناً فما قصرت ** قدري بيوت الحي والجدر ) ( ما مسّ رحلي العنكبوت ولا ** جدياته من وضعه غبر ) ( لا آخذ الصبيان ألثمهم ** والأمر قد يعزى به الأمر ) ( ولربّ أمر قد تركت وما ** بيني وبين لقائه ستر ) ( ما علتي قومي بنو عدس ** وهم الملوك وخالي البشر ) ( عمّي زرارة غير منتحل ** وأبي الذي حدثته عمرو ) ( في المجد غرّتنا مبيّنة ** للناظرين كأنها البدر ) ( لا يرهب الجيران غدرتنا ** حتى يواري ذكرنا القبر ) ( لسنا كأقوام إذا كلحت ** إحدى السنين فجارهم تمر ) ( مولاهم لحم على وضم ** تنتابه العقبان والنسر ) ( ناري ونار الجار واحدة ** وإليه قبلي تنزل القدر ) ( ما ضرّ جاري أن أجاوره ** أن لا يكون لبيته ستر )
____________________

( أعشى إذا ما جارتي خرجت ** حتى يواري جارتي الخدر ) ( ويصمّ عما كان بينهما ** سمعي وما بي غيره وقر ) قوله : فما قصرت قدري الخ أي : سترت . يريد : أنها بارزة لا يحجبها السواتر والحيطان .
وقوله : ما مس رحلي العنكبوت الخ هذه كناية مليحة عن مواصلة السير وهجر الوطن لأن العنكبوت إنما ينسج على ما لا تناله الأيدي ولا يكثر استعماله . والجديات : جمع جدية بالسكون وهي باطن دفة الرحل . وقوله : لا آخذ الصبيان الخ يقول : لا أقبّل الصبي وأنا أريد ومثله لغيره : ( ولا ألقي لذي الودعات سوطي ** ألاعبه وربّته أريد ) وأنشد ابن الأعرابي في مثله : ( إذا رأيت صبي القوم يلثمه ** ضخم المناكب لا عمّ ولا خال ) ( فاحفظ صبيك منه أن يدنسه ** ولا يغرنك يوماً قلة المال ) )
وقوله : قاومت في كبد الخ الكبد : المزلة التي لا تثبت فيها الأرجل . والدهان : الأديم الأحمر .
وقوله : فكان لي العذر إنما يكون العذر إذا
____________________

كان ثم ظلم فيقول : إنما أقاوم وأخاصم مظلوماً متعدى عليه وإذا كان كذلك فيجب الاعتذار على الظالم ويكون العذر لي كقوله : ( فإن كان سحراً فاعذريني على الهوى ** وإن كان داء غيره فلك العذر ) وقوله : فجارهم تمر أي : يستحلى الغدر به كما يستحلى التمر . وقوله : ناري ونار الجار واحدة يقال : إنه كانت له امرأة تماضّه فلما قال ذلك قالت له : أجل إنما ناره ونارك واحدة لأنه أوقد ولم توقد والقدر تنزل إليه قبلك لأنه طبخ ولم تطبخ وأنت تستطعمه . . وقوله : أن لا يكون لبيته ستر يقال : إنها قالت له : أجل إن كان له ستر هتكته .
وقوله : أعشى إذا ما جارتي خرجت استشهد به في التفسير عند قراءة ومن يعش عن ذكر الرحمن بفتح الشين ولأجله أوردت هذه القصيدة فإن شرّاح شواهد التفسير اختلفوا في هذا البيت : فبعضهم نسبه إلى حاتم الطائيّ وبعضهم نسبه إلى غيره . قال صاحب الكشاف : ومن يعش بضم الشين وفتحها والفرق بينهما : أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل : عشي وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل : عشا . ونظيره عرج لمن به الآفة وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج قال الحطيئة :
____________________

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره أي : تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء . وهو بين في قول حاتم : ( أعشو إذا ما جارتي برزت ** حتى يواري جارتي الخدر ) وقرئ : يعشو . ومعنى القراءة بالفتح : ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن . وأما القراءة بالضم فمعناها : ومن يتعام عن ذكره أي : يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى . ا . هـ مختصراً .
____________________

( باب المفعول فيه ) أنشد فيه وهو الشاهد الثامن والستون بعد المائة وهو من شواهد الكامل ( فلا يغنيكم قناً وعوارضها ** ولأقبلن الخيل لابه ضرغد ) على أن قناً وعوارضاً منصوبان على إسقاط حرف الجر ضرورة لأنهما مكانان مختصان لا ينتصبان انتصاب الظرف . وهما بمنزلة ذهبت الشام في الشذوذ .
أوعد أعداءه بتتبعهم والإيقاع بهم حيث حلوا في المواضع المنيعة . ومعنى لأبغينكم : لأطلبنكم .
والبغي له معنيان : أحدهما الطلب يقال : بغيت الضالة . فهو متعد إلى مفعول واحد . والآخر : الظلم والتعدي يتعدى بعلى يقال : بغى فلان على فلان . فهو فعل لازم .
وقناً قال أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم هو بفتح القاف وبعده نون وهو اسم مقصور يكتب بالألف لأنه يقال في تثنيته : قنوان هو جبل في ديار بني ذبيان قال النابغة : ( فإما تنكري نسبي فإني ** من الصهب السبال بني ضباب )
____________________

وقال أبو عمرو الشيباني : قناً ببلاد بني مرّة وقال الشماخ : ( تربّع من جنبي قناً فعوارض ** نتاج الثريّا نوءها غير مخدج ) وينبئك أنّ قناً جبلان قول الطرماح : ( تحالف يشكر واللؤم قدماً ** كما جبلا قناً متحالفان ) ولكونه اسم جبلين يثنى فيقال : قنوين قال الشماخ : ( كأنها وقد وبدا عوارض ** والليل بين قنوين رابض ) بجلهة الوادي قطاً نواهض وبما ذكرنا لا يلتفت إلى قول ابن القوطية كما نقله أبو حيان في تذكرته : لا أعرف قناً في الأمكنة وإنما هو قباً بالموحدة وليس قبا المدينة ولا قبا بطريق مكة هذان يذكّران ويؤنثان وذلك يذكّر لا غيره ومن ذكّره قصره وصرفه ومن أنّثه مدّه ولم يصرفه . اه .
وأقول : لم يذكر أحد ممن ألف في المقصور والممدود ان قناً يمدّ .
وروى ابن الأنباري في المفضّليات . )
فلأنعينكم الملا وعوارضاً والملا بالفتح : من أرض كلب . و أنعينكم : من النعي بالنون أي : لأذكرن معايبكم وقبيح وروى الحرمازي : فلأبغينكم الملا من البغي وهو الطلب . ولم يقع في رواية ابن الأنباري : قنا بدل الملا .
____________________


وعوارض بضم العين المهملة وكسر الراء وبعدها ضاد معجمة : جبل لبني أسد وقال أبو رياش : هو جبل في بلاد طيئ وعليه قبر حاتم . وهذا هو الصحيح . كذا في معجم ما استعجم .
واللابة : الحرة بالفتح وهي أرض ذات حجارة سود . وضرغد بفتح الضاد والغين وسكون الراء قال أبو عبيد البكري : هي أرض لهذيل وبني غاضرة وبني عامر بن صعصعة وقيل : هي حرة بأرض غطفان من العالية وقال الخليل : ضرغد : اسم جبل ويقال : موضع ماء ونخل . اه .
وقال أبو محمد الأعرابي ضرغد من مياه بني مرة .
وقوله : ولأقبلن الخيل هكذا رواه سيبويه . وفيه قولان : أحدهما لأبي علي الفارسي وهو أنه فعل لازم يتعدى بحرف الجر والأصل لأقبلن بالخيل إلى لابة ضرغد . كذا حكاه عنه أبو البقاء في شرح الإيضاح للفارسي وابن خلف في شرح أبيات سيبويه والسخاوي في سفر السعادة قال : لأنّ أقبل فعل غير متعد كقوله تعالى : فأقبل بعضهم على بعض وتقول : أقبلت بوجهي عليه فأجاز هنا حذف حرفي جر في فعل واحد . وهذا تعسف مع أنه منع حذف على من قولهم : كررت على مسمعي وهو حرف واحد .
والقول الثاني للعبدري شارح الإيضاح وهو أن أقبل هنا متعد بمعنى جعل مقابلاً وليس ضد أدبر . والمعنى : لأجعلن الخيل تقابل فهو متعد إلى مفعولين . وهذا هو المعروف في اللغة فإن قبل بدون همزة يتعدى إلى مفعول واحد بمعنى استقبل وأقبل بالهمز يتعدى إلى مفعولين قال أبو زيد في نوادره : قبلت الماشية الوادي تقبله قبولاً إذا استقبلته وأقبلتها إياه .
وقال صاحب الصحاح : وأقبلته الشيء أي : جعلته يلي قبالته وأقبلت الإبل أفواه الوادي .
____________________


وحكى السخاوي في سفر السعادة عن شيخه الإمام الشاطبي : أقبلته الرمح : إذا جعلته قبله .
وقال أبو حيان في تذكرته : ما نقله أبو زيد نقله الهجري أيضاً في نوادره وفي الحديث : أن حكيم بن حزام كان يشتري العير من الطعام والإدام ثم يقبلها الشعب .
وأنشد الشيباني : ) ( أكلفها هواجر حاميات ** وأقبل وجهها الريح القبولا . هـ ) وروى غير سيبويه منهم ابن الأنباري في شرح المفضليات .
ولأهبطن الخيل لابت ضرغد قال : وروى أيضاً : ولأوردن الخيل .
وهذا البيت من قصيدة عدتها ثلاثة عشر بيتاً لعامر بن الطفيل العامري .
قال أبو محمد الأعرابي : قالها عامر يوم الرقم يوم هزمتهم بنو مرة ففرّ عامر واختنق أخوه الحكم بن الطفيل . وفي ذلك اليوم قتل عقبة بن أنيس الأشجعي مائة وخمسين رجلاً من بني عامر أدخلهم شعب الرقم فذبحهم . فسمي عقبة ذلك اليوم مذبحاً . والمخاطب بشعر عامر بنو مرة وفزارة . وقنا وعوارض : جبلان من بلاد بني فزارة . . وأولها : ( ولتسألن أسماء وهي حفية ** نصحاءها : أطردت أم لم أطرد ) قال ابن الأنباري : أسماء بنت قدامة بن سكين الفزاري قال أبو محمد الأعرابي : كان يهواها عامر ويشبب بها في شعره وكان قد فجر بها . انتهى . و نصحاء : جمع نصيح .
وروى شارح ديوانه : فصحاءها بالفاء قال : هو جمع فصيح . و طردت بالبناء للمفعول والتكلم . ( قالوا لها : فلقد طردنا خيله ** قلح الكلاب وكنت غير مطرد ) قلح منصوب على الذم و القلح : صفرة تعلو الأسنان شبه عامر بني فزارة بها . وجملة وكنت إلى آخره حال .
____________________

( لاضير قد عركت بمرة بركها ** وتركن أشجع مثل خشب الغرقد ) هذا البيت لم يروه المفضل في المفضليات ولا شرّاحها . قال شارح الديوان : يقال للصدر : برك بالفتح وبركة بالكسر . و أشجع : قبيلة . و الغرقد : شجر .
فلأبغينكم قناً وعوارضاً هذا التفات من الغيبة إلى التكلم . خاطب بني فزارة . ( بالخيل تعثر في القصيد كأنها ** حدأ تتابع في الطريق الأقصد ) القصيد : كسر القنا جمع قصيدة . و الحدأ كعنب : جمع حدأ كعنبة وهي طائر معروف . ) ( في ناشىء من عامر ومجرب ** ماض إذا سقط العنان من اليد ) لم يرو هذا البيت أيضاً صاحب المفضليات . قال شارح الديوان : الناشىء الحدث حين نشأ .
وقول سقط العنان أي لشدة الجهر ( ولأثأرن بمالك وبمالك ** وأخي المرواة الذي لم يسند ) معطوف على قوله فلا يغنيكم يقول لأدركن بثأر مالك ومالك أي : لأقتلن بهما . و المروراة بالفتح : موضع بظهر الكوفة وقال البكري في المعجم : هو جبل لأشجع . وقوله : لم يسند أي : لم يدفن ولكن ترك للسباع تأكله .
____________________

قتيل يروى بالحركات الثلاث : بالجر عطفاً على ما قبله أو الواو للقسم وبالرفع على المبتدأ والخبر أثأرن وبالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف يدل عليه أثأرن . وليس مفعول أثأرن المذكور لأن الفعل المؤكد لا يتقدم معموله عليه . و مرة : قبيلة . و أثأرن توكيده يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في أدوات القسم و فرغ روي بكسر الفاء والغين المعجمة بمعنى الهدر وروي بفتحها مع العين المهملة . أراد أنه رأس عال في الشرف . و لم يقصد : لم يقتل يقال : أقصدت الرجل : إذا قتلته . يقول : قتيل بن مرة صار دمه هدراً فلا بد من أخذ ثأره منهم فإن أخا بني مرة لم يقتل إلى الآن فلا بد من قتلهم وأخذ الثأر منهم .
وبقية الأبيات لا حاجة لنا بها . و عامر بن الطفيل هو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري . وهو ابن عم لبيد الصحابي . وكنية عامر في الحرب أبو عقيل وفي السلم أبو علي . وكانت أصيبت إحدى عينيه في بعض الحروب .
قال ابن الأنباري في شرح المفضليات : كان عامر من أشهر فرسان العرب بأساً ونجدة وأبعدها اسماً حتى بلغ أن قيصر كان إذا قدم عليه قادم من العرب قال : ما بينك وبين عامر بن الطفيل فإن ذكر نسباً عظم عنده حتى وفد عليه علقمة بن علاثة فانتسب له . فقال : ابن عم عامر بن الطفيل فغضب علقمة وكان ذلك مما أوغر صدره وهيجه إلى أن دعاه إلى المنافرة . وكان عمرو بن معد يكرب وهو فارس اليمن يقول : ما أبالي أي ظعينة لقيت على ماء من أمواه معد ما لم يلقني دونها عبداها أو حراها ويعني بالحرين : عامر بن الطفيل وعتيبة ابن الحارث )
بن شهاب اليربوعي وعنى بالعبدين : عنترة العبسي والسليك بن السلكة .
____________________


قال الأثرم : ويقال : كانت المنافرة أن علقمة بن علاثة شرب الخمر فضربه عمر الحد فلحق بالروم فارتد فلما دخل على ملك الروم قال : انتسب . فانتسب له علقمة . فقال : أنت ابن عم عامر بن الطفيل فقال : ألا أراني لا أعرف هاهنا إلا بعامر فغضب فرجع فأسلم وتقدم بيان المنافرة في الشاهد السادس والعشرين .
ولما قدمت وفود العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة تسع من الهجرة قدم وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس أخو لبيد الصحابي لأمه وكانا رئيسي القوم ومن شياطينهم فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه : يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم . قال : والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لأربد : إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف فلما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يحير شيئاً فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال له عامر : أتجعل لي نصف ثمار المدينة وتجعلني ولي الأمر من بعدك وأسلم فأبى عليه صلى الله عليه وسلم فانصرف عامر وقال : أنا والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً فلما ولي قال صلى الله عليه وسلم : اللهم اكفني عامر بن الطفيل . فلما خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر لأربد : ويلك يا أربد : أين ما كنت أمرتك به والله ما كان على ظهر الأرض رجل أخوف عندي علي منك وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً . قال : لا أبالك لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف وخرجا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض
____________________

الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول : يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول ثم خرج أصحابه حين واروه التراب حتى قدموا أرض بني عامر فقالوا : ما وراءك يا أربد قال : لا شيء والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله . فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما . )
وروى ابن الأنباري في شرح المفضليات : لما مات عامر نصبت بنو عامر أنصاباً ميلاً في ميل حمى على قبره لا تنشر فيه راعية ولا يرعى ولا يسلكه راكب ولا ماش وكان جبار بن سلمى بن عامر بن مالك غائباً فلما قدم قال : ما هذه الأنصاب قالوا : نصبناها حمى على قبر عامر . فقال : ضيقتم على أبي علي إن أبا علي بان من الناس بثلاث : كان لا يعطش حتى يعطش الجمل وكان لا يضل حتى يضل النجم وكان لا يجبن حتى يجبن السيل .
ولعامر وقائع في مذحج وخثعم وغطفان وسائر العرب .
وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والستون بعد المائة وهو من شواهد س :
____________________

( لدن بهز الكف يعسل متنه ** فيه كما عسل الطريق الثعلب ) على أن حذف حرف الجر من الطريق شاذ . والأصل : كما عسل في الطريق الثعلب .
قال البن هشام في المغني : وقول ابن الطراوة : إنه ظرف مردود بأنه غير مبهم . وقوله : إنه اسم لكل ما يقبل الاستطراق فهو مبهم لصلاحيته لكل موضع منازع فيه بل هو اسم لما هو مستطرق . انتهى .
وقال الأعلم : استشهد به سيبويه على وصول الفعل إلى الطريق وهو اسم خاص للموضع المستطرق بغير واسطة حرف جر تشبيهاً بالمكان لأن الطريق مكان . وهو نحو قول العرب : ذهبت الشام . إلا أن الطريق أقرب إلى الإبهام من الشام لأن الطريق تكون في كل موضع يسار فيه وليس الشام كذلك .
وهذا البيت من قصيدة طويلة عدتها اثنان وخمسون بيتاً لساعدة بن جؤية الهذلي . وقبل بيت الشاهد هذه الأبيات : ( من كل أسحم ذابل لا ضره ** قصر ولا راش الكعوب معلب ) ( خرق من الخطي أغمض حده ** مثل الشهاب رفعته يتلهب ) ( مما يترص في الثقاف يزينه ** أخذى كخافية العقاب مخرب ) لدن بهز الكف يعسل متنه التعاور : التداول بالطعن وغايره . والضبر بفتح المعجمة وسكون الموحدة : مصدر ضبر : إذا )
وثب والضبر : الجماعة أيضاً . وروي موضعه :
____________________

ضرباً وأشرعت الرمح أي : أملته . والأسلات : الرماح . والقيون : جمع قين وهو الحداد وأراد : بما صاغ القيون : الأسنة وقوله : من كل أسحم أي : أسود . وروي بدله : أمسر . وكذلك روي : أظمى وهو بمعناه . وأراد به الرمح . و ذابل : قد جف وفيه لين . يقول : ليس به قصر فيضره ولا ضعف فيشد .
في الصحاح : ورمح راش أي : خوّار . وناقة راشة : ضعيفة . وهو من مادة الريش . وهو خبر مبتدأ محذوف أي : ولا هو راش الكعوب . و معلب : خبر بعد خبر . و المعلب : اسم مفعول من علبت الشيء ( تعليباً ) : إذا شددته وحزمته بعلباء البعير و العلباء بالكسر والمد : عصب العنق . وقوله : خرق من الخطي هو بكسر الخاء وسكون الراء وبالجر : صفة لأسحم ذابل .
قال السكري في شرح أشعار هذيل : يعني بالخرق الرمح ضربه مثلاً . يقول : هو في الرماح مثل الخرق في الفتيان . و الخرق : الذي يتصرف في الأمور ويتخرق فيها . و أغمض حده : يعني ألطف ورقق حد السنان . و الشهاب : السراج شبه السنان به عن غير أبي نصر . وقال الأخفش : خرق : ماض . وروى بعضهم : خرق من الخطي ألزم لهذما و الخرق أي : بفتح الكسر : الطويل . و اللهذم : الحديد القاطع انتهى .
وقوله : مثل الشهاب بالجر : صفة أخرى . وقوله : مما يترص الخ يعني : هذا الرمح مما يترص أي : يحكم في الصحاح : أترصته وترصته أي : أحكمته وقومته فهو مترص وتريص . وهو بالتاء المثناة والراء والصاد المهملتين . و طالثقاف بالكسر : الخشبة التي يقوّم بها الرمح . وقوله : أخذى أي : سنان أخذى وهو بالخاء والذال المعجمتين وهو صفة .
قال السكري : أخذى : منتصب مثل الأخذى من الكلاب وهو المنتصب
____________________

الأذن . وشبهه بخافية العقاب في الدقة والخافية : ما دون الريشات العشر من مقدم الجناح وهي ريشة بيضاء . و مخرب بالخاء المعجمة . يقول : كأنه غضبان من الحرص أن يقع في الدم . يقال : خرّبته بالتشديد فخرب كفرح . أي : أغضبته فغضب .
وقوله : لدن بهز الكف الخ بجر لدن صفة أخرى لأسحم ذابل ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي : هو لدن و اللدن : اللين الناعم . و يعسل يشتد اهتزازه . وعسل الثعلب )
والذئب في عدوه : إذا اشتد اضطرابه بفتح السين في الماضي وكسرها في المستقبل والمصدر عسلاً وعسلاناً بتحريكهما . والباء في قوله : بهز بمعنى عند متعلقة بلدن .
قال ابن خلف في شرح أبيات سيبويه : والأحسن أن يكون ظرفاً ليعسل أي : يعسل متنه عند هزه . فإن قيل : إن فيه ظرف قد عمل فيه يعسل فكيف يعمل في ظرف آخر فالجواب : أنهما ظرفان مختلفان : لأن فيه ظرف مكان وبهز ظرف زمان . . و الهز : مصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف أي : بهز الكف إياه .
وقال أبو علي في إيضاح الشعر : التقدير في قوله يعسل متنه يعسل هو يريد أنه لا كزازة فيه إذا هززته ولا جسو . ومثل ذلك قول الآخر : ( أو كاهتزاز رديني تعاوره ** أيدي التجار فزادوا متنه لينا ) ومثل ذكر المتن في هذه المواضع والمراد الجمهور قول الآخر : يغشى قرا عارية أقراؤه
____________________

ألا ترى أن المعنى يغشى هذه الفلاة ولا يريد تخصيص مكان منها دون مكان . قال ابن خلف : ويجوز أن يريد ثعلب الرمح وهو طرفه الداخل في جلبة السنان أي : يضطرب وسطه كما يضطرب طرفه لاعتداله واستوائه . ونبه بالأبعد على الأقرب لأنه إذا اهتز وسطه فأطرافه أول . انتهى .
ولا يخفى أن ذكر الطريق على هذا يكون لغواً . والهاء من فيه ضمير الهز كما قاله أبو علي ولبن الشجري . وأعاده ابن خلف على لدن . وجملة يعسل متنه مفسرة لقوله : لدن . وما ذكر هو رواية س . ورواه السكؤي في أشعاره هذيل كذا : لذ بهز الكف يعسل نصله و اللذ بالفتح : اللذيذ . يقول : هذا الرمح إذا هز بالكف فهو لذيذ أي : تلتذه الكف .
والالتذاذ في التحقيق لصاحب الكف .
وقال السكري : يضطرب نصله كما يضطرب الثعلب في الطريق إذاعدا و النصل : السنان .
ورواية سيبويه هي الجيدة . وابن جؤية كما قال الآمدي في المؤتلف والمختلف ساعدة بن جؤية . أخو بني كعب كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر . شاعر محسن جاهلي . )
وشعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة وليس فيه من الملح ما يصلح للمذاكرة . انتهى .
وهو شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم وليست له صحبة . كذا قال ابن حجر في الإصابة . فقول الآمدي : جاهلي ليس كما ينبغي . و جؤية بضم الجيم بعدها همزة مفتوحة وبعد الهمزة ياء مشددة . هذا هو المشهور . وهو مصغر وفي مكبره خمسة أقوال بينها ابن خلف في أوائل شرح أبيات سيبويه . ومقابل المشهور أنه ساعدة بن جوين . والله أعلم .
____________________


وذكر الآمدي أن ابن جؤية شاعر آخر اسمه عائذ بن جؤية النصري اليربوعي .
وأنشد بعده وهو الشاهد السبعون بعد المائة وهو من شواهد س : ( عزمت على إقامة ذي صباح ** لأمر ما يسود من يسود ) على أن الشاعر جر ذي صباح على لغة خثعم . وهو ظرف لا يتمكن والظروف التي لا تتمكن لا تجر ولا ترفع . ولا يجوز مثل هذا إلا في لغة هؤلاءالقوم أو في ضرورة .
قال سيبويه : وذو صباح بمنزلة ذات مرة تقول : سير عليه ذا صباح . خبرنا بذلك يونس . إلا أنه قد جاء في لغة خثعم مفارقاً لذات مرة ولذات ليلة . وأما الجيدة العربية فأن تكون بمنزلتها يريد بمنزلتها : ظرفاً قال رجل من خثعم : عزمت على إقامة . . البيت . فهو على هذه اللغة يجوز فيه الرفع . انتهى .
وقال أبو البقاء في شرح الإيضاح : قيل : هو بمنزلة ذات مرة إلا أنه أخرجه عن الظرف بالإضافة إليه وقيل : ذو زائدة أي : على إقامة صباح .
وجعل ابن جني في الخصائص إضافة ذي إلى صباح من إضافة المسمى إلى الاسم نحو : كان عندنا ذات مرة أي : الدفعة المسماة مرة والوقت المسمى صباحاً . وأنشد هذا البيت .
____________________


قال أبو علي الفارسي في التذكرة : هذا البيت قاله الشاعر ولم يقل بيتاً غيره . وكان استعان هو وقومه بملك على أعدائهم فقال : إن أردتم أعنتكم على أن يكون النهب لي فقالوا : لا نريد ذلك فقاتلوا أعداءهم بأنفسهم فاستظهر عليهم أعداؤهم فلما رأى استظهارهم عليهم أعانهم راضياً بأن لا يكون له النهب . فقال هذا الشاعر هذا البيت فقط يمدحه . فاللام متعلقة )
بيسود كأنه قال : يسود لأمر من يسود أي : بعقله وفضله يسود ليس للاشيء بل لأمر فيه .
انتهى وفيه : أنه ليس بيتاً مفرداً وإنما هو من أبيات . وليست القصة كما ذكرها . قال أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب هذا البيت لأنس بن مدركة الخثعمي . وذلك : أنه غزا هو ورئيس آخر من قومه بعض قبائل العرب متساندين فلما قربا من القوم أمسيا فباتا حيث جن عليهم الليل فقام صاحبه فانصرف ولم يغنم وأقام أنس حتى أصبح فشن عليهم الخيل فأصاب وغنم وغنم أصحابه . . فهذا معنى قوله : عزمت على إقامة ذي صباح . وهو آخر الأبيات .
قال أبو الندى : وكان أنس مجاوراً لبني الحارث بن كعب فوجد أصحابه منهم جفاءً وغلظة فأرادوا أن يفارقوهم فقال لهم : أقيموا إلى الصباح فلما ظفر بنو الحارث ببني عامر يوم فيف الريح قال عند ذلك ما قال . وأول الأبيات : ( دعوت إلى المصاع فجاوبوني ** بورد ما ينهنهه المذيد )
____________________

( كأن غمامة برقت عليهم ** من الأصياف ترجسها الرعود ) عزمت على إقامة ذي صباح انتهى ولا يخفى أن هذه الأبيات أجنبية لا يظهر ارتباطها بالبيت الأخير .
والمصاع : مصدر ماصع أي : قاتل والمصع : الضرب بالسيف . وقوله : على إقامة ذي صباح لا يبعد أن يكون على تقدير : على إقامة ليل ليل ذي صباح . وما : زائدة للتوكيد . يقول : عزمت على الإقامة إلى وقت الصباح لأني قد وجدت الرأي والحزم قد أوجبا ذلك . ثم قال : لأمر ما يسود من يسود يريد : أن الذي يسوده قومه لا يسودونه إلا لشيء من الخصال الجميلة والأمور المحمودة رآها قومه فيه فسودوه لأجلها .
أنشد صاحب الكشاف هذا البيت في سورة الإخلاص في جواب السائل : لم كانت هذه السورة مع قصرها عدل القرآن قال الجاحظ في كتاب شرائع المروءة : وكانت العرب تسود على أشياء : أما مضر فتسود ذا رأيها وأما ربيعة فمن أطعم الطعام وأما اليمن فعلى النسب . وكان أهل الجاهلية لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال : السخاء والنجدة والصبر والحلم والتواضع والبيان وصار في الإسلام سبعاً . وقيل لقيس بن عاصم : بم سدت قومك قال : ببذل الندى وكف )
الأذى ونصرة المولى وتعجيل القرى . وقد يسود الرجل بالعقل والعفة والأدب والعلم . وقال بعضهم : السودد اصطناع العشيرة واحتمال الجريرة .
وقال الأصمعي : ذكر أبو عمرو بن العلاء عيوب جميع السادة وما كان فيهم من الخلال المذمومة إلى أن قال : ما رأيت شيئاً يمنع من السودد إلا قد رأيناه في سيد : وجدنا الحداثة تمنع السودد وساد أبو جهل بن هشام وما طر شاربه ودخل دار الندوة وما استوت لحيته .
ووجدنا البخل يمنع السودد وكان أبو سفيان بخيلاً عاهراً وكان عامر بن الطفيل بخيلاً فاجراً وكان سيداً . والظلم يمنع من السودد
____________________

وكان كليب بن وائل ظالماً وكان سيد ربيعة وكان حذيفة حذيفة بن بدر ظالماً وكان سيد غطفان . والحمق يمنع السودد وكان عيينة بن حصن أحمق وكان سيداً . وقلة العدد تمنع السودد وكان السيل بن معبد سيداً ولم يكن بالبصرة من عشيرته رجلان . والفقر يمنع السودد وكان عتبة بن ربيعة مملقاً وكان سيداً .
وناظم هذا البيت أنس بن مدرك الخثعمي كما ذكرنا . وهو جاهلي .
وصحفه ابن خلف في شرح أبيات سيبويه بأوس بن مدرك وقال : أوس من الأسماء المنقولة إلى العلمية . والأوس هنا الذئب وإن أمكن أن يكون من العطية .
وكشفت عن اسمه في الجمهرة لابن الكبي فوجدته قال في جمهرة خثعم بن أنمار ما نصه : أنس بن مدرك بن كيعب بالتصغير بن عمرو بن سعد بن عوف بن العتيك بن حارثة بن سعد بن عامر بن تيم الله بن مبشر بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن حلف بن أفتل وهو خثعم . وهو أبو سفيان الشاعر . وقد رأس . انتهى .
ونقل ابن خلف عن الجاحظ : أن هذا البيت لإياس بن مدركة الحنفي . وهذا غير مناسب فإنهم نقلوا أن قائل هذا البيت خثعمي لا حنفي . وخثعم أبو قبيلة من اليمن وهو خثعم بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الحادي والسبعون بعد المائة صلاءة ورس وسطها قد تفلقا
____________________

على أن وسط ساكنة السين قد تتصرف وتخرج عن الظرفية كما في هذا البيت .
وصدره : أتته بمجلوم كأن جبينه فوسطها مرفوع على أنه مبتدأ وجملة قد تفلق خبره .
كذا أورده أبو علي الفارسي في الإيضاح الشعري وابن جني في الخصائص وأوردا له نظائر .
قال ثعلب في الفصيح : جلس وسط القوم بسكون السين وجلس وسط الدار واحتجم وسط رأسه بفتح السين . قال شارحه الإمام المرزوقي : النحويون يفصلون بينهما ويقولون : وسط بسكون السين اسم الشيء الذي ينفك عن المحيط به جوانبه تقول : وسط رأسه دهن لأن الدهن ينفك عن الرأس ووسط رأسه صلب لأن الصلب لا ينفك عن الرأس . وربما قالوا : إذا كان آخر الكلام هو الأول فاجعله وسطاً بالتحريك وإذا كان آخر الكلام غير الأول فاجعله وسطاً بالتسكين .
وحكى الأخفش : أن وسطاً قد جاء في الشعر اسماً وفارق الظرفية وأنشد بيتاً آخره وسطها قد تفلقا وسطها مبتدأ مرفوع . ويقال : وسطت الأمر أسطه وسطاً بالسكون . وأبو العباس ثعلب راعى فيما اختاره هنا أن وسطاً إذا كان بعض ما أضيف إليه يحرك السين منه وإذا كان غير ما أضيف إليه يسكن سينه ألا ترى أن وسط الدار بعضها وأن وسط القوم غيرهم فاما تفسيرهم لوسط ببين فبين لشيئين يتباين أحدهما عن الآخر فصاعداً تقول : بين زيد وعمرو بين لتباينهما وإن كررت بين للتأكيد جاز . ووسط لشيئين يتصل أحدهما بالآخر تقول : وسط الحصير قلم ولا تقول : بين الحصير قلم إلا أنه يستعار فيوضع بدلاً منه . انتهى .
____________________


وقال ابن هشام اللخمي في شرح الفصيح : وسط الشيء وأوسطه : ما بين طرفيه فإذا سكنت السين كان ظرفاً وإذا فتحتها كان اسماً فإنما يكون اسماً إذا أردت به الوسط كله ويكون ظرفاً إذا لم ترد به الوسط كله وذلك إذا حسنت فيه في تقول : قعدت وسط الدار فوسط الدار ساكن الوسط وهو السين لأنه ظرف ولأنك لا تأخذ بقعودك وسط الدار كله وإنما تريد قعدت في وسط الدار فلما أسقطت في انتصب على الظرف . )
فإن قلت : ملأت وسط الدار قمحاً فتحت السين لأنه مفعول به لأن ملأت لا يقع إلا على الوسط كله فقمح نصب على التمييز لأن التقدير ملأت وسط الدار من قمح . وكذلك تقول : حفرت وسط الدار بئراً وبنيت وسط الدار مجلساً فوسط مفعول به وبئراً ومجلساً منصوبان على الحال .
قال أبو علي في التذكرة : فإن قلت : إنه في حال ما يحفر ليس ببئر فإن ذلك تجوز ألا ترى قوله تعالى : إني أراني أعصر خمراً فالبئر أقرب من هذا ألا ترى أن هذا في حال العصر ليس بخمر حتى يشتد وبعض الآبار في العمق أقل من بعض ولا يخرجه ذلك عن أن يكون بئراً . ويجوز أن يحمل حفرت على معنى جعلت فتنصبه على أنه مفعول فإن هذا مذهب البصريين .
وأكثر اللغويين يجعلون الوسط والوسط بمعنى واحد وهو مذهب أبي العباس وتمثيله يدل على ذلك لأنه قال : وجلس وسط الناس يعني بينهم بسين ساكنة على أن وسطاً ظرف ولذلك قدره بالظرف ثم قال : وجلس وسط الدار واحتجم وسط رأسه بتحريك السين . وهذا لا يجوز عند البصريين لأنه إذا فتح السين كان اسماً وإذا كان اسماً لم ينصبه إلا الفعل المتعدي .
فقوله : جلس وسط الدار واحتجم وسط رأسه بفتح السين لا يجوز لما قدمنا . فإن سكنت السين كان ظرفاً وكان العامل فيه جلس . فاعلم ذلك انتهى .
وهذا مخالف لما قاله الإمام المرزوقي فتأمل وروى أبو الحسن علي بن محمد المدايني في كتاب النساء الناشزات كما سيأتي نصفها قد تعلقا وعليه لا شاهد فيه
____________________

والمجلوم بالجيم واللام : اسم مفعول من جلمت الشيء جلماً من باب ضرب : قطعته فهو مجلوم وجلمت الصوف والشعر : قطعته بالجلمين : وهذا هو المراد هنا .
قال صاحب المصباح : الجلم بفتحتين : المقراض والجلمان بلفظ التثنية مثله كما يقال فيه : المقراض والمقراضان والقلم والقلمان . ويجوز أن يجعل الجلمان والقلمان اسماً واحداً على فعلان كالسرطان والدبران وتجعل النون حرف إعراب . ويجوز أن يبقيا على بابهما في إعراب المثنى فيقال : شريت الجلمين والقلمين . انتهى .
وهذه رواية أبي زيد وغيره . ورواه أبو حاتم : أتته بمحلوق من حلق رأسه بالموسى مثلاً من باب ضرب .
والجبين : ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ وهما جبينان : عن يمين الجبهة وشمالها قاله )
الأزهري وابن فارس وغيرهما . فتكون الجبهة بيبن جبينين . وجمعه جبن بضمتين وأجبنة مثل أسلحة كذا في المصباح .
والصلاية بفتح الصاد : الحجر الأملس الذي يسحق عليه شيء ويقال : صلاءة أيضاً بالهمزة .
وروي هنا بهما . قال في الصحاح : والصلاية : الفهر أي : حجر ملء الكف وإنما قال امرؤ القيس : فأضافه إليه لأنه يفلق به إذا يبس . والورس بفتح الواو وسكون الراء : نبت أصفر يزرع باليمن ويصبغ به وقيل : صنف من الكركم وقيل : يشبهه .
____________________

وقوله : قد تفلقا يقال : فلقته فلقاً من باب ضرب : شققته فانفلق وفلّقته بالتشديد : مبالغة ومنه خوخ مفلّق اسم مفعول وكذلك المشمس ونحوه : إذا تفلق عن نواه وتجفف فإن لم يتجفف فهو فلوق بضم الفاء واللام مع تشديدها . وتفلق الشيء : تشقق كذا في المصباح .
وهذا البيت من أبيات ثمانية للفرزدق رواها أبو الحسن علي بن محمد المدائني في كتاب النساء الناشزات قال : زوّج جرير بن الخطفى بنته عضيدة بن عضيدة ابن أخي امرأته وكان منقوص العضد فخلعها منه أي : طلّقها بفدية فقال الفرزدق : ( ما كان ذنب التي أقبلت نعتلها ** حتى اقتحمت بها أسكفة الباب ) ( كلاهما حين جد الجري بينهما ** قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي ) ( يا ابن المراغة جهلاً حين تجعلها ** دون القولص ودون البكر والناب ) وقال الفرزدق أيضاً : الطويل
____________________

( لئن أم غيلان استحل حرامها ** حمار الغضا من ثقل ما كان رنّقا ) ( لما نال راق مثلها من كعابة ** علمناه ممن سار غرباً وشرّقا ) ( إذا بركت لابن الشغور ونوّخت ** على ركبتيها للبروك والحقا ) ( فما من دراك فاعلمن لنادم ** وإن صك عينيه الحمار وصفّقا ) ( وكيف ارتدادي أم غيلان بعدما ** جرى الماء في أرحامها وترقرقا ) ( ستعلم من يخزى ويفضح قومه ** إذا ألصقت عند السفاد وألصقا ) ( أبيلق رقّاء أسيّد رهطه ** إذا هو رجلي أم غيلان فرّقا ) فأجابه جرير بن الخطفى : ) ( هلاّ طلبت بعقر جعثن منقراً ** ومجرّها وتركت ذكر الأبلق ) ( سبعون والوصفاء مهر بناتنا ** إذ مهر جعثن مثل حزر البندق ) ( كم قد أثير عليكم من خزية ** ليس الفرزدق بعدها بفرزدق ) انتهى ما أورده المدائني .
وقوله : أقبلت تعتلها يقال : عتلت الرجل أعتله من بابي نصر وضرب : إذا جذبته عنيفاً .
وضمير المؤنث لأم غيلان بنت جرير .
وروى أبو زيد في نوادره :
____________________

ما بال لومكما إذ جئت تعتلها خطاباً لجرير وزوجته من اللوم وهو التعنيف . وروى المبرّد في الاعتنان : ما بال لومكما بضمير المؤنث فيكون ضمير بنته عضيدة . وقوله : حتى اقتحمت بها الخ أي : إلى أن أدخلتها عتبة بابك .
وقوله : كلاهما حين جدّ الجري الخ ضمير التثنية لابنة جرير عضيدة ولزوجها . وزعم العيني وغيره أن الضمير للفرسين . وزاد شارح شواهد المغني أن فيه التفاتاً والأصل كلاكما . ورد عليه شارح المغني الحلبي بأنه يأباه قول الشارحين أن البيت في وصف فرسين تجاريا . وهذا لا أصل له وكأنهم فهموه من ظاهر البيت وسببه أنهم لم يقفوا على منشأ الشعر .
وقوله : جدّ الجري أي : اشتد العدو . وقوله : قد أقلعا يقال : أقلع عن الأمر إقلاعاً : إذا تركه والصلة هنا محذوفة أي : أقلعا عن الجري . وقوله : رابي من الربو وهو النفس العالي المتتابع يقال : ربا يربو : إذا أخذه الربو . والبهر بضم الباء وهو تتابع النفس . وهذا تمثيل وتشبيه يقول : إن بنت جرير وزوجها قد افترقا حين حصلت الألفة بينهما ولم يمضيا على حالهما فهما كفرسين جدّا في الجري ووقفا قبل الوصول إلى الغاية .
وهذا البيت من شواهد مغني اللبيب وغيره من كتب النحو وأورد شاهداً على أنّ كلا يجوز مراعاة لفظها فيعود الضمير إليها مفرداً ومراعاة معناها فيعود الضمير عليها مثنّى وقد اجتمعا وقوله : يا ابن المراغة الخ المراغة : الأتان والفرزدق يقول لجرير يا ابن المراغة تعبيراً له بأن عشيرته بني كليب أصحاب حمير . وقال الغوريّ : لأنّ أمه ولدته في مراغة الإبل . وقال ابن عباد : المراغة الأتان لا تمنع الفحولة وبذلك هجا الفرزدق جريراً . وقال بعضهم : المراغة أم جرير لقبها )
به الأخطل . يريد : أنها كانت مراغة للرجال كذا في العباب للصاغاني .
وقوله : جهلاً حين تجعلها إلخ يريد : إنك جهلت في تزويجك إياها لغير أهل الإبل .
____________________


وقوله : لئن أم غيلان الخ أم غيلان هي بنت جرير وأراد بحمار الغضا زوجها وهو فاعل استحل وحرامها مفعوله . يقول : إن استحلّ بضعها ما كان حراماً عليه قبل العقد . و رنّق بالراء المهملة والنون بمعنى أقام في العباب و رنّق القوم بالمكان : إذا أقاموا به و رنّق الطائر : إذا خفق بجناحيه ورفرف فوق الشيء ولم يطر . أراد من كثرة إقامته مع الإلحاح .
وقوله : لما نال راق الخ هذا جواب القسم وجواب الشرط محذوف وراق بالتنوين اسم فاعل من رقيت السطح والجبل : علوته يتعدى بنفسه . ومثلها : مفعوله . وكعابة بكسر الكاف : مصدر كعبت الجارية تكعب كعوباً وكعابة إذا بدا ثديها فهي كاعب وكعاب بالفتح وفيه مضاف محذوف أي : من ذات كعابة . وقوله : علمناه الجملة صفة راق .
وقوله : حبته بمحلوق أي : خصّصته بإعطاء فرج محلوق . وروي : أتته بمحلوق . وهذا البيت في وقوله : إذا برت لابن الشغور إلخ هذه كلمة سب والشغور في الأصل : الناقة التي تشغر بقوائمها إذا أخذت لتركب أو تحلب . وقوله : ونوّخت بالنون والخاء المعجمة بالبناء للمفعول يقال : تنوّخ الجمل الناقة : أناخها ليسفدها . و البروك : مصدر برك بروكاً أي : استناخ قال جرير : ( وقد دميت مواقع ركبتيها ** من التّبراك ليس من الصلاة ) وقوله : ألحفا من ألحق الشيء بالشيء أي : أوصله به معطوف على بركت .
وقوله : فما من دراك الخ أي : لا يقدر أن يلحقهما قادم عليهما أي : لا يتفرقا منه لشدة شبقهما . وقوله : وإن صك الخ إن وصلية وصكّه :
____________________

ضربه والحمار فاعله . والتصفيق : الردّ والصرف .
وقوله : أبيلق رقّاء مصغر أبلق وهو اسم زوج بنت جرير ورقّاء مبالغة راق صفة لأبيلق .
وأسيّد مفعوله مضاف لما بعده . قال المبرّد في الاعتنان : كان جرير زوّج بنته الأبلق الأسيدي أسيّد بن عمرو بن تميم فلم يحمده . وذكر هجاء جرير إياه ورهطه .
وقوله : هلا طلبت بعقر الخ العقر بالضم : دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها . وجعثن بكسر الجيم والمثلثة : اسم أخت الفرزدق . ومنقر بكسر الميم وفتح القاف . أراد أولاد الأشدّ المنقريّ وكان عمران بن مرّة المنقري أسر جعثن أخت الفرزدق يوم السّيدان وفيه يقول جرير : ) ( خزي الفرزدق بعد وقعة سبعة ** كالحصنمن ولد الأشدّ ذكور ) وقال أيضاً : ( على حفر السيدان لاقيت خزية ** ويوم الرحا لم ينق ثوبك غاسله ) ( وقد نوّختها منقر قد علمتم ** لمعتلج الدأيات شعر كلاكله ) ( يفرج عمران بن مرة كينها ** وينزو نزاء العير أعلق حائله ) والغمز : شبه الطعن والدفع . والكين : لحم الفرج . والنغانغ :
____________________

أورام تحدث في الحلق . والمعذور : الذي أصابته العذرة وهو وجع الحلق . يريد أن اخته نكحها حين أسرت سبعة من ولد الأشد المنقري . ويقال : علقت الأنثى من الذكر وأعلقت : إذا حملت . والحائل : التي يضربها الفحل فلا تحمل . وهذا افتراء من جرير على جعثن فإنها كانت من النساء الصالحات وقد اعترف جرير بقذفه إياها وندم عليه وكان يستغفر الله مما قذفها به كما مر .
والأبلق : زوج بنت جرير . وقوله : سبعون والوصفاء هو جمع وصيف . يريد : أن مهر بناتنا سبعون من الإبل مع الوصفاء .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الثاني والسبعون بعد المائة الطويل ( ألا قالت الخنساء يوم لقيتها ** أراك حديثاً ناعم البال أفرعا ) على ان صفة الزمان القائمة مقام الموصوف يلزمها الظرفية عند سيبويه كما في هذا البيت .
أي : زماناً حديثاً .
وهذا البيت أول أبيات ثلاثة مذكورة في الحماسة ثانيها : ( فقلت لها : لا تنكريني فقلّما ** يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا ) ( وللقارح اليعبوب خير علالة ** من الجذع المرخى وأبعد منزعا ) الرواية في الحماية وشروحها :
____________________

ألا قالت العصماء لمّا لقيتها والعصماء : امرأة . والحديث هنا : نقيض القديم وهو هنا ظرف . يقول : قالت لي هذه المرأة لما التقيت معها : أعلمك عن قريب ناعم الحال أفرع أي : تام شعر الرأس لم يتسلط صلع ولا حدث انحسار شعر فكيف تغيرت مع قرب الأمد والرؤية بصرية وناعم البال : مفعوله وأفرعا صفته . وناعم : من نعم الشيء بالضم : أي : صار ناعماً ليناً وكذلك نعم ينعم مثل حذر يحذر وفيه لغة ثالثة مركبة بينهما : نعم ينعم بكسر الأول وضم الثاني ولغة رابعة نعم ينعم بكسر عينيهما وهو شاذ كذا في الصحاح .
والبال : القلب وخطر ببالي أي : بقلبي وهو رخيّ البال أي واسع الحال وهذا هو المراد . قال ابن الأنباريّ في شرح المفضليات : و الأفرع بالفاء والراء والعين المهملتين هو الكثير شعر الرأس يقال : رجل أفرع وامرأة فرعاء وقد فرع من باب فرح . وضدّ الأفرع الأزعر والمرأة زعراء انتهى .
وقال صاحب الصحاح : الفرع بفتحتين : مصدر الأفرع وهو التام الشعر وقال ابن دريد : امرأة فرعاء كثيرة الشعر قال : ولا يقال للرجل إذا كان عظيم اللحية أو الجمّة أفرع وإنما يقال أفرع لضد الأصلع انتهى .
وهذا المصراع الثاني قد وقع في قصيدة متمم بن نويرة التي رثى بها أخاه مالك بن نويرة وهو : ( تقول ابنة العمريّ مالك بعدما ** أراك حديثاً ناعم البال أفرعا ) )
وقوله : فقلت لها الخ يقول : قلت لها : لا تستنكري ما رأيت من شحوب لوني وانحسار شعر رأسي فما ينال الفتى السيادة حتى يستبدل بشبيبته شبيباً وبوفور شعر رأسه صلعاً .
وقوله : وللقارح اليعبوب الخ القارح من الخيل بمنزلة البازل من الإبل وهو الذي تمت واستحكمت قوته . والقروح : انتهاء السنّ واليعبوب : الفرس الكثير الجري والجذع : ماله سنتان . والعلالة بالضم : بقية الجري ويريد به هنا الجري . والمرخى : الذي يرخى في سيره قليلاً قليلاً لا يكلف أكثر من ذلك . ويروى : المرخي بكسر الخاء والإرخاء : لين في العدو . ويروى بفتح الخاء وهو المرسل المهمل . و المنزع : النزوع إلى الغاية . وانتصاب
____________________

منزعاً وعلالة على التمييز وهذا مثل ضربه في تفضيل نفسه مع شيخوخته وقد أدّبه الدهر على الأحداث الذين لم يجربوا الأمور فيقول : للفرس المتناهي في القوة والسن الذي يجري جرية الماء سهولة ونفاذاً خير بقاء وأبعد غاية من ابن سنتين وهو مهمل لم يؤدب بإسراج ولا إلجام .
وهذا الشعر لم يذكر قائله أحد من شراح الحماسة .
وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث والسبعون بعد المائة : الكامل باكرت حاجتها الدجاج بسحرة عجزه : لأعل منها حين هب نيامها على أن الدجاج منصوب على الظرف بتقدير مضافين أي : وقت صياح الدجاج إذا كانت باكرت بمعنى بكرت لا غالبت بالبكور .
أقول : باكر متعد بنفسه إلى مفعول واحد قال في المصباح : وباكرت بمعنى بكرت إليه .
وحاجتها : مفعول باكرت . وبكر بالتخفيف من باب قعد فعل لازم يتعدى بإلى يقال : بكر إلى الشيء بمعنى بادر إليه أيّ وقت كان .
وقال أبو زيد في كتاب المصادر : بكر بكوراً وغدا غدوّاً هذان من أول النهار . فإذا نقل إلى فاعل للمغالبة تعدّى إلى مفعول واحد . تعدى إلى مفعول واحد . ومعنى المغالبة أن يغلب الفاعل المفعول في معنى المصدر . فضمير المتكلم الذي هو التاء فاعل وقد غالب )
الدجاج وهو المفعول في البكور فغلبه فيه . فيكون حاجتها : منصوباً بنزع الخافض وهو إلى لأن أصل باكر يتعدى به كما ذكرنا . فإذا كان باكر من باب المغالبة كان للتكثير في البكور إلى الحاجة نحو ضاعفت الشيء بمعنى
____________________

كثرت أضعافه فيكون قوله : حاجتها مفعوله ويكون الدجاج منصوباً على الظرف بتقدير مصدر مضاف والتقدير صياح الدجاج وهذا المصدر نائب عن اسم الزمن الواقع ظرفاً أي : وقت صياحه .
وقد ذكر ابن قتيبة هذا البيت في أبيات المعاني وحمله على المغالبة مع تقديره المضاف فقال : أي : بادرت بحاجتي إلى شربها أصوات الدّيكة لأشرب منها مرة بعد مرة : وهو العلل انتهى .
ومعنى بادرت سبقت . وكذا قال شراح المعلقات : وهذا البيت من معلقة لبيد بن ربيعة المشهورة وقبله : ( أغلي السباء بكل أدكن عاتق ** أو جونة قدحت وفضّ ختامها ) ( بصبوح صافية وجذب كرينة ** بموتر تأتاله إبهامها ) باكرت حاجتها الدجاج بسحرة قوله : أغلى بضم الهمزة أي : أشتري غالياً . والسباء : بالكسر والمد : اشتراء الخمر ولا يستعمل في غيرها يقال : سبأت الخمر بالهمز أسبؤها بالضم سبئاً بسكون الباء ومسبأ : إذا ( كأساً بفيها صهباء مغرقة ** يغلو بأيدي التجار مسبؤها ) أي : غنها من جودتها يغلو اشتراؤها واستبأتها مثله والاسم السباء على فعال بكسر الفاء ومنه سميت الخمر سبيئة على وزن فعيلة وخمارها سبّاء على فعّال
____________________

بالتشديد . وأما إذا اشتريتها لتحملها إلى بلد آخر قلت سبيت الخمر بلا همز كذا في الصحاح والباء بمعنى مع .
والأدكن : الزق الأغبر . والعاتق : قيل هي الخالصة يقال لكل ما خلص : عاتق وقيل : التي عتقت وقيل : التي لم تفتح . فهو من صفة الخمر وهو الصحيح لأنه يقال : اشترى زق خمر وإنما اشترى الخمر : ف عاتق مضاف إليه . وقيل : العاتق من صفات الزقّ فهو وصف لأدكن .
والجونة بفتح الجيم : الخابية .
وقدحت بالبناء للمفعول بمعنى غرفت والمقدحة بالكسر : المغرفة وقيل : قدحت : مزجت وقيل : معناه بزلت يقال : بزلت الشيء بزلاً بالموحدة والزاي المعجمة إذا ثقبته واستخرجت ما فيه . وفضّ كسر وختامها : طينها . وفيه تقديم وتأخير أي : فض ختامها وقدحت لأنه ما لم )
يكسر ختامها لا يمكن اغتراف ما فيها . يقول : أشتري الخمر غالية السعر : باشتراء كل زق أدكن أو خابية سوداء قد فض ختامها واغترف منها . وتحرير المعنى : أشتري الخمر للندماء عند غلاء السعر . وأشتري كل زق مقير أو خابية مقيّرة . وإنما قيّرا لئلا يرشحا بما فيهما .
وقوله : بصبوح صافية الخ والصبوح : شرب الغداة ويريد : بالصافية الخمر والكرينة بفتح الكاف وكسر الراء المهملة : المغنية بالعود والكران بكسر الكاف هو العود . والموتر : العود الذي له أوتار . وتأتاله بفتح اللام الجارّة : من قولك تأتيت له كأنها تفعل ذلك على مهل وترسل . ويروى : تأتاله بضم اللام : من قولك ألت الأمر : إذا أصلحته كذا في شروح المعلقات .
وروي : وصبوح صافية بواو ربّ والمعنى : كم صبوح من خمر صافية استمتعت باصطباحها وجذب عوّادة عوداً موتّراً يعالجه إبهام العوّادة استمتعت بالإصغاء إلى غنائها .
وقوله : باكرت حاجتها الخ باكرت متعالق قوله : بصبوح صافية على رواية الباء وهو جواب واو ربّ على رواية الواو . وروي : بادرت موضع باكرت . وضمير حاجتها راجع إلى الصافية المارد منها الخمر ومعناه : حاجتي في الخمر فأضاف الحاجة إلى ضمير الخمر اتساعاً وجعله الشارح المحقق فيما يأتي
____________________

قريباً من باب إضافة المصدر إلى ظرفه وقال : إلا أنه كالمضاف إلى المفعول به المنصوب بنزع الخافض أي : حاجتي إليها وهو في الحقيقة بمعنى الللام . وروي في ديوانه : باكرت لدّتها الدجاج وهو جمع دجاجة بفتح الدال وكسرها يطلق على الذكر والأنثى والهاء للواحد من الجنس والمراد هنا الديوك . والمعنى : باكرت بشربها صياح الديكة .
والسحرة بالضم : أول السّحر . وقوله : لأعلّ متعلق بباكرت وبالبناء للمفعول من الغلل وهو الشرب الثاني وقد يقال للثالث والرابع : علل من قولهم : تعلّلت به أي : انتفعت به مرة بعد مرة والنهل محركة : الشرب الأوّل . أي : تعاطيت شربها قبل صدح الديك لأسقى منها مرة بعد أخرى أي : حين استيقظ نيام السحر . وهبّ من نومه : استيقظ . ونيام : جمع نائم .
ومثله للنابغة الجعديذ : ( سبقت صياح فراريجها ** وصوت نواقيس لم تضرب ) قال الأصمعي : الفراريج : الديكة .
وقال جرير مثله : ( لما تذكرت بالديرين أرّقني ** صوت الدجاج وضرب بالنواقيس ) )
وترجمة لبيد بن ربيعة تقدمت في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة .
____________________


وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المائة يا سارق الليلة أهل الدار على أنه قد يتوسع في الظروف المنصرفة فيضاف إليها المصدر والصفة المشتقة منه فإن الليل ظرف متصرّف وقد أضيف إليه سارق وهو وصف .
وقد وقع هذا في كتاب سيبويه . وأورده الفرّاء أيضاً في تفسيره عند قوله تعالى فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله وقال : أضاف سارق إلى الليلة ونصب أهل . وكان بعض النحوييين ينصب الليلة ويخفض أهل فيقول : يا سارق الليلة أهل الدار هذا كلامه .
قال ابن خروف في شرح الكتاب : أهل الدار منصوب بإسقاط الجار ومفعوله الأول محذوف والمعنى : يا سارق الليلة لأهل الدار متاعاً فسارق متعد لثلاثة أحدهما الليلة على السعة والثاني بعد إسقاط حرف الجر والثالث مفعول حقيقي . وجميع الأفعال متعديها ولازمها يتعدى إلى الأزمنة والأمكنة . انتهى .
وفيه نظر فإن أهل اللغة نقلوا : أن سرق يتعدى بنفسه إلى مفعولين قال صاحب المصباح وغيره : سرقه مالاً يسرقه من باب ضرب وسرق منه مالاً يتعدى إلى الأول بنفسه وبالحرف فجعل من في المثال الثاني زائدة . فالصواب أن الليلة هو المفعول الأول وأهل الدار بدل منها فيقتضي أن يكون منصوباً بسارق آخر لأن البدل على نية تكرار العامل والمفعول الثاني حذف لإرادة التعميم أي : متاعاً ونحوه .
قال السيد في شرح الكشاف : وأهل الدار منصوب بسارق لاعتماه على حرف النداء كقولك : يا ضارباً زيداً ويا طالعاً جبلاً . وتحقيقه : أن النداء يناسب الذات فاقتضى تقدير الموصوف أي : يا شخصاً ضارباً . انتهى .
ولم يجر للمفعول الثاني ذكراً وكأنه لوضوحه تركه .
____________________


وقول الفناري في حاشية المطول : الظاهر أن انتصاب أهل الدار بمقدر أي : احذر أهل الدار خلاف المعنى المقصود . قال السيد : والاتساع في الظرف أن لا يقدر معه في توسعاً فينصب نصب المفعول به كقوله : ويوماً شهدناه أو يضاف إليه على وتيرته ك مالك يوم الدين وسارق )
الليلة حيث جعل اليوم مملوكاً والليلة مسروقة وأما مكر الليل والنهار فإن جعلا ممكوراً بهما كما يقتضيه سياق كلامه في المفصل كان مثالاً لما نحن فيه : من إجراء الظرف مجرى المفعول به وإن جعلا ماكرين كانا مشبهين به في إعطاء الظرف حكم غيره . والإضافة في الكل بمعنى اللام .
ولم يقيد المصنف يعني الزمخشري الإضافة بمعنى في وإن كانت رافعة مؤنة الاتساع وما يتبعه من الإشكال إما لأن إجراء الظرف مجرى المفعول به قد تحقق في الضمائر بلا خلاف وصورة الإضافة لما احتملت وجهين كانت محمولة على ما تحقق فلا إضافة عندهم بمعنى في .
وإما لأن الاتساع يستلزم فخامة في المعنى فكان عند أرباب البيان بالاعتبار أولى . ومن أثبتها من النحاة فلنظرة في تصحيح العبارة على ظاهرها . انتهى كلامه .
وقوله : وما يتبعه من الإشكال هو وصف المعرفة بالنكرة لأن الإضافة على الاتساع لفظية فيشكل كونه صفة للاسم الكريم فلو كانت الإضافة بمعنى في لكانت معنوية وصح الوصف به لحصول التعريف للمضاف بناء على أن الإضافة اللفظية لا تكون على تقدير حرف .
واعلم أن صاحب الكشاف قال في مالك يوم الدين : معنى الإضافة على الظرفية بعد أن قال : إن يوم الدين أضيف إليه مالك على الاتساع فظاهره التنافي بينهما لأن الإضافة على الاتساع لفظية وكون المعنى على الظرفيى يقتضي أن الإضافة معنوية . فدفعه السيد بقوله : يعني أن الظرف وإن قطع في الصورة عن تقدير في وأوقع موقع المفعول به إلا أن المعنى المقصود الذي سيق الكلام لأجله على الظرفية لأن كونه مالكاً ليوم الدين كناية عن كونه مالكاً فيه للأمر كله فإن تملّك الزمان كتملك المكان يستلزم تملّك جميع ما فيه انتهى .
____________________


وإضافة الوصف إلى الظرف المذكور من قبيل المجاز اللغوي عند السيد ومن باب المجاز الحكمي عند التفتازاني .
ورده السيد بقوله : ومن قال : الإضافة في مالك يوم الدين مجاز حكمي ثم زعم أن المفعول به محذوف عامّ يشهد لعمومه الحذف بلا قرينة ورد عليه أن مثل هذا المحذوف مقدر في حكم الملفوظ فلا مجاز حكمياً كما في واسأل القرية إذ كان الأهل مقدراً انتهى .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الخامس والسبعون بعد المائة وهو من شواهد : أستغفر الله ذنباً هو قطعة من بيت وهو : ( أستغفر الله ذنباً لست محصيه ** رب العباد إليه الوجه والعمل ) على أن الأصل استغفر الله من ذنب فحذف من لأن استغفر يتعدى إلى المفعول الثاني بمن .
ومعناه طلب المغفرة أي : الستر على ذنوبه . وأراد بالذنب جميع ذنوبه فإن النكرة قد تعم في الإثبات . ويدل عليه قوله : لست محصيه أي : انا لا أحصي عدد ذنوبي التي أذنبتها وأنا أستغفر الله من جميعها . ورب العباد صفة للاسم الكريم . قال الأعلم : والوجه هنا : القصد والمراد وهو بمعنى التوجه أي : إليه التوجه في الدعاء والطلب والمسألة والعبادة والعمل له .
يريد : هو المستحق للطاعة .
____________________

وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها .
وأنشد بعده وهو الشاهد السادس والسبعون بعد المائة وهو من شواهد المفصل : كوكب الخرقاء وهو قطعة من بيت وهو : ( إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ** سهيل أذاعت غزلها في القرائب ) على أن الشيء قد يضاف إلى الشيء لأدنى ملابسة .
بيانه : أن الخرقاء هي المرأة التي لا تحسن عملاً والأخرق : الرجل الذي لا يحسن صنعة وعملاً يقال : خرق بالشيء من باب قرب : إذا لم يعرف عمله . وذلك إما من تنعم وترفه أو من عدم استعداد وقابلية . ومنه الخرقاء صاحبة ذي الرمة فإنه أول ما رآها أراد أن يستطعم كلامها فقدم إليها دلواً فقال : اخرزيها لي فقالت : إني خرقاء أي : لا أحسن العمل وليس الخرقاء هنا المرأة الحمقاء كما توهم فأضاف الكوكب إلى الخرقاء بملابسة أنها لما فرطت في غزلها في الصيف ولم تستعد للشتاء استغزلت قرائبها عند طلوع سهيل سحراً وهو زمان مجيء البرد فبسبب هذه الملابسة سمي سهيل كوكب الخرقاء . )
والإضافة لأدنى ملابسة من قبيل المجاز اللغوي عند السيد ومن المجاز العقلي عند التفتازاني . قال السيد في شرح المفتاح في بيان الإضافة لأدنى ملابسة : الهيئة التركيبية في الإضافة اللامية موضوعة للاختصاص الكامل المصحح لأن يخبر عن المضاف بأنه للمضاف إليه . فإذا استعملت في أدنى ملابسة كانت مجازاً لغوياً لا حكمياً كما توهم . لأن المجاز في الحكم إنما يكون بصرف النسبة عن محلها الأصلي إلى محل آخر لأجل ملابسة بين المحلين . .
وظاهر أنه لم يقصد صرف نسبة
____________________

الكوكب عن شيء إلى الخرقاء بواسطة ملابسة بينهما بل نسب الكوكب إليها لظهور جدها في تهيئة ملابس الشتاء بتفريقها قطنها في قرائبها ليغزل لها في زمان طلوعه الذي هو ابتداء البرد فجعلت هذه الملابسة بمنزلة الاختصاص الكامل . وفيه لطف . انتهى كلامه .
وبه يسقط أيضاً كلام السيد عيسى الصفوي في جعله هذه الإضافة حقيقية وليس من المجاز في شيء فإنه قال في مناقشته : فإن ذلك مما لم يفهم من كلامهم والأصل الحقيقة . مع أنهم صرحوا بأن اللام معناه الحقيقي مطلق الاختصاص بمعنى المناسبة التامة وزيادة الخصوصية . فلا مجاز في قولنا كوكب الخرقاء انتهى .
وكوكب الخرقاء : فاعل بفعل محذوف يفسره لاح . وسهيل بالرفع : عطف بيان لكوكب الخرقاء .
وجملة أذاعت جواب إذا . وأذاعت أي : فرقت وفاعله ضمير المضاف إليه أعني الخرقاء وروي : أشاعت غزلها أي : فرقته متعدي شاع اللبن في الماء : إذا تفرق وامتزج به .
قال الأصمعي : إذا طلع سهيل عند غروب الشمس أول الليل كان وقت تمام السنة وفي الشتاء يطلع من أول الليل وفي آخر الصيف قبيل الشتاء من آخر الليل .
وقد أنشد ابن السكيت هذا البيت في أبيات المعاني وأورد بعده : ( وقالت : سماء البيت فوقك منهج ** ولما تيسر أحبلاً للركائب ) وقال : تقول لزوجها إذا لاح سهيل : سماء البيت فوقك منهج أي : مخلق واما تيسر لركائبنا أحبلاً فكيف تنتجع على هذه الحالة انتهى .
فجملة قالت معطوف على أذاعت .
قال ابن الأنباري : البيت عند العرب إنما هو من صوف أو شعر فإذا كان من شجر فهو خيمة . والسماء : السقف مذكر وكل عال مظلّ سماء .
____________________

والمنهج : اسم فاعل من أنهج الثوب : )
إذا أخذ في البلى . وتيسر : تسهل وتهيئ مجزوم بلمّا . وأحبل : جمع حبل وهو الرسن ونحوه .
والركائب : جمع ركاب والركاب بالكسر : الإبل االتي يسار عليها الواحدة راحلة وليس له واحد من لفظه .
____________________

( باب المفعول له ) أنشد فيه وهو الشاهد السابع والسبعون بعد المائة وهو من شواهد سيبويه : ( يركب كل عاقر جمهور ** مخافة وزعل المحبور ) والهول من تهول الهبور على أن زعل المحبور والهول مفعول لأجله . وفيه رد على الجرمي في زعمه أن المسمى مفعولاً لأجله هو حال . فيلزم تنكيره .
وبيان الرد : أن الأول معرف بالإضافة وهي إضافة معنوية والثاني معرف بأل فلا يكونان حالين فتعين أن يكون كل منهما مفعولاً لأجله .
وقال ابن بري في شرح أبيات الإيضاح : وانتصاب مخافة وزعل والهول المعطوفين عليه على المفعول له . وأصله اللام فلما سقط الخافض تعدى إليه الفعل . والرياشي زعم أنه لا يكون إلا نكرة كالحال والتمييز . وسيبويه يجيز الأمرين . انتهى .
وهذا من أرجوزة للعجاج . شبه بعيره في السرعة بالثور الوحشي الموصوف بهذا الوصف .
فقوله : يركب فاعله ضمير الثور الوحشي الذي خاف من الصياد فذهب على وجهه مسرعاً يصعد تلال الرمل ويعتسف المشاق . والعاقر : العظيم من الرمل الذي لا ينبت شيئاً شبه بالعاقر التي لا تلد .
قال أبو عبيدة : العاقر من الرمل : العظيم . وقال غيره : المشرف الطويل . وهذا التفسير كله واحد لأن المشرف الطويل والرمل العظيم لا ينبت لعدم التراب والرطوبة التي يكسبها المطمئن السهل من الرمل . والجمهور بالضم : الرملة
____________________

المشرفة على ما حولها وهي المجتمعة وهو صفة لعاقر . وإنما خصه لأن بقر الوحش إذا دهمها القانص اعتصمت بركوب الرمل فلا تقدر الكلاب عليها . وقوله : مخافة مفعول لأجله . قال صاحب اللباب : المفعول له علة الإقدام على )
الفعل يكون سبباً غائياً كقوله : وأغفر عوراء الكريم ادخاره وسبباً باعثاً ليس غاية يقصد قصدها نحو قوله وأنشد شعر العجاج فالخوف والزعل والهول كل منها سبب باعث على ركوب الجمهور لا سبب غائي . وزعل معطوف على مخافة وهو بالزاي المعجمة والعين المهملة بمعنى النشاط مصدر زعل من باب فرح والوصف ( ولى يهذ انهزاماً وسطها زعلاً ** جذلان قد أفرخت عن روعه الكرب ) وقال طرفة بن العبد : وبلاد زعل ظلمانها والمحبور : اسم مفعول من حبرني الشيء إذا سرني من باب قتل . ف زعل مصدر مضاف إلى فاعله فليس مفعولاً لأجله لاختلاف الفاعل وإنما هو مصدر تشبيهي أي : زعلاً كزعل المحبور فالمحذوف هو المفعول له . وقوله : والهول معطوف على مخافة وهو مصدر هاله يهوله هولاً : إذا أفزعه . قال
____________________

الشارح : فالهول معناه الإفزاع لا الفزع والثور ليس بمفزع بل هو فزع .
فالفاعلان مختلفان . وقد جوزه بعض النحويين وهو الذي يقوى في ظني وإن كان الأغلب هو الأول ا . هـ .
وقد فسره شراح أبيات الكتاب بالفزع وهو المشهور . وعليه فالفاعل متحد .
ونقل أبو البقاء في شرح الإيضاح الفارسي عن بعضهم أنه معطوف على كل عاقر أي : يركب كل عاقر ويركب الهول فيكون مصدراً بمعنى اسم المفعول .
والتهول تفعل منه وهو أن يعظم الشيء في نفسك حتى يهولك أمره . والهبور : جمع هبر بفتح فسكون وهو ما اطمأن من الأرض وما حوله مرتفع . وروى شارب اللب : وقال : الهول : الخوف . والتهور : الانهدام . أي : ولمخافته من تهور الأمكنة المطمئنة . وقد استدل صاحب اللب لتعريف المفعول له بزعل المحبور فقط من هذا الشعر . قال شارحه : وإنما لم يذكر آخر البيت ليكون شاهداً أيضاً للمفعول له المعرف باللام وهو الهول كما ذكر المعرف بالإضافة لأنه ذكر في شرح أبيات الكتاب أن الهول عطف على كل وعلى هذا يكون مفعولاً به لا مفعولاً له فلا يكون الإتيان به نصاً في الاستشهاد ا . هـ .
قال ابن خلف : زعل المحبور عطف على مخافة والهول معطوف على كل ثم قال : والأصل )
لمخافة ولزعل المحبور وللهول أي : لأجل هذه الأشياء يركب كل كثيب . هذا كلامه .
وترجمة العجاج تقدمت في الشاهد الحادي والعشرين . و أنشد بعده وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة قول ابن دريد :
____________________

( والشيخ إن قومته من زيغه ** لم يقم التثقيف منه ما التوى ) على أنه يجوز أن يقال ضربته تقويماً فما استقام إذ قد يطلق أنه حصل التأثير .
والتقويم : التعديل يقال : قومته تقويماً فتقوّم ومثله أقامه أي : عدله . والزيغ : الميل يقال : زاغت الشمس تزيغ زيغاً وأزاغه إزاغة أي : أماله . والتثقيف : تعديل المعوج . ومنه : متعلق بيقم . وما : موصولة أو موصوفة ويجوز أن تكون مصدرية . والتوى : تعوج وفاعله ضمير ما على الأول وضمير الشيخ على الثاني . وجملة الشرط والجزاء في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو الشيخ .
وهذا البيت من مقصورة ابن دريد المشهورة . وقبل هذا البيت : ( والناس كالنبت : فمنه رائق ** غضّ نضير عوده مرّ الجنى ) ( ومنه ما تقتحم العين فإن ** ذقت جناه انساغ عذباً في اللها ) ( يقّوم الشارخ من زيغانه ** فيستوي ما انعاج منه وانحنى ) والشيخ إن قومته من زيغه . . . . البيت ( كذلك الغصن يسير عطفه ** لدناً شديد غمزه إذا عسا ) ( من ظلم الناس تحاموا ظلمه ** وعز فيهم جانباه واحتمى ) ( وهم لمن لان لهم جانبه ** أظلم من حيات أنباث السفى ) والناس كلاًّ إن فحصت عنهم جميع أقطار البلاد والقرى ( عبيد ذي المال وإن لم يطعموا ** من غمره في جرعة تشفي الصدى ) ( وهم لمن أملق أعداء وإن ** شاركهم فيما أفاد وحوى ) وتقتحمه العين . تفوته وتزدريه . واللها بالفتح : جمع لهاة وهي ما بين منقطع اللسان إلى منقطع القلب من أعلى الفم . والشارخ : الشاب .
____________________

والزيغان : العدول عن الحق وانعاج : انعطف . وما : فيه الوجهان . )
وقوله : كذلك الغصن الإشارة راجعة إلى تقويم الشارخ والشيخ . واللدن : اللين والطريّ .
والغمز : العصر باليد والهزّ . وعسا : صلب واشتد في القاموس : النبث كفلس : النبش وقيل : التراب المستخرج من البئر . والسفى بسين مهملة مفتوحة وفاء : التراب وه ا من قولهم في المثل : أظلم من حية لأنها لا تحفر جحراً وإنما تأتي إلى جحر قد احتفره غيرها فتدخل فيه وتغلب عليه فكل بيت قصدت إليه هرب أهله منه وخلّوه لها .
وهذه القصيدة طويلة عدتها مائتان وتسعة وثلاثون بيتاً لها شروح لا تحصى كثرة . وأحسن شروحها شرح العلامة الأديب أبي علي محمد بن أحمد بن هشام بن إبراهيم اللخمي السبتي .
وقد شرحتها أنا شرحاً موجزاً مع إيضاح واف وتبيين شاف في أيام الشبيبة . نفع الله به .
ومدح ابن دريد بهذه المقصورة الشاه وأخاه أبا العباس إسماعيل ابني ميكال يقال : إنها اشتملت على نحو الثلث من المقصور . وفيها كل مثل سائر وخبر نادر مع سلاسة ألفاظ ورشاقة أسلوب وانسجام معان يأخذ بمجامع القلوب .
وهذه نبذة من نسبه وأحواله . وهو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد وينتهي نسبه إلى الأزد بن الغوث ومنه إلى قحطان وهو أبو قبائل اليمن .
ولد بالبصرة في سنة ثلاث وعشرين ومائتين ونشأ بها وتعلم فيها ثم ارتحل منها مع عمه عند ظهور الزنج وسكن عمان وأقام اثنتي عشرة سنة ثم عاد إلى البصرة وسكن بها زماناً ثم خرج إلى نواحي فارس وصحب ابني ميكال وكانا يومئذ على عمالة فارس وعمل لهما كتاب الجمهرة وقلداه ديوان فارس
____________________

فكانت الكتب لا تكتب إلا عن رأيه ولا ينفذ أمر إلا بعد توقيعه . وكان سخيّاً متلافاً لا يمسك درهماً . ومدحهما به هـ القصيدة المقصورة فوصلاه بعشرة آلاف درهم . ثم انتقل من فارس إلى بغداد ودخلها سنة ثمان وثلثمائة بعد عزل ابني ميكال وانتقالهما إلى خراسان . ولما دخل بغداد أنزله علي بن محمد في جواره وأفضل عليه وعرّف الخليفة المقتدر العباسي مكانه من العلم فأجرى عليه في كل شهر خمسين ديناراً ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته . وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ببغداد .
وكان مواظباً على شرب الخمر قال أبو منصور الأزهري : دخلت عليه فرأيته سكران فلم أعدل إليه . وقال ابن شاهين : كنا ندخل عليه فنستحي مما نرى عنده من العيدان والشراب )
المصفى . وعرض له في رأس التسعين من عمره فالج وسقي الترياق فبرئ وصحّ ورجع إلى أفضل أحواله . ثم عاوده الفالج بعد عام لغذاء ضار تناوله فكان يحرك يديه حركة ضعيفة وبطل من محزمه إلى قدميه فكان إذا دخل عليه داخل ضج وتألم لدخوله .
قال تلميذه أبو علي القالي : كنت أقول في نفسي : إن الله عز وجلّ عاقبه لقوله في هذه المقصورة يخاطب الدهر : ( مارست من لو هوت الأفلاك من ** جوانب الجو عليه ما شكا ) وكان يصيح من الداخل عليه صياح من ينخس بالمسالأّ والداخل بعيد وكان مع هذه الحال ثابت الذهن كامل العقل . وعاش مع الفالج عامين . وكنت أسأله عن أشياء في اللغة فيردّ بأسرع من النفس بالصواب . وقال لي مرة وقد سألته عن بيت لئن طفئت شحمتا عينيّ لم تجد من يشفيك من اعلم . وكان ينشد كثيراً :
____________________

( فواحزني أن لاحياة لذيذة ** ولا عمل يرضى به الله صالح ) وأشهر مشايخه : أبو حاتم السجستاني والرياشي وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي والأشنانداني . وسمع الأخبار من عمه الحسن بن دريد ومن غيره . وله من التآليف : الجمهرة في اللغة وكتاب السرج واللجام وكتاب الأنواء وكتاب المجتنى وهذه الكتب عندي والحمد لله والمنة . . وله كتاب الاشتقاق وكتاب الخيل الكبير والصغير وكتاب الملاحن وكتاب روّاد العرب وكتاب الوشاح وغير ذلك .
وكان واسع الرواية لم ير أحفظ منه وكانوا يقرؤون عليه دواوين العرب فيسابق إلى إتمامها من حفظه . وله شعر رائق . قال بعض المتقدمين : ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء .
قال المسعوديّ في مروج الذهب : كان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا في الشعر . وانتهى في اللغة وقام مقام الخليل بن أحمد فيها وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين . وشعره أكثر من أن يحصى .
وأنشد بعده وهو
الشاهد التاسع والسبعون بعد المائة وهو من شواهد سيبويه :
____________________

( وأغفر عوراء الكريم ادخاره ** وأعرض عن شتم اللئيم تكرما ) على أنه يرد على من اشترط التنكير في المفعول له هذا البيت وبيت العجاج السابق . فإن قوله : ادخاره مفعول له وهو معرفة .
قال الأعلم : نصب الادخار والتكرم على المفعول له ولا يجوز مثل هذا حتى يكون المصدر من معنى الفعل المذكور قبله فيضارع المصدر المؤكد لفعله كقولك : قصدتك ابتغاء الخير .
فإن كان المصدر لغير الأول لم يجز حذف حرف الجر لأنه لا يشبه المصدر المؤكد لفعله كقولك : قصدتك لرغبة زيد في ذلك لأن الراغب غير القاصد انتهى .
لكن المبرد أخرجهما من هذا الباب وجعلهما من باب المفعول المطلق قال في الكامل : قوله : وأغفر عوراء الكريم ادخاره أي : أدخره ادخاراً . وأضافه إليه كما تقول : ادخاراً له .
وكذكلك قوله : تكرماً غنما أراد لتكرم : فأخرجه مخرج أتكرم تكرماً انتهى .
وأغفر : أستر يقال : غفر الله لي أي : ستر عني العقوبة فلم يعاقبني . والعوراء بالفتح : الكلمة القبيحة ومنه العورة للسوءة وكل ما يستحى منه . والادخار افتعال من الذخر .
وروى أبو زيد ف نوادره : وأغفر عوراء الكريم اصطناعه
____________________

وهو افتعال أيضاً من الصنع وهو الفعل الجميل . والإعراض عن الشيء : الصفح عنه . يقول : إذا بلغتني كلمة قبيحة عن رجل كريم قالها فيّ غفرتها له لأجل كرمه وحسبه وأبقيت على صداقته وادّخرته ليوم أحتاج إليه فيه لأن الكريم إذا فرط منه قبيح ندم على ما فعل ومنعه كرمه أن يعود إلى مثله وأعرض عن ذم اللئيم إكراماً لنفسي عنه وما أحسن قول طرفة بن ( وعوراء جاءت من أخ فرددتها ** بسالمة العينين طالبة عذرا ) وهذا من أحكام صنعة الشعر ومقابلة الألقاب بما يشاكلها ويتمّم معانيها وذلك أنه لما كان الكلام القبيح يشبّه بالأعور العين سمّي ضدّه سالم العينين .
وقد أورد صاحب الكشاف هذا البيت في التفسير عند قوله تعالى حذر الموت على أنه مفعول له معرّفاً بالإضافة كما في ادّخاره . )
وهو من قصيدة طويلة لحاتم الطائيّ تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق . وهي مسطورة في الحماسة البصرية وغيرها . وهي هذه : ( وعاذلتين هبّتا بعد هجعة ** تلومان متلافاً مفيداً ملوّما ) ( تلومان لمّا غوّر النجم ضلّة ** فتىً لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما ) ( فقلت وقد طال العتاب عليهما ** وأوعدتماني أن تبينا وتصرما ) ( ألا لا تلوماني على ما تقدّما ** كفى بصروف الدّهر لمرء محكما ) ( فإنكما لا ما مضى تدركانه ** ولست على ما فاتني متندّما ) ( فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ** عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما ) ( أهن للذي تهوى التلاد فإنه ** إذا مت كان المال نهباً مقسّما )
____________________

( يقسمه غنماً ويشري كرامة ** وقد صرت في خطّ من الأرض أعظما ) ( قليلاً به ما يحمدنك وارث ** إذا نال مما كنت تجمع مغنما ) ( تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم ** ولن تستطيع الحلم حتى تحلّما ) ( وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ** وذي أود قوّمته فتقوما ) وأغفر عوراء الكريم ادّخاره . . . البيت ( ولا أخذل المولى وإن كان خاذلاً ** ولا أشتم ابن العمّ إن كان مفحما ) ( ولا زادني عنه غناي تباعداً ** وإن كان ذا نقص من المال مصرما ) ( وليل بهيم قد تسربلت هوله ** إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما ) ( ولن يكسب الصعلوك حمداً ولا غنى ** إذا هو لم يركب من الأمر معظما ) ( لحا الله صعلوكاً مناه وهمّه ** من العيش أن يلقى لبوساً ومغنماً ) ( ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ** تنبّه مثلوج الفؤاد مورّماً ) ( مقيماً مع المثرين ليس ببارح ** إذا نال جدوى من طعام ومجثما ) ( ولله صعلوك يساور همّه ** ويمضي على الأحداث والدهر مقدما ) ( فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ** ولا شبعة إن نالها عدّ مغنما ) ( إذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت ** تيمم كبراهن ثمّت صمّما ) ( ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ** صدور العوالي فهو مختضب دما )
____________________

) ( يرى رمحه ونبله ومجنّه ** وذا شطب عضب الضريبة مخذما ) ( وأحناء سرج فاتر ولحامه ** عتاد فتى هيجاً وطرفاً مسوّما ) ( فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ** وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمّما ) قوله : هبتا أي : استيقظتا . وغور النجم أي : غابت الثريا . وقوله : ضلة هو قيد في اللوم لامه ضلة : إذا لم يوفق للرشاد في لومه . و المغرم بالفتح الغرامة . وأغبر الجوف : القبر ومثله : خط من الأرض . وقوله : حتى تحلما أي : تتحلم أي : تتكلف الحلم . وهذا البيت من شواهد مغني اللبيب .
وقوله : فلم تضر من ضار يضير ضد نفع . و الأود بفتحتين : الاعوجاج . والنكس بكسر النون : الرديء وأصله السهم الذي كسر فوقه . وتجهّم : كلح وجهه . ولحا الله : قبح الله .
والصعلوك بالضم : الفقير . ومثلوج الفؤاد : البليد الذي ليست فيه حرارة من الهمة . والمجثم بفتح الميم وكسر المثلثة : مكان الجثوم وهو بروك الطائر .
وقوله : ولله صعلوك تعجب ومدح يقال : عند استغراب الشيء واستعظامه أي : هو صنع الله ومختاره إذ له القدرة على خلق مثله . ويساور : يواثب . وهمه أي : عزمه مفعول . وقوله : ويمضي على الأحداث أي : لا يشغله الدهر وحوادثه في حالة إقدامه على ما يريد .
وقوله : فتى طلبات إشارة إلى علو همته . والخمص بالفتح : الجوع . والترحة : ضد الفرحة .
والشبعة : المرة من الشبع . وثمت : حرف يعطف الجمل . و رمحه وما عطف عليه : مفعول أول ليرى و عتاد هو المفعول الثاني . ذا شطب هو السيف جمع شطبة : وهي الطريقة في متن السيف . والمجنّ بالكسر : الترس والدرقة . و العضب : القاطع . والضريبة : موضع الضرب .
والمخذم بكسر أوله وبالمعجمتين : السيف القاطع وبإعجام الثاني فقط من الخذم وهو القطع السريع . والأحناء : جمع حنو بالكسر يطلق على ما فيه اعوجاج من القتب والسرج وغيرهما .
والقاتر بالقاف وبالمثناة الفوقية : الواقي والحافظ لا يعقر ظهر الفرس . وعتاد بالفتح :
____________________

العدّة .
وطرفا : معطوف على رمحه الذي هو أول مفعولي يرى وهو الكريم من الخيل . والمسوّم : المعلم تشهيراً لعتقه ولكرمه من السومة وهي العلامة أو المسيب في المرعى ولا يركب إلا في الحروب .
وقوله : فذلك إن يهلك الخ الحسنى : مصدر كالبشرى وقيل : اسم للإحسان .
والمعنى : لله فقير يواثب همته ويمضي مقدماً على الدهر والحال أنه فتى طلبات يتجدد طلبه )
كل ساعة والدهر يسعفه بمطلوبه لجدّه ورشده ولا يرى الجوع شدة ولا الشبع غنيمة لعلو واستشهد صاحب الكشاف بهذه الأبيات من قوله : صعلوك يساور همه إلى آخر الأبيات السبعة عند قوله : أولئك على هدى من ربهم على أن اسم الإشارة وهو أولئك مؤذن بأن المذكورين قبله أهل لاكتساب ما بعده للخصال التي عدّت لهم . فإنه تعالى ذكر المتقين بقوله هدىً للمتقين ثم عدّد لهم خصالاً من كونهم يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله ويؤمنون بما أنزل على رسوله ويوقنون بالآخرة . ثم عقّب ذلك بقوله : فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه وحاتم هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم الطائيّ الجواد المشهور وأحد شعراء الجاهلية . ويكنى أبا عدي
____________________

وأبا سفّانة بفتح السين وتشديد الفاء . وابنه أدرك الإسلام وأسلم .
وقد مشت ترجمته في الشاهد الأربعين .
أخرج أحمد في مسنده عن ابنه عديّ قال : قلت يا رسول الله : إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا قال : إن أباك أراد امراً فأدركه يعني : الذكر .
وكانت سفّانة بنته أتي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا محمد هلك الوالد وغاب الوافد فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه : كان يفك العاني ويحمي الديار ويفرّج عن المكروبن ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يطلب إليه طالب قط حاجة فردّه أنا ابنة حاتم طيّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلامياً لترحّمنا عليه خلّوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق قال ابن الأعرابي : كان حاتم من شعراء الجاهلية وكان جواداً يشبه جوده شعره ويصدق قوله فعله وكان حيثما نزل عرف منزله وكان مظفراً : إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا ضرب بالقداح فاز وإذا سابق سبق وإذا أسر أطلق وكان أقسم بالله : لا يقتل واحد أمه وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه .
وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام فمر به جماعة من الشعراء فيهم عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني يريدون النعمان بن المنذر فقالوا )
له : هل من قرى ولم يعرفهم فقال : أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم وسألهم عن أسمائهم فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم وجاء أبوه فقال : ما فعلت قال : طوقتك مجد الدهر تطويق الحمامة وعرفه القضية .
فقال أبوه : إذاً لا أساكنك بعدها أبداً ولا أوويك فقال حاتم : إذاً لا أبالي .
____________________


روى محرز مولى أبي هريرة قال : مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم فنزلوا قريباً منه . فقام إليه رجل يقال له : أبو الخيبري وجعل يركض برجله قبره ويقول : اقرنا . فقال بعضهم : ويلك ما يدعوك أن تعرض لرجل قد مات قال : إن طيئاً تزعم أنه ما نزل به أحد إلا قراه . ثم أجنهم الليل فناموا . فقام أبو الخيبري فزعاً وهو يقول : واراحلتاه فقالوا له : مالك قال : أتاني حاتم في النوم وعقر ناقتي بالسيف وأنا أنظر إليها ثم أنشدني شعراً حفظته يقول فيه : ( أبا الخيبري وأنت امرؤ ** ظلوم العشيرة شتامها ) ( اتيت بصحبك تبغي القرى ** لدى حفرة قد صدت هامها ) ( أتبغي لي الذم عند المبيت ** وحولك طي وأنعامها ) ( فإنا سنشبع أضيافنا ** ونأتي المطي فنعتامها ) فقاموا وإذا ناقة الرجل تكوس عقيراً فانتحروها وباتوا يأكلون وقالوا قرانا حاتم حياً وميتاً وأردفوا صاحبهم وانطلقوا سائرين وإذا برجل راكب بعيراً ويقود آخر قد لحقهم وهو يقول : أيكم أبو الخيبري قال الرجل : أنا . قال : فخذ هذا البعير أنا عدي بن حاتم جاءني حاتم في النوم وزعم أنه قراكم بناقتك وأمرني أن أحملك فشأنك والبعير ودفعه إليهم وانصرف . وإلى هذه القضية أشار ابن دارة الغطفاني في قوله يمدح عدي بن حاتم : ( به تضرب الأمثال في الشعر ميتاً ** وكان له إذ ذاك حياً مصاحبا ) ( قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ** ولم يقر قبر قبله والدهر راكبا )
____________________

( باب المفعول معه ) أنشد فيه وهو الشاهد الثمانون بعد المائة ( جمعت وفحشاً غيبة ونميمة ** ثلاث خلال لست عنها بمرعوي ) على أن أبا الفتح ابن جني أجاز تقدم المفعول معه على المعمول المصاحب متمسكاً بهذا البيت والأصل جمعت غيبة وفحشاً . والأولى المنع رعاية لأصل الواو . والشعر ضرورة .
أقول : ذكره ابن جني في الخصائص قال : ولا يجوز تقديم المفعول معه على الفعل من حيث كانت صورة هذه الواو صورة العاطفة ألا تراك لا تستعملها إلا في الموضع الذي لو شئت لاستعملت العاطفة فيه فلما ساوقت حرف العطف قبح : والطيالسة جاء البرد كما قبح : وزيد قام عمرو لكنه يجوز جاء والطيالسة البرد كما تقول : ضربت وزيداً عمراً قال : جمعت وفحشاً غيبة ونميمة وقال ابن الشجري في أماليه : ولا يجوز تقديم التابع على المتبوع للضرورة إلا في العطف دون الصفة والتوكيد والبدل . ثم قال : وإنما جاز في الضرورة تقديم المعطوف لأن المعطوف غير المعطوف عليه والصفة هي الموصوف وكذلك
____________________

المؤكد عبارة عن المؤكد والبدل إما أن يكون هو المبدل أو بعضه أو شيئاً ملتبساً به . ومثله : ( ألا يا نخلة من ذات عرق ** عليك ورحمة الله السلام . . اه ) فجعله من باب تقديم المعطوف لا من باب تقديم المفعول معه لأنه هو الأصل . لكن في تنظيره نظر فإن قوله ورحمة الله معطوف عند سيبويه على الضمير المستكن في الظرف أعني قوله عليك كما تقدم بيانه . وقوله : خلالاً ثلاثاً بدل من قوله غيبة ونميمة وفحشاً جمع خلة بالفتح كالخصلة لفظاً ومعنى . وارعوى عن القبيح : رجع عنه .
وهذا البت من قصيدة جيدة في بابها ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي . قال الأصبهاني في الأغاني : عاتب في هذه القصيدة ابن عمه عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاص وله قصائد أخر يعاتب فيها أخاه عبد ربه بن الحكم .
وأورد هذه القصيدة القالي في أماليه والأصبهاني في أغانيه وابن الشجري في أماليه مختصرة .
وفي رواية كل واحد منهم ما ليس في رواية الآخر . )
وأوردها أبو علي الفارسي بتمامها في المسائل البصرية وهذه روايته لكنه قال : قالها لأخيه من أبيه وأمه عبد ربه بن الحكم . وليس كذلك كما يظهر منها :
____________________

( لسانك لي أري وغيبك علقم ** وشرّك مبسوط وخيرك ملتوي ) ( تفاوض من أطوي طوى الكشح دونه ** ومن دون من صافيته أنت منطوي ) ( تصافح من لاقيت لي ذا عداوة ** صفاحاً وعني بين عينك منزوي ) ( أراك إذا استغنيت عنا هجرتنا ** وأنت إلينا عند فقرك منضوي ) ( إليك انعوى نصحي ومالي كلاهما ** ولست إلى نصحي ومالي بمنعوي ) ( أراك إذا لم أهو أمراً هويته ** ولست لما أهوى من الأمر بالهوي ) ( أراك اجتويت الخير مني وأجتوي ** أذاك فكلّ مجتو قرب مجتوي ) ( فليت كفافاً كان خيرك كله ** وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي ) ( لعلك أن تنأى بأرضك نية ** وإلا فإني غير أرضك منتوي ) ( تبدّل خليلاً بي كشكلك شكله ** فإني خليلاً صالحاً بك مقتوي ) ( فلم يغوني ربي فكسف اصطحابنا ** ورأسك في الأغوى من الغيّ منغوي ) ( عدوّك يخشى صولتي إن لقيته ** وأنت عدوي ليس ذاك بمستوي ) ( وكم موطن لولاي طحت كما هوى ** بأجرامه من قلّة النيق منهوي ) ( نداك عن المولى ونصرك عاتم ** وأنت له بالظلم والغمر مختوي ) ( إذا ما بنى المجد ابن عمك لم تعن ** وقلت ألا بل ليت بنيانه خوي ) ( كأنك إن قيل ابن عمك غانم ** شج أو عميد أو أخو مغلة لوي ) ( تملأت من غيظ عليّ فلم يزل ** بك الغيظ حتى كدت في الغيظ تنشوي ) ( فما برحت نفس حسود حشيتها ** تذيبك حتى قيل هل أنت مكتوي ) ( وقال النطاسيون إنك مشعر ** سلالاً ألا بل أنت من حسد جوي )
____________________

( فديت امرأً لم يدو للنأي عهده ** وعهدك من قبل التنائي هو الدوي ) ( دمعت وفحشاً غيبة ونميمة ** خلالاً ثلاثاً لست عنها بمرعوي ) ( أفحشاً وخبّاً واختناء على الندى ** كأنك أفعى كدية فرّ محجوي ) ( فيدحو بك الداحي إلى كل سوءة ** فيا شرّ من يدحو بأطيش مدحوي ) ) ( أتجمع تسآل الأخلاء ما لهم ** ومالك من دون الأخلاء تحتوي ) ( بدا منك غش طالما قد كتمته ** كما كتمت داء ابنها أم مدّوي ) قوله : تكاشرني الخ يقال : كاشر الرجل الرجل : إذا كشر كل واحد منهما لصاحبه وهو أن يبدي له أسنانه عند التبسم وكرهاً بضم الكاف وفتحها : مصدر وضع في موضع الحال والدوي : وصف من الدوى بالفتح والقصر : المرض دوي يدوى كفرح يفرح ودوي صدره وقوله : لسانك أي أري الخ الأري : العسل والعلقم : الحنظل وحذف أداة التشبيه للمبالغة .
قال أبو علي في الإيضاح الشعري : اللسان هنا إما بمعنى الجارحة أو بمعنى الكلام : فإن جعلته من هذا أمكن أن يكون لي متعلقاً به كقولك : كلامك لي جميل وإن جعلته بمعنى الجارحة احتمل ظان تريد المضاف فتحذفه فإذا حذفته احتمل وجهين : أحدهما أن يكون من قبيل صلى المسجد أي : أهله والآخر أن تحذف المضاف فتجعل اللسان كالكلام كما قالوا اجتمعت اليمامة أي أهل اليمامة فجعلوهم كأنهم اليمامة فإذا جعلته كذلك أمكن أن يتعلق به لي كما يتعلق بالوجه الأول .
ويجوز أن يكون لي وقوله : أري الخبر مثل : حلو حامض . ويجوز فيه أن تجعله خبراً لقوله : لسانك ونريد به الجارحة لأنك تقول : فلان لطيف اللسان تريد به الكلام وتلقي الناس بالجميل فيحتمل ضمير المبتدأ وتجعل أرياً بدلاً من الضمير في لي .
ويجوز أن يكون لي حالاً كأنه أراد : لسانك أري لي فيكون صفة فلما تقدم صار حالاً . . فإن قلت : إن أري معناه مثل أري فالعامل معنى فعل لم يجز
____________________

تقدم الحال عليه فأقول : لك أن تضمر فعلاً يدل عليه هذا الظاهر فينصب الحال عنه كأنه قال : لسانك يستحلى ثابتاً لي . أو لأنها كالظرف فعمل فيها المعنى . وأن تجعل اللسان حدثاً أشبه للتشاكل لأنه عطف عليه وهو وقوله : تفاوض من أطوي الخ فاوضه : إذا أظهر له أمره و أطوي : ضد أنشر والطوى : الجوع وهو مصدر طوي يطوى من باب فرح وهو مفعول أطوي أي : تظهر أمرك لمن أخفي عنه جوعي أي : تنبسط في الكلام عند عدو ولا أظهره على شيء من اموري وتنقبض عن أصدقائي ولا تظهرهم على شيء من أمرك نكاية فيّ .
وقوله : وعني بين عينك منزوي بين : مرفوع بالابتداء لأنه اسم لا ظرف ومنزوي : خبره وعني : متعلق به يقال : انزوت الجلدة في النار أي : اجتمعت وتقبضت و زوى ما بين عينيه أي : )
قبضها .
وقوله : وأنت إلينا عند فقرك منضور انضوى إليه . لجأ وانضم إليه وقوله : إليك انعوى نصحي ومالي انعوى : بمعنى انعطف وهو مطاوع عويته أي : عطفته .
وقوله : أراك إذا لم أهو أمراً هوي الشيء يهواه هوىً من باب فرح : إذا أحبّه وهوى بالفتح يهوي بالكسر هويّاً وكذلك انهوى : إذا سقط إلى أسفل وقد جاء في قوله : وكم موطن لولاي طحت كما هوى وقوله : أراك اجتويت الخير اجتواه بالجيم أب : كرهه . وقوله : فليت كفافاً كان خيرك الخ يأتي شرحه إن شاء الله تعالى في ليت من أخوات الحروف
____________________

المشبهة في أواخر الكتاب . وقوله : لعلك أن تنأى الخ أي : أرجو أن تنأى من أرضك أي : تبعد عنها من النأي وهو البعد وإلا أي : وإن لم تنأ فإني عازم على الرحيل عنها . يقال : نويت نية وكذلك انتويت أي : عزمت .
وقوله : بك مقتوي قال في الصحاح : القتو : الخدمة . وقتوت أقتو قتواً ومقتي أي : خدمت .
يقال : للخادم مقتوي بفاح الميم وتشديد الياء كأنه منسوب إلى المقتى وهو مصدر . .
ويجوز تخفيف ياء النسبة .
قال أبو علي في الإيضاح الشعري : نصب خليلاً بفعل مضمر يدلّ عليه مقتوي أي : أقتوي خليلاً . ويأتي شرح هذه الكلمة مفصلة في الشاهد الثالث والخمسين من بعد الخمسمائة .
وقوله : وكم موطن الخ طاح الرجل يطوح ويطيح : إذا هلك . والأجرام : جمع جرم بالكسر وهو الجسم كأنه جعل أعضاءه أجراماً توسعاً أي : سقط بجسمه وثقله . وليس معناه ها هنا الذنوب كما فسره ابن الشجريّ به فإنه غير مناسب . والنيق بكسر النون : أرفع الجبل . وقلّته : ما استدق من رأسه . وسيأتي إن شاء الله تعالى شرح هذا البيت في باب الضمائر .
وقوله : نداك عن المولى الندى : الجود . و المولى : ابن العم . وعن متعلقة بعاتم أي : بطيء يقال : عتم من باب ضرب إذا أبطأ وقصّر . ونصرك : معطوف على نداك وخبره محذوف . والغمر بكسر الغين المعجمة الحقد والغلّ يقال : غمر صدره عليّ من باب فرح . ومختور بالخاء المعجمة : وقوله : تودّ لو نابه ناب حية الحية معروفة تكون للذكر والأنثى قالوا : فلان حية ذكر والتاء للواحد من الجنس كبطّة ودجاجة وهنا بمعنى الذكر بدليل الوصف لربيب من ربّ فلان ولده بمعنى ربّاه فعيل بمعنى مفعول . )
____________________


وقوله : ليت بنيانه خوي يقال : خوى المنزل من باب رضى يرضي ورمى يرمي لغتان أي : سقط قال تعالى : فهي خاوية على عروشها أي : ساقطة على سقوفها .
وقوله : شج أو عميد الخ هو خبر كأن و الشجيّ : الحزين المهموم . و العميد : الذي قد عمده المرض أي : هدّه حتى احتاج إلى أن يعمد أي : يسند فهو فعيل بمعنى مفعول . و المغلة يفتح الميم وسكون الغين المعجمة قال أبو علي : علة تكون في الجوف . واللوي : الذي في جوفه وجع تقول : لوي لوىً كفرح فرحاً .
وقوله : فما برحت نفس حسود الخ النفس تذكّر وتؤنّث ولهذا وصفها بالمذكر وأنّث لها الفعل والضمير . وحشيتها بالبناء للمفعول والخطاب من الحشو يقال : حشوت الوسادة وغيرها حشواً . وروي حسبتها بضمير المتكلم من الحساب وهو الظن .
والنطاسيّون : العلماء بالطب الواحد نطاسي . و مشعر : اسم مفعول أي : ملبس شعاراً بالكسر وهو ما ولي الجسد من الثياب . والسلال بالضم : مرض السل . والجوي : من الجوى وهو داء للقلب وفعله من باب فرح .
وقوله : لم يدو للنأي عهده تقدم تفسير دوي . وقوله : أفحشاً وخبّاً الخ الخب بكسر الخاء المعجمة : مصدر خببت يا رجل تخب خبّاً من باب علم : إذا خدع ومكر . والاختناء بالخاء المعجمة وبعد المثناة الفوقية نون . قال
____________________

أبو علي القاليّ في أماليه : هو التقبّض . والندى : الجود . و الكدية بالضم : الأرض الصلبة . وأراد بالأفعى الأفعوان وهو ذكر الحيات ولهذا أرجع الضمير إليه مذكراً . ومحجوي بتقديم المهملة على الجيم قال أبو علي القاليّ في أماليه نقلاً عن ابن دريد : المحجوي المنطوي .
وقوله : فيدحو بك الداحي الخ الدحو : الرمي يقال : ادحه أي : ارمه ويقال للفرس : مر يدحو دحواً وذلك إذا رمى بيديه رمياً لا يرفع سنبكه عن الأرض كثيراً . و السوءة بالفتح : القبح والعيب . وأطيش من الطيش وهو الخفة . ومدحوي أي : مرميّ بناه من ادحواه لغة في دحاه أي : رماه .
وقوله : كما كتمت داء ابنها أم مدوّي قال الأصمعي في كتاب الصفات وابن دريد في الجمهرة )
وأبو علي القاليّ في أماليه وابن الأثير في المرصّع واللفظ له : أم مدوي يضرب بها المثل لمن يورّي بالشيء عن غيره ويكنى به عنه . وأصله أنّ امرأة من العرب خطبت على ابنها جارية فجاءت أمها إلى أم الغلام لتنظر إليه . فدخل الغلام فقال لأمه : أدّوي بتشديد الدال على أفتعل . فقالت له : اللجام معلق بعمود البيت والسرج في جانبه . فأظهرت أن ابنها أراد أداة الفرس للركوب فكتمت بذلك زلّة ابنها عن الخاطبة . وإنما أراد ابنها بقوله أدّوي أكل الدّواية بضم الدال وهي القشرة التي تعلو اللبن والمرق تقول منه : دوّى اللبن بتشديد الواو وقد ادّويت على وزن افتعلت فأنا مدّو بتشديد الدال فيهما أي : أكلت الدّواية . وأنشد هذا البيت .
وترجمة يزيد بن الحكم تقدمت في الشاهد التاسع في أوائل الكتاب
____________________

وأنشد فيه وهو الشاهد الحادي والثمانون بعد المائة علفتها تبناً وماء بارداً على أن التقدير : وسقيتها ماء . وقال ابن هشام في مغني اللبيب : وقيل : لا حذف بل ضمّن علفتها معنى أنلتها وأعطيتها . وألزموا صحة نحو علفتها ماء بارداً وتبناً فالتزموه محتجين بقول طرفة : وأورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى : أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله على تضمين أفيضوا معنى ألقوا ليصح انصبابه على الشراب والطعام معاً أو على تقدير بعد أو أي : أو ألقوا مما رزقكم الله كهذا البيت في الوجهين وأورد له العلامة الشيرازي والفاضل اليمني صدراً وجعل المذكور عجزاً هكذا :
____________________

( لما حططت الرحل عنها واردا ** علفتها تبناً وماء باردا ) وجعله غيرهما صدراً وأورد عجزاً كذا : حتى شتت همّالة عيناها ولا يعرف قائله . ورأيت في حاشية نسخة صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة ففتشت ديوانه فلم أجده فيه .
وشتت بمعنى أقامت شتاء في القاموس : شتا بالبلد أقام به شتاء كشتى وتشتى وفاعله ضمير مستتر عائد إلى ما عاد إليه ضمير علفتها . وهمالة حال من الضمير المستتر وهو من )
هملت العين : إذا صبت دمعها . وعيناها فاعله .
وزعم العيني أن شتت بمعنى بدت ولم أر هذا المعنى في اللغة وأن عيناها فاعله وهمالة تمييز . وهذا خلاف الظاهر . فتأمل .
الشاهد الثاني والثمانون بعد المائة وهو من شواهد سيبويه : وما النجدي والمتغور وهو قطعة من بيت لجميل بن معمر وهو : ( وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلنا ** تهام وما النجديّ والمتغوّر ) على أن الرفع في مثله أولى من النصب على المفعول معه .
قال المبرد في الكامل : قولهم : ما أنت وزيد الرفع فيه الوجه لأنه
____________________

عطف اسماً ظاهراً على اسم مضمر منفصل وأجراه مجراه وليس هنا فعل فيحمل على المفعول فكأنه قال : ما أنت وما زيد وهذا تقديره في العربية ومعناه لست منه في شيء وهذا الشعر كما أصف لك ينشد : ( وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلنا ** تهام فما النجديّ والمتغوّر ) وكذلك قوله : ( تكلّفني سويق الكرم جرم ** وماجرم وما ذاك السويق ) فإن كان الأوّل مضمراً متصلاً كان النصب لئلا يحمل ظاهر الكلام على مضمر تقول : مالك وزيداً فإنما تنهاه عن ملابسته إذ لم يجز وزيد وأضمرت لأن حروف الاستفهام للأفعال فلو كان الفعل ظاهراً لكان على غير إضمار نحو قولك : ما زلت وعبد الله حتى فعل لأنه ليس يريد ما زلت وما زال عبد الله ولكنه أراد : ما زلت بعبد الله فكان المفعول مخفوضاً بالباء فلما زال ما يخفضه وصل الفعل إليه فنصبه كما قال تعالى : واختار موسى قومه سبعين رجلاً .
فالواو في معنى مع وليست بخافضة فكان ما بعدها على الموضع فعلى هذا ينشد هذا الشعر : ( فما لك والتلدد حول نجد ** وقد غصّت تهامة بالرجال ) ولو قلت : ما شأنك وزيداً لاختير النصب لأن زيداً لا يلتبس بالشأن لأن المعطوف على )
الشيء في مثل حاله . ولو قلت : ما شأنك وشأن زيد لرفعته لأن الشأن يعطف على الشأن .
وهذه الآية تفسر على وجهين من الإعراب : أحدهما هذا وهو الأجود فيها وهو قوله تعالى : فأجمعوا أمركم
____________________

وشركاءكم فالمعنى والله أعلم مع شركائكم لأنك تقول : جمعت قومي وأجمعت أمري ويجوز أن يكون لما أدخل الشركاء مع الأمر حمله على مثل لفظه لأن المعنى يرجع إلى شيء واحد فيكون كقوله : ( يا ليت زوجك قد غدا ** متقلداً سيفاً ورمحا ) شرّاب ألبان وسمن وأقط انتهى كلام المبرّد ولجودته سقناه برمّته .
وقوله : وما النجديّ والمتغور ما مبتدأ . والنجدي خبره . والمعنى : أن أهلي يرتابون بك إذا وجدوك عندهم لأنك غريب بعيد الدار منهم فينكرون كونك بينهم فيجب أن تتجنب وتعرض . تحذّره بني عمها كما يأتي بيانه ف الأبيات . . . وتهام بفتح التاء منسوب إلى التهم بفتحتين بمعنى التهامة بكسر التاء وقد بينا هذا مشروحاً في الشاهد الثامن عشر من أوائل الكتاب . وتهام خبر عن قوله وأهلنا وإعرابه كقاض . ولم يقل تهامون لأنه نظر إلى لفظ أهل وهو مفرد ويجوز نظراَ إلى المعنى تهامون . وقال ابن خلف : إنما قال تهام لأنه اكتفى بالواحد عن الجمع كقوله :
____________________

كأن عيني فيها الصاب مذبوح هذا كلامه فتأمله .
ونجد قال في الصحاح : هو من بلاد العرب وهو خلاف الغور والغور هو تهامة وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد وهو مذكر وتقول : أنجدنا أي : أخذنا في بلاد نجد .
وفي المثل : أنجد من رأى حضنا وذلك إذا علا من الغور . وحضن محركة : جبل . والمتغور اسم فاعل من تغور فلان : إذا انتسب إلى الغور . وغار وغوّر أيضاً بالتشديد : إذا أتى الغور قال في المصباح : والغور المطمئن من الأرض . والغور قيل : يطلق على تهامة وما يلي اليمن وقال الأصمعي : ما بين ذات عرق والبحر غور وتهامة فتهامة أوّلها مدارج ذات عرق من قبل نجد إلى مرحلتين وراء مكة وما وراء ذلك إلى البحر فهو الغور .
والبيت من قصيدة . وقبله : ) ( وآخر عهد لي بها يوم ودّعت ** ولاح لها خدّ مليح ومحجر ) ( عشية قالت لا تضيعنّ سرنا ** إذا غبت عنا وارعه حين تدبر ) ( وأعرض إذا لاقيت عيناً تخافها ** وظاهر ببغض إن ذلك أستر ) ( فإنك إن عرّضت بي في مقالة ** يزد في الذي قد قلت واش مكثّر ) ( وينشر سرّاً في الصديق وغيره ** يعز علينانشره حين ينشر )
____________________

( وما زلت في إعمال طرفك نحونا ** إذا جئت حتى كاد حبك يظهر ) ( لأهلي حتى لامني كل ناصح ** شفيق له قربى لديّ وأيصر ) ( وقطعني فيك الصديق ملامة ** وإني لأعصي نهيهم حين أزجر ) ( وما قلت هذا فاعلمن تجنباً ** لصرم ولا هذا بنا عنك يقصر ) ( وأخشى بني عمي عليك وإنما ** يخاف وينقي عرضه المتفكر ) ( وأنت امرؤ من أهل نجد واهلنا ** تهام وما النجديّ والمتغور ) ( وطرفك إما جئتنا فاحفظنه ** فزيغ الهوى باد لمن يتبصر ) ( وقد حدثوا أنا التقينا على هوىً ** فكلهم من غلّة الغيظ موقر ) ( فقلت لها : يا بثن أوثيت حافظاً ** وكل امرئ لم يرعه الله معور ) ( سأمنح طرفي حين ألقاك غيركم ** لكيما يروا أن الهوى حيث أنظر ) ( وأكني بأسماء سواك وأتقي ** زيارتكم والحب لا يتغير ) ( فكم قد رأينا واجداً بحبيبه ** إذا خاف يبدي بغضه حين يظهر ) وفي هذه الأبيات استشهاد ولهذا ذكرناها .
وترجمة جميل بن معمر العذري تقدمت في الشاهد الثاني والستين .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الثالث والثمانون بعد المائة قول الراعي . وهو من شواهد س :
____________________

( أزمان قومي والجماعة كالذي ** منع الرحالة أن تميل مميلا ) على أنه على تقدير : أزمان كان قومي والجماعة . فالجماعة مفعول معه على تقدير إضمار الفعل .
قال سيبويه : زعموا أنه الراعي كان ينشد هذا البيت نصباً . وقال : كأنه قال : أزمان كان قومي مع الجماعة . وحذف كان لأنهم يستعملونها كثيراً في هذا الموضع ولا لبس فيه ولا تغيير معنى .
ومثله قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشاطين على ملك سليمان أراد ما كانت تتلو .
قال ابن عصفور : وإنما حمل على إضمار كان ولم يحمل على تقدير حذف مضاف إلى قومي فيكون التقدير : أزمان كون قومي والجماعة لأن المصدر المقدّر بأن والفعل من قبيل الموصولات وحذف الموصول وإبقاء شيء من صلته لا يجوز .
فإن قلت : ما الدليل على أن قومي من قوله : أزمان قومي محمول على فعل مضمر قلت : لأنه ليس من قبيل المصادر وأسماء الزمان لا يضاف شيء منها إلا إلى مصدر أو جملة تكون في معناه نحو : هذا يوم قدوم زيد وقولهم : يوم الجمل ويوم حليمة فهو على حذف مضاف أي : يوم حرب الجمل ونحوه .
قال الأعلم : وصف ما كان من استواء الزمان واستقامة الأمور قبل قتل عثمان وشمول الفتنة .
وأراد التزام قومه الجماعة وتركهم الخروج على السلطان . والمعنى : أزمان قومي والتزامهم الجماعة وتمسكهم بها كالذي تمسك بالرحالة ومنعها من أن تميل وتسقط . والرحالة بالكسر : وهي أيضاً السرج . ضربها مثلاً اه .
____________________


وهذا البيت من قصيدة طويلة عدّتها تسعة وثمانون بيتاً للراعي . مدح بها عبد الملك بن مروان وشكا فيها من السعاة وهم الذين يأخذون الزكاة من قبل السلطان . وهي قصيدة جيدة كان يقول : من لم يرو لي من أولادي هذه القصيدة وقصيدتي التي أولها : بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا وهي في هذا المعنى أيضاً فقد عقني : وقبل بيت الشاهد : ) ( أوليّ أمر الله إنا معشر ** حنفاء نسجد بكرة وأصيلا ) ( عرب نرى لله في أموالنا ** حق الزكاة منزّلاً تنزيلا ) ( قوم على الإسلام لمّا يمنعوا ** ما عونهم ويضّيعوا التهليلا ) ( فادفع مظالم عيّلت أبناءنا ** عنا وأنقذ شلونا المأكولا ) ( فنرى عطية ذاك ** إن أعطيته من ربنا فضلاً ومنك جزيلا ) ( أنت الخليفة حلمه وفعاله ** وإذا أردت لظالم تنكيلا ) ( قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ** ودعا فلم أر مثله مخذولا ) ( فتصدعت من بعد ذاك عصاهم ** شققاً وأصبح سيفهم مسلولا )
____________________

( حتى إذا استعرت عجاجة فتنة ** عمياء كان كتابها مفعولا ) ( وزنت أمية أمرها فدعت له ** من لم يكن غمراً ولا مجهولا ) ( مروان أحزمها إذا نزلت به ** حدب الأمور وخيرها مسؤولا ) ( أزمان رفّع بالمدينة ذيله ** ولقد رأى زرعاً بها ونخيلا ) ( وديار ملك خرّبتها فتنة ** ومشيّدا فيه الحمام ظليلا ) ( إني حلفت على يمين برّة ** لا أكذب اليوم الخليفة قيلا ) ( ما زرت آل أبي خبيب وافداً ** يوماً أريد لبيعتي تبديلا ) ( من نعمة الرحمن لا من حيلتي ** إني أعدّ له عليّ فضولا ) ( أزمان قومي والجماعة كالذي ** لزم الرحالة أن تميل مميلا ) إلى أن قال : ( إن السعاة عصوك حين بعثتهم ** وأتوا دواهي لو علمت وغولا ) ( إن الذين أمرتهم أن يعدلوا ** لم يفعلوا مما أمرت فتيلا ) ( أخذوا العريف فقطّعوا حيزومه ** بالأصبحية قائماً مغلولا )
____________________

( يدعو أمير المؤمنين ودونه ** خرق تجرّ به الرياح ذيولا ) قوله : قوم على الإسلام لمّا يمنعوا ماعونهم أورده الزمخشري في تفسيره عند قوله تعالى : ويمنعون الماعون على أن الماعون الزكاة . والتهليل : هو قول لا إله إلا الله أراد كلمة التوحيد .
وقوله : عيّلت أبناءنا التعييل : سوء الغذاء وعيّل الرجل فرسه : إذا سيّبه في المفازة . والإنقاذ : )
التخليص . والشلو بالكسر : العضو . والشكول جمع شكل بفتح أوله وكسره : الشبه والمثل أي : جعلوا الناس متخالفين بعد أن كانوا متحدين . وقوله : قتلوا ابن عفان الخ يقال : أحرم الرجل إذا دخل في حرمة لا تهتك .
قال العسكري في باب ما وهم فيه علماء الكوفيين من كتاب التصحيف : أخبرنا أبو علي الكوكبيّ حدثني محمد بن سويد حدثني محمد بن هبيرة قال : قال الأصمعي للكسائي وهما عند الرشيد : ما معنى قول الراعي : قتلوا ابن عفان الخليفة محرما فقال الكسائي . كان محرماً بالحج . قال الأصمعي : فقوله : قتلوا كسرى بليل محرماً فتولى لم يمتع بكفن هل كان محرماً بالحج قال الرشيد للكسائي : يا عليّ إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي قال الأصمعي محرم أي : لم يأت ما تستحل به عقوبته ومن ثمّ قيل مسلم محرم أي : لم يحلّ من نفسه شيئاً يوجب القتل . وقوله : قتلوا كسرى محرما يعني حرمة العهد الذي كان له في أعناق أصحابه اه .
وقوله : حدب الأمور جمع أحدب وحدباء أراد الأمور المشكلة . وقوله : ما زرت آل أبي حبيب الخ . أبو خبيب هو عبد الله بن الزبير وكان
____________________

ادعى الخلافة يومئذ في الحجاز . وقوله : إني أعدّ له عليّ فضولاً هو جمع فضل بمعنى الإحسان والإنعام وهو العامل النصب على الظرفية في أزمان ويجوز رفعه على الابتداء والخبر محذوف أي : من الفضول أزمان قومي الخ .
قال صاحب كتاب التنبيه على ما أشكل من كتاب سيبويه : ويجوز رفع أزمان على أنه خبر مبتدأ محذوف دون إظهار كان والواو واو مع أيضاً فتكون إضافة أزمان إلى الجملة الإسمية على هذا . ثم قال : والأول أي : النصب على الظرفية احسن وأكثر اه . و السعاة : جمع ساع وهو كل من ولي شيئاً على قوم وأكثر ما يقال ذلك في ولاة الصدقة أي : الزكاة . وقوله : أخذوا المخاض من الفصيل الخ المخاض : النوق الحوامل واحدها خلفة .
والفصيل : ابنها . والغلبّة بضم الغين واللام وتشديد الموحّدة هي الغلبة بالتحريك والتخفيف .
وهو وظلماً مصدران وقعا حالين من فاعل أخذوا . ويجوز نصب الثاني بالأول على أنه مصدر معنويّ . والأفيل ككريم من أولاد الإبل : ما أتى عليه سبعة أشهر وهو منصوب بيكتب بالبناء )
للفاعل أي : يكتب الساعي . وعلى رواية البناء للمفعول وهي المشهورة مفعول لفعل محذوف أي : ويكتب أخذنا من فلان أفيلا .
وأورد ابن هشام هذا البيت في المغني على أن من فيه للبدل أي : نأخذ المخاض بدل الفصيل .
قال ابن يسعون : ويجوز أن لا تكون بدليّة بل متعلقة بأخذوا أي : انتزعوه من أمه . وروي بدله من العشار فهي بيانية أي : كائنة من العشار .
وقوله : أخذوا العريف هو رئيس القوم ومتكلمهم . و الأصبحية هي السياط منسوبة إلى ذي أصبح من ملوك اليمن فإنه الذي اخترعها . و الخرق بالفتح : الفلاة . و الراعي اسمه عبيد بن حصين بتصغيرهما ابن معاوية بن جندل بن
____________________

قطن بن ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة . وكنية الراعي : أبو جندل . ولقّب الراعي لكثرة وصفه الإبل والرعاء في شعره . وقيل : لقب به ببيت قاله .
وقال ابن قتيبة : اسمه حصين بن معاوية . وكان يقال لأبيه في الجاهلية معاوية الرئيس . وولده وأهل بيته في البادية سادة أشراف .
وهو شاعر فحل مشهور من شعراء الإسلام مقدم . ذكره الجمحي في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين . وكان يقدم الفرزدق على جرير فاستكفه جرير فأبى فهجاه بقصيدته البائية التي مطلعها : أقلي اللوم عاذل والعتابا ففضحه بها . وتقدم بيانه في ترجمة جرير في أوائل الكتاب .
وفي المؤتلف والمختلف للآمدي : من لقبه الراعي من الشعراء اثنان : أحدهما : هذا والثاني : اسمه خليفة بن بشير بن عمير بن الأحوص من بني عدي بن جناب . وقيل غير ذلك .
____________________

( باب الحال ) أنشد فيه وهو الشاهد الرابع والثمانون بعد المائة ( يقول وقد ترّ الوظيف وساقها ** ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد ) على أنه يخرج عن تعريف الحال الحال التي هي جملة بعد عامل ليس معه ذو حال .
بيانه : أن جملة وقد ترّ الوظيف حال وعاملها يقول ولا صاحب لها وأما فاعل يقول وهو الضمير المستتر فليس صاحب الحال لأنها لم تبين هيئته إذ ليست من صفاته . وهذا إنما يرد على تعريف المصنف الحال فإنه اعتبر فيه تبيين الهيئة ولا يرد عل ى تعريف الشارح فإنه لم يعتبر في الحدّ تبيين الهيئة . وقد أوّل الناس تعريف المصنف على وجوه منهم السيد ركن الدين في شرحه الكبير على الكافية وابن هشام في شرح التسهيل ومغني اللبيب وكذا الدماميني وغيره .
وترّ بالمثناة الفوقية والراء المهملة قال ابن دريد : ترّ العظم يترّه ترّاً إذا قطعه وكذلك كل عضو انقطع بضربة واحدة فقد ترّ ترّاً وينشد بالوجهين قول طرفة . وأنشد هذا البيت في الجمهرة .
يريد : أن ترّ ورد لازماً ومتعدياً .
وروي برفع الوظيف على أنه فاعل ترّ اللازم بمعنى انقطع وفسره يعقوب بن السكيت في شرح ديوان طرفة وتبعه الأعلم في شرحه بقوله : طنّ وندر . وروي بنصب الوظيف على أنه مفعول ترّ المتعدي بمعنى قطع وفاعله ضمير العضب في بيت قبله .
وقوله : وساقها : معطوف عليه بالوجهين وضمير المؤنث راجع إلى الكهاة في بيت قبله وهي الناقة الضخمة . والوظيف في الرجل ما بين الرسغ
____________________

والساق وفي اليد : ما بين الرسغ والذراع .
وقوله : ألست ترى الخ مقول القول . والخطاب في الثلاثة لطرفة والاستفهام للتوبيخ . والرؤية يجوز أن تكون بصرية فأن مع ما بعدها في تأويل مفرد منصوب على أنه مفعول الرؤية وأن تكون علمية فأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن وجملة قد أتيت خبرها وهي مع معمولها سادّة مسدّ المفعولين للرؤية . والمؤيد : على وزن اسم الفاعل قال الأعلم : هو الداهية وأصلها من الأيد وهو القوة كأناداهية ذات شدة وقوة . ورواه الخطيب التبريزي في شرح المعلقات بزنة اسم المفعول أيضاً وقال : أي : جئت بأمر شديد يشدّد فيه : من عقرك هذهالناقة . وليس المؤيد من الوأد ما توهمه السيد في حواشي هذا الكتاب فإنه قال : وأده أي : دفنه حياً و المؤيد : )
الداهية .
قال ابن جنّي في المنصف وهو شرح تصريف المازني : الفعل المعتل العين إذا صح ما قبل عينه نقلت حركة عينه إلى الساكن بلها نحو أقام واستقام . فأما ما اعتلّت فاؤه فإنك لا تنقل إليها حركة العين وذلك قولك في أفعلت نحو آيمت وآولت من آم وآل . لأنه لما اعتلت الفاء وهي همزة فقبلت ألفاً صحّت العين وعلى ذلك قول الشاعر : كرأس الفدن المؤيد
____________________

فهذا فعل بزنة اسم المفعول من الأيد وهو القوة ولم يقل المؤاد أي : بهمزة ممدودة بعد الميم المضمومة وقال طرفة : أن قد أتيت بمؤيد وهي الداهية وهي بزنة اسم الفاعل من الأيد أيضاً ولم يقل المئيد أي : بميم مضمومة فهمزة مكسورة بعدها مثناة تحتية وقالوا : آيدته في أفعلته من الأيد وأيدته فعّلته . وآيدته قليلة مكروهة لأنك إن صححت فهو ثقيل وإن أعللت جمعت بين إعلالين . فعدل عن أفعلته إلى فعّلته في غالب الأمر اه .
وهذا البيت من معلقة طرفة بن العبد المشهورة . وهذا ما قبله : ( وبرك هجود قد أثارت مخافتي ** نواديها أمشي بعضب مجرد ) ( فمرّت كهاة ذات خيف جلالة ** عقيلة شيخ كالوبيل يلندد ) يقول وقد ترّ الوظيف وساقها . . . البيت ( وقال ألا ماذا ترون بشارب ** شديد علينا بغيه متعمد ) ( فظل الإماء يمتللن حوارها ** وتسعى علينا بالسديف المسرهد ) قوله : وبرك بفتح الموحدة مجرور بواو رب قال أبو عبيدة : البرك يقع على جميع ما يبرك من الجمال والنوق على الماء وبالفلاة من حر الشمس أو الشبع الواحد بارك وباركة . وقيل : البرك : جماعة إبل الحي وقيل لها : برك لاجتماع مباركها . وبرك البعير : إذا ألقى صدره على الأرض .
والهجود : النيام جمع هاجد وهاجدة ومصدره الهجود أيضاً بمعنى النوم كالقعود والجلوس .
ومخافتي : فاعل أثارت وهو مصدر مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف أي : مخافتها إياي .
ونواديها : مفعول أثارت أي : أوائلها وما سبق منها وهو بالنون
____________________

يقال : لا ينداك مني أمر تكرهه أي : لا يسبق إليك مني وإنما خص النوادي لأنها أبعد منه عند فرارها . فيقول : لا يفلت من عقري ما قرب ولا ما شذ فندّ . )
وقال ابن السكيت : النوادي الثقال أيضاً من الإبل الواحدة نادية . وجملة أمشي حال من الياء في مخافتي . والعضب : السيف القاطع . والمجرد : المسلول من غمده . يقول : ربّ إبل كثيرة باركة قد أثارت نوادي هذا البرك عن مباركها مخافتها إياي في حال مشيي إليها بسيف مسلول قاطع .
يريد : أنه أراد أن ينحر لأضيافه بعيراً فنفرت منه لتعودها ذلك منه .
وقوله : فمرّت كهاة الخ الكهاة بفتح الكاف قال ابن السكيت : هو جلد الضرع وقالوا : هو جلد الضرع الأعلى الذي يسمى الجراب . يقال : ناقة خيفاء إذا كان ضرعها كبيراً . وجلالة : بالرفع : صفة كهاة وهي بضم الجيم بمعنى الجليلة والعظيمة . وعقيلة شيخ : صفة ثالثة أي : خير ماله والعقيلة : الكريمة . وهذا الشيخ قال ابن السكيت : هو بعض بني عم طرفة كان طرفة عقر له ناقة .
وقال الزوزني : أراد بالشيخ أباه يريد : أنه نحر كرائم مال أبيه لندمائه . وقيل : بل أراد غيره ممن يغير على ماله . وقوله : كالوبيل صفة شيخ . قال ابن السكيت : الوبيل العصا . وقال الزوزني : الوبيل : العصا الضخمة في الصحاح : الوبيل : الحزمة . فعلى هذا شبّه عظامه في البيوسة بالحطب والشيخ بأنه حزمة من الحطب . واليلندد : السيئ الخلق الشديد الخصومة صفة ثانية للشيخ .
وقوله : يقول وقد ترّ الوظيف الخ أي : قال الشيخ في حال عقري هذه الناقة الكريمة النجيبة .
ومثلها لا يعقر للأضياف وقوله : وقال ألا ماذا ترون الخ فاعل قال ضمير الشيخ صاحب الناقة وذا اسم موصول وما استفهام منصوب بترون والباء متعلقة بمحذوف أي : قال الشيخ مستشيراً أصحابه : ما الذي
____________________

ترون أن نفعل بطرفة شارب الخمر يبغي علينا بعقر كرائم أموالنا وقوله : فقالوا : ذروه الخ أي : ذروا طرفة فإن نفعها للشيخ فإن طرفة يخلف عليه ويزيده وإن لم تردّوا قاصي إبلكم يعقر منها أيضاً . وقيل : معناه : إن لم تردّوا قاصي البرك وتردّوه إلى أوله زاد في نفاره وذهب . والقاصي : اسم فاعل من قصا يقصو قصوّاً : إذا بعد .
وقوله : فظل الإماء الخ يمتللن بكسر اللام أي : يشوين في الملة وهي الرماد الحار . والإماء : الخدم . والحوار بضم المهملة : ولد الناقة . والسديف : قطع السنام . والمسرهد : المريء الحسن الغذاء وقيل : السمين . أي : فظل الإماء يشتوين الولد الذي خرج من بطنها تحت الجمر والرماد الحار وتسعى الخدم علينا بقطع سنامها المقطّع يريد : أنهم أكلوا أطايبها وأباحوا غيرها للخدم . )
وذكر الحوار يدل على أنها كانت حبلى وهي من أنفس الإبل عندهم .
وترجمة طرفة بن العبد تقدمت في الشاهد الخامس والثمانون بعد المائة ( وقد أغتدي والطير في وكناتها ** بمنجردقيد الأوابد هيكل ) لما تقدم قبله . وقد بيناه .
وهذا البيت من معلقة امرئ القيس المشهورة . وقوله : وقد أغتدي أي : أخرج غدوة للصيد .
والوكنات الواو مضمومة والكاف يجوز ضمها وفتحها
____________________

وسكونها جمع وكنة بضم فسكون . قال ابن جني في المحتسب : ومن ذلك قراءة عبد الكريم الجزري : فتكِن في صخرة بكسر الكاف من قولهم وكن الطائر يكن وكوناً : إذا استقر في وكنته وهي مقره ليلاً وهي أيضاً عشّه الذي يبيض فيه . وكأنه من مقلوب الكون لأن الكون الاستقرار . اه .
والقاف لغة في الكاف يقال : وقنة ووقنات . وروي : في وكراتها بضمتين جمع وكر بضمة فسكون وهو جمع وكربفتح فسكون والوكر : مأوى الطائر في العش . والطير : جمع طائر كصحب جمع صاحب . وهذا المصراع قد استعمله امرؤ القيس في قصيدته اللامية قال : ( وقد أغتدي والطير في وكناتها ** لغيث من الوسمي رائده خالي ) وفي الضادية أيضاً وتمامه : بمنجرد عبل اليدين قبيض وفي البائية أيضاً وتمامه : وماء الندى يجري على كل مذنب وهذا البيت قد وقع في قصيدة لعلقمة الفحل أيضاً . وجملة : والطير في وكناتها
____________________

حال من ضمير المتكلم أي : أغدو إلى الصيد ملابساً لهذه الحالة . والمنجرد من الخيل قيل : الماضي في السير وقيل : القليل الشعر القصيره . وبمنجرد متعلق بقوله أغتدي . والأوابد : الوحوش جمع آبده .
يريد : أن هذا الفرس من شدة سرعته يلحق الأوابد فيصير لها بمنزلة القيد . قال أبو علي في التذكرة : قيد الأوابد صفة وهو مصدر كأنه قال : يقيد الأوابد ثم استعمل المصدر : بحذف الزيادة فوصف به . وقال التبريزي : تقدير قيد الأوابد ذي تقييد الأوابد . قال الباقلاّني في إعجاز القرآن : قوله قيد الأوابد عندهم من البديع وهو من الاستعارة ويرونه من الألفاظ )
الشريفة وعنى بذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيداً لها وكانت بحال المقيد من جهة سرعة عدوه . وقد اقتدى به الناس واتبعه الشعراء فقيل : قيد النواظر وقيد الألحاظ وقيد الكلام وقيد الحديث وقيد الرهان قال ابن يعفر : ( بمقلّص عتد جهير شدّه ** قيد الأوابد والرهان جواد ) وقال أبو تمام : ( لها منظر قيد الأوابد لم يزل ** يروح ويغدو في خفارته الحبّ ) وقال آخر : ( ألحاظه قيد عيون الورى ** فليس طرف يتعدّاه ) وقال آخر :
____________________

قيّد الحسن عليه الحدقا والهيكل قال ابن دريد : هو الفرس العظيم الجرم . ( مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً ** كجلمود صخر حطّه السيل من عل ) مكر ومفر بكسر الميم فيهما وجرّهما أي : فرس صالح للكرّ والفرّ . والكر : العطف يقال : كرّ فرسه على عدوه . أي : عطفه عليه . ومفعل بكسر الميم يتضمن مبالغة كقولهم : فلان مسعر حرب وفلان مقول ومصقع . وإنما جعلوه متضمناً مبالغة لأن مفعلاً يكون من أسماء الأدوات فكأنه أداة للكرّ والفرّ وآلة لتسعر الحرب أي : تلهبها وآلة الكلام . ومقبل ومدبر بضم ميميهما : اسما فاعل من الإقبال والإدبار . والجلمود بالضم : الصخر العظيم الصلب . والحط : إلقاء الشيء من علو إلى سفل . وعل بمعنى عال أي : من مكان عال .
وفي هذا البيت الاتساع قال ابن أبي الإصثبع في تحرير التحبير : الاتساع أن يأتي الشاعر بيت يتسع فيه التأويل على قدر قوى الناظر فيه وبحسب ما تحتمل لفاظه كقوله في صفة فرس : مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً
____________________

لأن الحجر يطلب جهة السفل لكونها مركزه إذ كل شيء يطلب مركزه بطبعه فالحجر يسرع انحطاطه إلى السفل من العلو من غير واسطة فكيف إذا أعانته قوة دفّاع السيل من عل فهو حال تدحرجه يرى وجهه في الآن الذي يرى فيه ظهره بسرعة تقلبه وبالعكس . ولهذا قال : مقبل مدبر معاً يعني يكون إدباره وإقباله مجتمعين في المعيّة لا يعقل الفرق بينهما . )
وحاصل الكلام وصف الفرس بلين الرأس وسرعة الانحراف في صدر البيت وشدة العدو في عجزه . وقيل : إنه جمع وصفي الفرس بحسن الخلق وشدة العدو ولكونه قال في صدر البيت إنه حسن الصورة كامل النصبة في حالتي إقباله وإدباره وكرّه وفرّه ثم شبهه بجلمود صخر حطّه السيل من العلو بشدة العدو فهو في الحالة التي ترى فيها لببه ترى فيها كفله وبالعكس . هذا ولم تخطرهذه المعاني بخاطر الشاعر في وقت العمل وإنما الكلام إذا كان قويّاً من مثل هذا الفحل احتمل لقوته وجوهاً من التأويل بحسب ما تحتمل ألفاظه وعلى مقدار قوى المتكلمين فيه . ومثله أيضاً : ( إذا قامتا تضوّع المسك منهما ** نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل ) فإن هذا البيت اتسع النقاد في تأويله : فمن قائل : تضوع مثل المسك منهما بنسيم الصبا ومن قائل : تضوع نسيم الصبا منهما ومن قائل : تشوع المسك منهما تضوع نسيم الصبا وهذا هو الوجه عندي ومن قائل : تضوع المسك منهما بفتح الميم يعني الجلد بنسيم الصبا .
وقال ابن المستوفى في شرح أبيات المفصّل : حدثني الإمام أبو حامد سليمان قال : كنا في خوارزم وقد جرى النظر في بيت امرئ القيس : إذا قامتا تضوع المسك منهما
____________________

فقالوا : كيف شبّه تضوع المسك بنسيم الصبا والمشبّه ينبغي أن يكون مثل المشبّه به والمسك أطيب رائحة وطال القول في ذلك فلم يحققوه وكان سألني عنه فأجبت لوقتي أنه شبه حركة المسك منهما عند القيام بحركة نسيم الصبا لأنه يقال : تضوع الفرخ أي : تحرك ومنه تضوع المسك تحرك وانتشرت رائحته : وذلك أن المرأة توصف بالبطء عند القيام فحركة المسك تكون إذاً ضعيفة مثل حركة النسيم وانتشاره كانتشاره فالتشبيه صحيح .
والنسيم : الريح الطيبة ونسيم الريح أوّلها حين تقبل بلين . ولقائل أن يقول : إن نسيم الصبا وهي الريح الطيبة إذا جاءت برّيا القرنفل وهي أيضاً ريح طيبة قاربت ريح المسك . وبعد أن جرى ذلك بمدة طويلة وقع إليّ كتاب أبي بكر محمد بن القاسم الأنباريّ في شرح القصائد السبعيات فوجدته ذكر عند هذا البيت قولاً حسناً وهو قوله : ومعنى تضوع أخذ كذا وكذا .
وهو تفعّل من ضاع يضوع يقال : للفرخ إذا سمع صوت أمه فتحرك : قد ضاعته أمه تضوعه ضوعاً . فلا حاجة مع قوله أخذ كذا وكذا إلى تمحل لذلك ويكون التقدير : تضوّع المسك منهما )
تضوّع نسيم الصبا أي : أخذ كذا وكذا كما أخذ النسيم كذا وكذا . اه .
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين .
وانشد بعده وهو ( كأنّ حواميه مدبراً ** خضبن وإن لم تكن تخضب ) على أن مدبراً حال من المضاف إليه وهو الهاء فيحواميه .
وهذا البيت من قصيدة في وصف فرس لنابغة الجعدي . وقبله :
____________________

( كأنّ تماثيل أرساغه ** رقاب وعول على مشرب ) كأنّ حواميه مدبراً وبعده : ( حجارة غيل برضراضة ** كسين طلاءً من الطحلب ) التماثيل : جمع تمثال بالكسر وهي الصورة . والأرساغ جمع رسغ بالضم وهو من الدوابّ : الموضع المستدق بين الحافر وموضع الوظيف من اليد والرجل ومن الإنسان : مفصل ما بين الكف والساعد والقدم إلى الساق والوعول : جمع وعل قال ابن فارس : هو ذكر الأروى وهو الشاة الجبلية . وكذلك قال في البارع وزاد : والأنثى وعلة بكسر العين وتسكّن فيهما . والمشرب بالفتح موضع الشرب . وهذا البيت من التشبيه البديع الذي لم يسبق إليه : شبّه أرساغه في غلظها وانحنائها وعذد الانتصاب فيها برقاب وعول قد مدّتها لتشرب الماء . وهذاالبيت من شواهد أدب الكاتب قال : : ويستحب أن تكون الأرساغ غلاظاً يابسة . وأنشد هذا البيت .
وقوله : كأنّ حواميه . . الخ الحوامي : جمع حامية بالحاء المهملة وهي ما فوق الحافر وقيل : هي ما عن يمين الحافر وشماله ولكل حافر حاميتان قال ابن قتيبة : هما عن يمين السنبك وشماله .
والسنبك بالضم : طرف مقدم الحافر . وتخضب بدل من تكن بدل اشتمال لاشتمال الخضاب على الكون . وهو من قبيل بدل الفعل من الفعل ولهذا ظهر الجزم . وكسر للقافية .
والحجارة : جمع حجر وهي الصخر . والغيل بفتح الغين المعجمة : الماء الجاري على وجه الأرض . والرضراضة : الأرض الصلبة قال ابن السكيت في أبيات المعاني . ورضراضة : أرض مرصوصة بحجارة بالضاد المعجمة
____________________

والمهملة قال ابن قتيبة في أدب الكاتب : ويستحب أن تكون الحوافر صلاباً غير نقدة والنقدر بالتحريك : ان تراها متقشرة وتكون سوداً أو خضراً لا )
يبيضّ منها شيء لأن البياض فيها رقة . اه .
شبّه حوافره بحجارة مقيمة فيماء قليل . وذلك أصلب لها يقال للصخرة التي بعضها في الماء وبعضها خارج : أتان الضحل والضحل : الماء القليل وذلك النهاية في صلابتها .
وإياها عنى المتنبي بقوله : ( أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ** وإذا نطقت فإني الجوزاء ) وإذا كانت جوانب الحوافر صلاباً على الوصف الذي ذكر وكانت سوداً أو خضراً فمقاديمها أصلب وأشد سواداً وخضرة . وكسين بالبناء للمفعول من الكسوة . والنون ضمير الحجارة .
والجملة حال من ضمير الظرف أعني قوله برضراضة . والطلاء بالكسر : كل ما يطلى به وهو المفعول الثاني لكسا . يقال : طليته به أي : لطخته به . والطّحلب بضم اللام وفتحها مع ضم الماء فهو مطحلب بكسر اللام وفتحها .
قال ابن الشجريّ في المجلس الثالث من أماليه عند قول المسيّب بن عامر في مدح عمارة بن زباد العبسي : ( كسيف الفرند العضب أخلص صقله ** تراوحه أيدي الرجال قياما ) إن قوله قياماً نصب على الحال من الرجال . والحال من المضاف إليه قليلة ومن ذلك قول الجعدي : كأنّ حواميه مدبراً
____________________

نصب مدبراً على الحال من الهاء . . . وأنشدوا في الحال من المضاف إليه قول تأبّط شراً : ( سلبت سلاحي يائساً وشتمتني ** فيا خير مسلوب ويا شرّ سالب ) ولست أرى أن بائساً حال من الياء في سلاحي ولكنه عندي حال من مفعول سلبت المحذوف والتقدير : سلبتني بائساً سلاحي . ومثلي قوله تعالى : ذرني ومن خلقت وحيدا وقوله تعالى : أهذا الذي بعث الله رسولا أي : خاقته وبعثه . وإنما وجب العدول إلى ما قلنا لعزة حال المضاف إليه . فإذا وجدت مندوحة وجب تركه . وسلب يتعدى إلى مفعولين يجوز الاقتصار على أحدهما كقولك : سلبت زيداً ثوباً وقالوا : سلب زيد ثوبه بالرفع على بدل الاشتمال وثوبه بالنصب على أنه مفعول ثان وفي التنزيل : وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه فيجوز على هذا أن نجعل بائساً مفعولاً ثانياً بتقدير حذف الموصوف أي : )
سلبت سلاحي رجلاً باائساً كما تقول : لتعاملن مني رجلاً منصفاً .
ومما جاءت الحال فيه من المضاف إليه قوله تعالى : قل بل ملة إبراهيم حنيفا قيل : إن حنيفاً حال من إبراهيم وأوجه من ذلك عندي أن تجعله حالاً من الملة وإن خالفها بالتذكير لأن الملة في معنى الدين ألا ترى أنها قد أبدلت من الدين في قوله تعالى : ديناً قيماً ملة إبراهيم فإذا جعلت حنيفاً حالاً من الملة فالناصب له هو الناصب للملة وتقديره : بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا . وإنما أضمر نتبع لأن ما حكاه الله عنهم من قولهم : كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا معناه اتبعوا اليهودية أو النصرانية فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا . . وإنما ضعف مجيء الحال من المضاف إليه لأن العامل في الحال
____________________

ينبغي أن يكون هو العامل في ذي الحال . اه كلامه .
وقال أيضاً في المجلس الرابع والعشرين : وأما قوله : مدبراً فحال من الهاء والعامل على رأي أبي عليّ ما تقدره في المضاف إليه من معنى الجارّ . يعني أنّ التقدير كأن حوامي ثابتة له مدبراً أو كائنة له . قال : ولا يجوز تقديم هذه الحال لأن العامل فيها معنى لا فعل محض . قال : ولا يجوز أن يكون العامل ما في كأنّ من معنى الفعل لأنه إذا عمل في حال لمي عمل في أخرى . يعني أنّ كأن قد عمل في موضع خضبن النصب على الحال فلا يعمل في قوله مدبراً . وهذا القول يدلّ على أنه يجيز أن ينصب حال المضاف إليه العامل في المضاف . وإذا كان هذا جائزاً عنده فإن جعل خضبن خبر كأن فالعامل إذاً في مدبراً ما في كأن من معنى الفعل .
وهذا إنما يجوز إذا كان المضاف ملتبساً بالمضاف إليه : كالتباس الحوامي بما هي له ولا يجوز في ضربت غلام هند جالسة أن تنصب جالسة بضربت لأن الغلام غير ملتبس بهند كالتباس الحوامي بصاحبها . ولا يجوز عندي أن تنصب جالسة بما تقدره من معنى اللام في المضاف إليه فكأنك قلت : ضربت غلاماً كائناً لهند جالسةً لأن ذلك يوجب أن يكون الغلام لهند في حال جلوسها خاصة وهذا مستحيل .
وكذلك قوله : كأن حواميه مدبراً إن قدرت فيه : حوامي ثابتة له مدبراً وجب أن يكون الحوامي له في حال إدباره دون حال إقباله . وهذا يوضح لك فساد إعمالك في هذه الحال معنى الجار المقدّر في المضاف إليه . ولا يجوزإذن ضربت غلام هند جالسة لذلك ولعدم التباس المضاف بالمضاف إليه . ونظير ما ذكرناه : من جواز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان )
المضاف ملتبساً به قوله تعالى : فظلت اعناقهم لها خاضعين أخبر بخاضعين عن المضاف إليه ولو أخبر عن المضاف لقال خاضعة أو خضّعاً أو خواضع . وإنما حسن ذلك لأن خضوع أصحاب الأعناق بخضوع أعناقهم .
وقد قيل فيه غير هذا وذلك ما جاء في التفسير من أن المراد بأعناقهم كبراؤهم .
____________________

وقال أهل اللغة : أعناقهم : جماعاتهم كقولك : جاءني عنق من الناس أي : جماعة . فالخبر في هذين القولين عن الأعناق .
وقوله : خضبن عند أبي عليّ في موضع نصب بأنه حال من الحوامي ولم يجعله خبر كأن لأنه جعل خبرها قوله حجارة غيل ولم يجز أن يكونا خبرين لكأن : على حدّ قولهم هـ ا حلو حامض أي : قد جمع الطعمين قال : لأنك لا تجد فيما أخبروا عنه بخبرين أن يكون أحدهما مفرداً والآخر جملة : لا تقولزيد خرج عاقل . والقول عندي : أن يكون أحدهما مفرداً والآخر جملة : لا تقول زيد خرج عاقل . والقول عندي : أن يكون موضع خضبن رفعاً بأنه خبر كأن وقوله : حجارة غيل خبر مبتدأ محذوف أي : هي حجارة غيل وأداة التشبيه محذوفة كما فهنّ إضاء صافيات الغلائل أي : مثل إضاء والإضاء : الغدران واحدها أضاة فعلة جمعت على فعال كرقبة ورقاب : شبّه الدروع في صفائها بالغدران .
والنابغة الجعدي كنيته أبو ليلى وهو كما في الاستيعاب : قيس بن عبد الله . وقيل : حيان بن قيس بن عبد الله بن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة . وقيل : اسمه حيان بن قيس بن عبد الله بن وحوح بن عدس بن ربيعة بن جعدة .
وإنما قيل له : النابغة لأنه قال الشعر في الجاهلية ثم أقام مدة نحو ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فيه فقاله فسمّي النابغة . وهو أسنّ من النابغة الذبياني لأن الذبياني كان مع النعمان بن المنذر وكان النعمان بن المنذر بعد المنذر بن محرّق وقد أدرك النابغة الجعدي المنذر بن محرق ونادمه .
____________________


ذكر عمر بن شبّة أنه عمّر مائة وثمانين سنة وأنه أنشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( لبست أناساً فأفنيتهم ** وأفنيت بعد أناس أناسا ) ( ثلاثة أهلين أفنيتهم ** وكان الإله هو المستآسا ) )
فقال له عمر : كم لبثت مع كلّ أهل قال : ستين سنة .
وقال ابن قتيبة : عمّر الجعدي مائتين وعشرين سنة ومات بأصبهان . ولا يدفع هذا مامرّ فإنه أفنى ثلاثة قرون في مائة وثمانين سنة ثم عمّر إلى زمن ابن الزبير وبعده .
والبيتان من قصيدة سينية . والمستآس : المستعاض مستفعل من الأوس والأوس : العطية عوضاً .
وبعدهما : ( وعشت بعيشين إن المنو ** ن تلقّى المعايش فيها خساسا ) ( فحيناً أصادف غرّاتها ** وحيناً أصادف منها شماسا ) ( شهدتهم لا أرجّي الحيا ** ة حتى تساقوا بسمر كئاسا ) وهو جمع كأس .
____________________


قال السجستاني في كتاب المعمرين : وقال حين وفت له مائة واثنتا عشرة سنة : ( مضت مائة لعام ولدت فيه ** وعشر بعد ذاك وحجتان ) ( فأبقى الدهر والأيام مني ** كما أبقى من السيف اليماني ) ( تفلّل وهو مأثور جراز ** إذا جمعت بقائمه اليدان ) ( ألا زعمت بنو كعب بأني ** ألا كذبوا كبير السن فاني ) الخنان : مرض أصاب الناس في أنوفهم وحلوقهم وربما أخذ النعم وربما قتل اه . وهو بضم الخاء المعجمة وبعدها نون مخففة في القاموس : والخنان كغراب : زكام الإبل وزمن الخنان كان في عهد المنذر بن ماء السماء وماتت الإبل منه .
ووفد الجعديّ على النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً وأنشده ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من اول ما أنده قوله في قصيدته الرائية :
____________________

( أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ** ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا ) ( وجاهدت حتى ما أحس ومن معي ** سهيلاً إذا ما لاح ثمّت غوّرا ) ( أقيم على التقوى وأرضى بفعلها ** وكنت من النار المخوفة أحذرا ) إلى أن قال : ( وإنا لقوم ما نعوّد خيلنا ** إذا ماالتقينا أن تحيد وتنفرا ) ) ( وننكر يوم الروع ألوان خيلنا ** من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا ) ( وليس بمعروف لنا ان نردها ** صحاحاً ولا مستنكراً أن تعقّرا ) ( بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا ) وفي رواية عبد الله بن جراد :
____________________

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إلى أين يا أبا ليلى فقال : إلى الجنة فقال : نعم إن شاء الله ( ولا خير في حلم إذا لم تكن له ** بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا ) ( ولا خير في جهل إذا لم يكن له ** حليم إذا ما اورد الأمر أصدرا ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يفضض الله فاك فكان من احسن الناس ثغراً وكان إذا سقطت له ثنية نبتت وكان فوه كالبدر المتهلّل يتلألأ ويبرق .
وهذه القصيدة طويلة : نحو مائتي بيت وأنشد جميعها للنبي صلى الله عليه وسلم وأولها : ( خليليّ غضّا ساعة وتهجّرا ** ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا ) وهي من أحسن ما قيل من الشعر في الفخر بالشجاعة سباطة ونقاوة وحلاوة . ومنها : ( تذكرت والذكرى تهيج على الفتى ** ومن حاجة المحزون أن يتذكرا ) ( نداماي عند المنذر بن محرّق ** أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا ) ( تقضّى زمان الوصل بيني وبينها ** ولم ينقض الشوق الذي كان اكثرا ) ( وإني لآستشفي برؤية جارها ** إذا ما لقاؤها عليّ تعذّرا ) ( وألقي على جيرانها مسحة الهوى ** وإن لم يكونوا لي قبيلاً ومعشرا )
____________________

( تردّيت ثوب الذلّ يو لقيتها ** وكان ردائي نخوة وتجبرا ) ( إلى أن لقينا الحيّ بكر بن وائل ** ثمانين ألفاً دارعين وحسّرا ) ( فلما قرعنا النبع بالنبع : بعضه ** ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا ) ( سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ** ولكننا كنا على الموت أصبرا ) قال عمر بن شبّة : كان النابغة الجعديّ شاعراً مقدّماً غلا انه كان إذا هاجى غلب وقد هاجى أوس بن مغراء وليلى الأخيلية وكعب بن جعيل فغلبوه وهو اشعر منهم مراراً .
ليس فيهم من يقرب منه . وكان قد خرج مع علي رضي الله عنه إلى صفين فكتب معاوية إلى مروان فأخذ أهل النابغة وماله فدخل النابغة على معاوية وعنده مروان وعبيد الله بن مروان )
فأنشده : ( من راكب يأتي ابن هند بحاجتي ** على النأي والأنباء تنمي وتجلب ) ( ويخبر عني ما أقول النعامر ** ونعم الفتى يأوي إليه المعصّب )
____________________

( فإن تأخذوا أهلي ومالي بظنّة ** فإني لأحرار الرجال مجرّب ) ( صبور على ما يكره المرء كله ** سوى الظلم إني إن ظلمت سأغضب ) فالتفت معاوية إلى مروان فقال : ما ترى قال : أرى أن لا تردّ عليه شيئاً فقال : ما اهون عليك أن يقطع عليّ عرضي ثم ترويه العرب أما والله إن كنت لمّمن يرويهّ أردد عليه كل شيء اخذته . . ثم أقحمته سنة فدخل على ابن الزبير في المسجد الحرام يستجديه ومدحه بأبيات فأعطاه من بيت المال قلائص سبعاً وفرساً رجيلاً : وأوقر له الرّكاب بّاً وتمراً وثياباً .
وفي تاريخ الإسلام للذهبي أن النابغة قال هذه الأبيات : ( المرء يهوى أن يعي ** ش وطول عمر قد يضره ) ( وتتابع الأيّام ح ** تى ما يرى شيئاً يسرّه ) ( تفنى بشاشته ويب ** قى بعد حلو العيش مرّه ) ثم دخل بيته فلم يخرج منه حتى مات .
وفي الاستيعاب : كان النابغة يذكر في الجاهلية دين إبراهيم والحنيفية ويصوم ويستغفر فيما ذكروا وقال في الجاهلية كلمته التي أولها : ( الحمد لله لا شريك له ** من لم يقلها فنفسه ظلما ) وفيها ضروب من دلائل التوحيد والإقرار بالبعث والجزاء والجنة والنار وصفة بعض ذلك : على نحو شعر أمية بن أبي الصلت . وقد قيل إن هـ ا الشعر لأمية بن أبي الصلب ولكنه قد صححه يونس بن حبيب وحماد الراوية ومحمد بن سلاّم وعلي بن سليمان الأخفش للنابغة الجعدي .
الشاهد السابع والثمانون بعد المائة
____________________

( عوذ وبهثة حاشدون عليهم ** حلق الحديد مضاعفاً يتلهّب ) على أنه قد جاء فيه الحال من المضاف إليه : كالبيت الذي قبله . أعني قوله : مضاعفاً حال من الحديد .
قال أبو علي في المسائل الشيرازيات : قد جاء الحال من المضاف إليه في نحو ما أنشده أبو زيد : ( عوذ وبهثة حاشدون عليهم ** حلق الحديد مضاعفاً يتلهّب ) انتهى كلامه .
قال ابن الشجري في المجلس السادس والسبعين في أماليه : الوجه في هذا البيت فيما أراه أن مضاعفاً حال من الحلق لا من الحديد لأمرين : أحدهما : أنه إذا أمكن مجيء الحال من المضاف كان أولى من مجيئها من المضاف إليه ولا مانع في البيت من كون مضاعفاً حالاً من الحلق لأننا نقول : حلق محكم ومحكمة .
والآخر : أنّ وصف الحلق بالمضاعف أشبه كما قال المتنبي : ( أقبلت تبسم والجياد عوابس ** يخببن بالحلق المضاعف والقنا ) ويجوز أن يجعل مضاعفاً حالاً من المضمر في يتلهب ويتلهب في موضع الحال من الحلق فكأنه وقال في المجلس الخامس والعشرين مثل هذا ثم قال : ويتوجه ضعف ما قاله من جهة أخرى : وذلك انه لا عامل له في هذه الحال إذا كانت من الحديد إلا ما قدّره في الكلام من معنى الفعل بالإضافة . وذلك قوله : ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة من أن تكون بمعنى اللام أو من .
وأقول : إن مضاعفاً في الحقيقة إنما هو حال من الذكر المستكن في عليهم إن رفعت الحلق بالابتداء فإن رفعته بالظرف على قول
____________________

الأخفش والكوفيين فالحال منه لأن الظرف حينئذ يخلو من ذكر . اه .
وعوذ بفتح المهملة وآخره ذال معجمة هو عوذ بن غالب بن قطيعة بالتصغير ابن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان . وبهثة بضم الموحدة وهو بهثة بم عبد الله بن غطفان . فبهثة ابن عمّ بغيض . وغطفان هو ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر كذا في جمهرة الأنساب لابن الكلبي .
وحلق الحديد قال صاحب العباب : الحلقة بالتسكين : الدّرع والجمع الحلق بفتحتين عيى غير قياس وقال الأصمعي : حلق بالكسر مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع . )
وفي المصباح . الحلقة : السلاح كله . ثم أورد الجمع مثل ما أ رده صاحب العباب وقال : وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أنّ الحلقة بالفتح لغة في السكون وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس مثل قصبة وقصب . وجمع ابن السرّاج بينهما وقال : فقالوا حلق ثم خفّفوا الواحد حين ألحقوه الزيادة وغير المعنى . قال : وهذا لفظ سبويه . وأما حلقة الباب فقد قال صاحب العباب والمصباح : هي بالسكون أيضاً تكون من حديد وغيره وحلقة القوم كذلك وهم الذين يجتمعون مستديرين .
وقال صاحب العباب : قال الفرّاء في نوادره : الحلقة بكسر اللام لغة بلحارث بن كعب في الحلقة بالسكون والحلقة بالفتح قال ابن السكّيت : سمعت أبا عمرو الشيباني يقول : ليس في كلام العرب حلفقة بالتحريك إلا في قولهم : هؤلاء حلقة للذين يحلقون الشعر جمع حالق . اه .
فقول الشاعر : حلق الحديد المراد من الحلق الدّروع سواء كسرت الحاء أو فتحت . وإضافتها إلى الحديد كقولهم : خاتم فضة وثوب خزّ . ف المضاعف لا يكون حالاً إلا من ضمير الحلق المستقر في الجارّ والمجرور الواقعين خبراً أو من الحلق على مذهب سيبويه : من تجويزه مجيء الحال من المبتدأ أو من ضمير يتلهّب . ولا يصح أن يكون حالاً من الحديد إذ لا معنى له .
فتأمّل .
وأيضاً الدّرع المضاعفة هي المنسوجة حلقتين حلقتين قيل : ويجوز أن يراد بالمضاعفة درع فوق أخرى . ويتلهّب : يشتعل استعير للمعانه . والحشد
____________________

يكون لازماً ومتعدياً يقال : حشد القوم من باب قتل وضرب : إ ا اجتمعوا . وحشدتهم أي : جمعتهم .
وهذا البيت من أبيات لزيد الفوارس أوردها أبو محمد الأعرابي في كتاب ضالّة الأديب .
وهي : ( دلّهت أن لم تسألي أيّ امرئ ** بلوى النقيعة إذ رجالك غيّب ) ( إذ جاء يوم ضوءه كظلامه ** بادي الكواكب مقّمطرّ أشهب ) ( عوذ وبهثة حاشدون عليهم ** حلق الحديد مضاعفاً يتلهّب ) ( ولّوا تكبهم الرماح كأنهم ** أثل جأفت أصوله أو أثأب ) ( لد غدوة حتى أغاث شريدهم ** جوّ العشارة فالعيون فزنقب ) ( فتركت زرّاً في الغبار كأنه ** بشقيقتي قدمية متلبّب ) )
قال أبو محمد الأعرابي : كان سبب هذه الأبيات أنه أغار زرّ بن ثعلبة أحد بني عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس في بني عبس وعبد الله بن غطفان فأصابوا نعماً لبني بكر بن سعد بن ضبة فطردوهم . فأتاهم الصريخ ورئيسهم يومئذ زيد الفوارس حتى أدركوهم بالنقيعة تحت الليل فقتلوا زرّاً والجنيد بن تيجان من بني مخزوم وابن أزنم من بني عبد الله بن غطفان . فقال زيد الفوارس هذه الأبيات في ذلك . اه .
قوله : دلّهت بالبناء للمفعول وخطاب المؤنثة من التدليه وهو ذهاب العقل من همّ وعشق ونحوه . دعاء عليها أن لم تسأل عنه أيّ فارس كان هناك وأي امرئ خبر مبتدأ محذوف أي : أنا ويجوز نصبه على أنه خبر كان المحذوفة مع اسمها أي : أيّ امرئ كنت وبها يتعلق الظرفان .
وإذ الثانية بدل من إذ
____________________

الأولى . والنقيعة بالنون : موضع بين بلاد بني سليط وضبة . واللوى : ما التوى من الرمل . ويوم مقمطرّ : مشتدّ اقمطرّ أي : اشتدّ . وأشهب : من الشهبة وهو بياض يصدعه سواد . وقوله : ولّوا تكبهم الخ ولّوا : ادبروا وجملة تكبهم حال من الواو كبّه : قلبه وصرعه . والرماح : جمع رمح . وجأفت الشجرة بعد الجيم همزة أي : قلعتها . والأثأب بالمثلثة كجعفر : شجر الواحدة أثأبة . والشريد : الطريد المهزوم وهو مفعول . وجوّ العشارة فاعله وهو موضع وكذلك العيون . وزنقب بالزاي والنون والقاف .
وقول بشقيقتي قدميّة هو مثنى شقيقة و الشقيقة : كلأ ما انشق نصفين وكلّ منهما شقيقة أي : كأنه ملفوف بشقتي ثوب قدميّة . وقدم بضم القاف وفتح الدال : حي باليمن وموضع تصنع فيه ثياب حمر . ومتلبب من تلبّب بثوبه : إذا التف به وتشمّر . ولبّبته تلبيباً إذا جمعت ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جررته . و زيد الفوارس هو ابن حصين بن ضرار الضبي وهو جاهلي . وذكره الآمديّ في المؤتلف والمختلف ولم يرفع نسبه ولا ذكر له شيئاً من شعره .
وهذه نسبته من جمهرة ابن الكلبي : زيد الفوارس بن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان . وضرار بن عمرو وكان يقال له : الرّديم لأنه كان إذا وقف في الحرب ردم ناحيته أي : سدّها وطالت رياسته وشهد يوم القرنتين ومعه ثمانية عشر من ولده يقاتلون معه وزيد الفوارس كان فارصهم . ولهذا قيل له : زيد الفوارس . )
وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والثمانون بعد المائة
____________________

( وإنّا سوف تدركنا المنايا ** مقدّرة لنا ومقدّرينا ) على أنه يجوز عطف أحد حالي الفاعل والمفعول على الآخر كما في هذا البيت . فإنّ مقدرة حال من الفاعل وهو المنايا ومقدرينا : حال من المفعول أعني ضمير المتكلم مع الغير . أي : تدركنا المنايا في حال كوننا مقدّرين لأوقاتها وكونها مقدّرة لنا .
والمنايا : جمع منيّة وهي الموت وسمي منية لأنه مقدر من منى له أي : قدّر قال أبو قلابة الهذلي : ( فلا تقولن لشيء سوف أفعله ** حتى تلاقي ما يمني لك الماني ) وه ا البيت من معلّقة عمرو بن كلثوم التغلبي . وهذا مطلعها : ( ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ** ولا تبقي خمور الأندرينا ) ( مشعشعةً كأنّ الحصّ فيها ** إذا ما الماء خالطها سخينا ) ( تجور بذي اللبانة عن هواه ** إذا ما ذاقها حتى يلينا ) ( ترى اللحز الشحيح إذا أمرّت ** عليه لماله فيها مهينا )
____________________

( صددت الكأس عنا أمّ عمرو ** وكان الكأس مجراها اليمينا ) ( وما شر الثلاثة أمّ عمرو ** بصاحبك الذي لا تصبحينا ) وإنا سوف تدركنا المنايا . . . البيت ألا : حرف يفتتح به الكلام ومعناه التنبيه . وهبّي : معناه قومي مننومك يقال : هبّ مننومه يهبّ هبّاً إذا انتبه وقام من موضعه . والصحن : القدح الواسع الضخم .
وقوله : فاصبحينا أي : اسقينا الصبوح وهو شرب الغداة يقال : صبحه بالتخفيف صبحاً بالفتح . والأندرين : قرية بالشام كثيرة الخمر وقيل : هو أندر ثم جمعه بما حواليه وقيل : هو أندرون . وفيه لغتان منهم من يعربه إعراب جمع المذكر السالم ومنهم من يلزمه الياء ويجعل الإعراب على النون وقال الزجّاج : يجوز مع هذا لزوم الواو أيضاً .
وقوله : مشعشعة كأن الخ المشعشعة : الرقيقة من العصر أو من المزاج يقال : شعشع كأسك أي : صبّ فيها ماء منصوب على أنه مفعول اصبحينا أي : اسقينا ممزوجة وقيل : حال من )
خمور وقيل بدل منها . والحصّ بضم المهملة : الورس وهو نبت أصفر يكون باليمن وقيل : هو الزعفران .
وقوله : سخينا قال أبو عمرو الشيباني : كانوا يسخنون لها الماء في الشتاء ثم يمزجونها به فهو على هذا حال من الماء . وقيل : هو صفة موصوف محذوف أي : فاصبحينا شراباً سخيناً .
وفيه نظر . وقيل : سخينا فعل أي : جدنا يقال : سخي يسخى من باب تعب والفاعل سخ وفيه لغتان اخريان : إحداهما سخا يسخو فهو ساخ من باب عل والثانية سخو يسخو مثل قرب يقرب سخاوة فهو سخيّ . ويروى : شحينا بالشين المعجمة أي : إذا خالطها الماء مملوءة به .
والشحن : الملء والفعل من باب نفع والشحين بمعنى المشحون .
وقوله : تجور بذي اللبانة الخ من الجور وهو العدول . و اللبانة : الحاجة يمدح الخمر ويقول : تعدل بصاحب الحاجة عن حاجته وهواه إذا ذاقها حتى يلين . أي : هي تنسي الهموم والحوائج أصحابها فإذا شربوها لانوا ونسوا أحزانهم وحوائجهم .
____________________


وقوله : ترى اللحز الخ اللحز بفتح اللام وكسر المهملة وآخره زاي معجمة : الضيّق البخيل وقيل : هو السيئ الخلق اللئيم . وقوله : إذا امرّت عليه أي : أديرت الكأس عليه . والمعنى : أنّ الخمر إذا كثر دورانها عليه أهان ماله وجاد به .
وقوله : صددت الكأس عنا الخ أي : صرفت الكأس عنا إلى غيرنا . وهذا البيت من شواهد سيبويه على أن قوله اليمينا نصب على الظرفية . وفيه أربعة أوجه : أحدها : أن يكون مجراها بدلاً من الكأس وهو مصدر لا مكان . واليمين : ظرف خبر كان .
الثاني : أن اليمين خبر كان لا ظرف لكن على حذف مضاف أي : مجرى اليمين . الثالث : مجراها مبتدأ واليمين ظرف خبره والجملة خبر كان . الرابع : ان يجعل المجرى مكاناً بدلاً من الكأس واليمين خبر كان لا ظرف . وأمّ عمرو منادى .
قال ابن خلف : هي أمّ الشاعر وكان هو جالساً مع أبيه وأبي أمه وكانت تسقي أباها وزوجها وتعرض عنه استصغاراً له فقال لها : إذا سقيت إنساناً كأساً اجعلي الكأس بعده للذي على يمينه حتى ينقضي الدّور ولا ينبغي أن تحقريني فلست بشر الثلاثة يعني : نفسه وأباه وأباها اه وهذا بعيد .
قال شرّاح المعلقات : وبضعهم يروي هذين البيتين لعمرو ابن أخت جذيمة الأبرش : وذلك أنه لما )
وجده مالك وعقيل في البريّة وكانا يشربان وأمّ عمرو هذه تصد عنه الكأس فلما قال هذا وقوله : إنا سوف تدركنا الخ معنى هذا البيت في اتصاله بما قبله أنه لما قال لها هبي بصحنك حثها على ذلك . والمعنى : فاصبحينا من قبل حضور الأجل
____________________

فإن الموت مقدّر لنا ونحن مقدّرون له .
وهذه القصيدة أنشدها عمرو بن كلثوم في حضرة الملك عمرو بن هند وهو ابن المنذر وهند امه ارتجالاً يذكر فيها أيام بني تغلب ويفتخر بهم . وأنشد أيضاً عند الملك يومئذ الحارث بن حلّزة قصيدته الت أولها : آذنتنا ببينها أسماء وتقدمت حكايتها . قال معاوية بن أبي سفيان : قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حلّزة من مفاخر العرب كانتا معلّقتين بالكعبة دهراً .
قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء : قصيدة عمرو بن كلثوم من جيّد شعر العرب وإحدى السبع .
ولشغف تغلب بها قال بعض الشعراء : ( ألهى بني تغلب عن كلّ مكرمة ** قصيدة قالها عمرو بن كلثوم ) ( يفاخرون بها مذ كان أولهم ** يا للرجال لشعر غير مسؤوم ) وكان سبب هذه القصيدة ما رواه أبو عمرو الشيباني قال : كانت بنو تغلب ابن وائل من أشد الناس في الجاهلية . وقالوا : لو أبطأ الإسلام قليلاّ لأكلت بنو تغلب
____________________

الناس . ويقال : جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم فرجعوا فمات منهم سبعون رجلاً عطشاً . ثم إن بني تغلب اجتمعوا لحرب بكر بن وائل واستعدّت لهم بكر حتى إذا التقوا كرهوا الحرب وخافوا ان تعود الحرب بينهم كما كانت فدعا بعضهم بعضاً إلى الصلح فتحاكموا إلى الملك عمرو بن هند فقال عمرو : ما كنت لأحكم بينكما حتى تأتوني بسبعين رجلاً من أشراف بكر بن وائل . فأجعلهم في وثاق عندي . فإن كان الحق لبني تغلب دفعتهم إليهم وإن لم يكن لهم حق خلّيت سبيلهم . فعلوا وتواعدوا ليوم بعينه يجتمعون فيه .
فجاءت تغلب في ذلك اليوم يقودها عمرو بن كلثوم حتى جلس إلى الملك .
وقال الحارث بن حلّزة لقومه وهو رئيس بكر بن وائل : إني قد قلت قصيدة فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه فروّاها ناساً منهم فلمّا قاموا بين يديه لم يرضهم فحين علم انه لا يقوم )
بها أحد مقامه قال لهم : والله إني لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة ستور وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه وذلك لبرص كان به غير أني لا أرى أحداً يقوم بها مقامي وأنا محتمل ذلك لكم . فانطلق حتى أتى الملك فلما نظر إليه عمرو بن كلثوم قال للملك : أهذا يناطقني وهو لا يطيق صدر راحلته فأجابه الملك حتى أفحمه .
آذنتنتا ببينها أسماء وهو من وراء سبعة ستور وهند تسمع فلما سمعتها قالت : تالله ما رأيت كاليوم قط رجلاً يقول مثل هذا القول يكلّم من وراء سبعة ستور فقال الملك : ارفعوا ستراً ودنا . فمازالت تقول ويرفع ستر فستر حتى صار مع الملك على مجلسه ثم أطعمه في جفنته وأمر أن لا ينضح أثره بالماء وجزّ نواصي السبعين الذين كانوا في يديه من بكر ودفعها إلى الحارث وأمره أن لا ينشد قصيدته إلا متوضياً . فلم تزل تلك النواصي في بني يشكر بعد الحارث وهو من ثعلبة بن
____________________

غنم من بني مالك بن ثعلبة . وأنشد قصيدته عمرو بن كلثوم . هكذا نقلل الخطيب التبريزي عن أبي عمرو الشيباني . وهذا مخالف لما نقلناه عنه عند ذكر معلقة الحارث بن حلّزة والله أعلم . و عمرو صاحب هذه المعلقة هو عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيّب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل .
قا لأبو عبيد البكريّ في شرح نوادر القاليّ عمرو بن كلثوم شاعر فارس جاهليّ وهو أحد فتاك العرب وهو الذي فتك بعمرو بن هند . وكنيته أبو الأسود . وأخوه مرّة هو الذي قتل المنذر بن النعمان . وامه أسماء بنت مهلهل بن ربيعة . ولما تزوج مهلهل هنداً بنت عتيبة ولدت له جارية فقال لأمها : اقتليها وغيّبيها فلما نام تف به هاتف يقول : ( وعدد لا يجهل ** في بطن بنت مهلهل ) فاستيقظ فقال : أين بنتي فقالت : قتلتها . فقال : لا وإله ربيعة زكان أول من حلف بها . ثم ربّاها وسمّاها أسماء وقيل ليلى . وتزوجها كلثوم بن مالك . فلما حملت بعمرو أتاها آت في المنام فقال : ( يا لك ليلى من ولد ** يقدم إقدام الأسد ) ( من جشم فيه العدد ** أقول قولاً لا فند )
____________________

فلما ولدت عمراً اتاها ذلك الآتي فقال : ) ( أنا زعيم لك أم عمرو ** بماجد الجدّ كريم النجار ) ( أشجع من ذي لبد هزبر ** وقّاص أقران شديد الأسر ) يسودهم في خمسة وعشر وكان كما قال سادهم وهو ابن خمس عشرة سنة . ومات وهو ابن مائة وخمسين سنة . اه .
وقال ابن قتيبة في كتاب الشعراء عمرو بن كلثوم جاهليّ قديم وهو قاتل عمرو بن هند الملك . . وكان سبب ذلك أنّ عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه : هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمّه من خدمة أمّي قالوا : لا نعلمها إلا ليلى أم عمرو بن كلثوم قال : ولم ذلك قالوا : لأن أباها مهلهل بن ربيعة وعمّها كليب وائل أعز العرب وبعلها كلثوم بن مالك بن عتّاب أفرس العرب وابنها عمرو بن كلثوم سيّد من هو منه فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمّه أمّه .
فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب وأقبلت ليلى بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب ما بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا . ودخل عمروبن كلثوم على عمرو بن هند في رواقه ودخلت ليلى بنت مهلهل على هند قبّتها وهند أم عمرو بن هند عمّة امرئ القيس الشاعر وليلى بنت مهلهل أم عمرو بن كلثوم هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة أم امرئ القيس فدعا عمرو بن هند بمائدة فنصبها فأكلوا ثم دعا بالطرف . فقالت هند : يا ليلى ناوليني ذلك الطبق فقالت : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فأعادت عليها . فلما ألحّت صاحت ليلى : واذلاّه يا لتغلب فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه ونظر إلى
____________________

عمرو بن هند فعرف الشر في وجهه فقام إلى سيف لعمرو بن هند معلّق بالرواق وليس هناك سيف غيره فضرب به رأس عمرو بن هند حتى قتله ونادى في بني تغلب فانتهبوا جميع ما في الرواق واستاقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة . . . وابنه عتّاب بن عمرو بن كلثوم قاتل بشر بن عمرو بن عدس . وأخوه ( أبني كليب إن عمّيّ اللذا ** قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا ) والله أعلم .
وأنشد بعده وهو
الشاهد التاسع والثمانون بعد المائة ( كأنه خارجاً من جنب صفحته ** سفّود شرب نسوه عند مفتأد ) على أن خارجاً حال من الفاعل المعنويّ وهو الهاء . لأن المعنى يشبه خارجاً . وقد بيّنه الشارح المحقق .
وعامل الحال ما في كان من معنى الفعل قال أبو عليّ الفارسيّ في الإيضاح الشعري وقد أورد هذا البيت في باب الحروف التي تتضمن معنى الفعل : العامل في خارجاً ما في كأنّ من معنى الفعل . فإن قلت : لم لا يكون العامل ما في الكلام من معنى التشبيه دون ما ذكرت مما في كأنّ من معنى الفعل فالقول أن معنى التشبيه لا يمتنع انتصاب الحال عنه نحو : زيد كعمرو مقبلاً إلا أن إعمال
____________________

ذلك في البيت لا يستقيم لتقدم الحال وهي لا تتقدم على ما يعمل فيها من المعاني .
والهاء فيكانه عائدة على المدرى المراد به قرن الثور . والضمير في صفحته راجع إلى ضمران وهو اسم كلب . والسّفود خبر كأن بفتح السين وتشديد الفاء المضمومة وهي الحديدة التي يشوى بها الكباب . والشّرب بالفتح : جمع شارب . ونسوه أي : تركوه حتى نضج ما فيه . شبّه قرن الثور النافذ في الكلب بسفّود فيه شواء . والمفتأد بفتح الهمزة قبل الدال : المشتوى والمطبخ وهو محل الفأد بسكون الهمزة : اسم فاعل وهو الذي يعمل الملّة . والفئيد على فعيل : كل نار يشوى عليها .
وهذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني يمدح بهاالنعمان بن المنذر ويعتذر إليه فيها مما بلغه عنه . وقد بينّا سبب اعتذاره في ترجمته في الشاهد الرابع بعد المائة .
وهذه القصيدة أضافها أبو جعفر احمد بن محمد بن إسماعيل النحوي إلى المعلقات السبع لجودتها . وقد أورد الشارح المحقق في شرحه عدة أبيات منها .
وقبل هذا البيت : ( كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا ** بذي الجليل على مستانس وحد )
____________________

( من وحش وجرة موشي أكارعه ** طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد ) ( سرت عليه من الجوزاء سارية ** تزجي الشمال عليه جامد البرد ) ( فارتاع من صوت كلاّب فبات له ** طوع الشوامت من خوف ومن صرد ) ) ( فهاب ضمران منه حيث يوزعه ** طعن المعارك عند المجحر النجد ) ( شك الفريصة بالمدرى فأنفذها ** شك المبيطر إذ يشفي من العضد ) ( كأنه خارجاً من جنب صفحته ** سفّود شرب نسوه عند مفتأد ) ( فظلّ يعجم أعلى الرّوق منقبضاً ** في حالك اللون صدق غير ذي أود ) ( لما رأى واشق إقعاص صاحبه ** ولا سبيل إلى عقل ولا قود ) ( قالت له النفس : إني لاأرى طمعاً ** وغن مولاك لم يسلم ولم يصد ) ( فتلك تبلغني النعمان إن له ** فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد ) الرحل : الناقة . وزال النهار أي : انتصف وهو من الزوال . وبنا : الباء بمعنى على . والجليل : بضم الجيم : الثمام وهو موضع أي :
____________________

بموضع في هذا النبت . وهذا النبت لا تأكله الدواب .
والمستأنس : الناظر بعينيه . وروي : مستوجس : وهو الذي قد أوجس في نفسه الفزع فهو ينظر . والوحد بفتحتين : الوحيد المنفرد وهو صاحبها : وعلى بمعنى مع . وجملة وقد زال النهار الخ حال . وهذه الأمور مما يوجب الإسراع فإن المسافر في فلاة يجد يجد في السير بعد الزوال ليصل إلى منزل يجد فيه رفيقاً وعلفاً لدابته .
وقوله : من وحش شبه ناقته بثور وحشي موصوف بهذه الصفات الآتية . وخص وحش وجرة لأنها فلاة بين مران وذات عرق ستون ميلاً والوحش يكثر فيها ويقال : إنها قليلة الشرب فيها .
والموشي بفتح الميم : اسم مفعول من وشيت الثوب أشيه وشياً وشية أي : لونته ألواناً مختلفة .
وأراد به الثور الوحشي فإنه أبيض وفي أكارعه أي : قوائمه نقط سود وفي وجهه سفعة .
وموشي : بالجر صفة وحش وأكارعه : فاعله .
وطاوي المصير أي : ضامره والمصير المعى وجمعهخ مصران وجمع مصران مصارين .
وقوله : كسيف الصيقل أي : يلمع . والفرد بكسر الراء وفتحها وسكونها : الثور المنفرد إن أنثاه وكذلك الفارد والفريد .
وقوله : سرت عليه الخ والسارية : السحابة التي تأتي ليلاً . ومعنى سرت عليه الخ أي : مطر بنوء الجوزاء . وتزجى مصدره الإزجاء بالزاي والجيم وهو السوق . والشمال فاعله وهي ريح معروفة . وجامد البرد : مفعوله أي : ما صلب من البرد .
وقوله : فارتاع من صوت الخ أي : فزع الثور وخاف . والكلاب بالفتح : الصياد صاحب )
الكلاب . وله : أي : للكلاب . والفاء في قوله : فبات عاطفة . وطوع مرفوع ببات . والمعنى عند الأصمعي : فبات للكلاب ما أطاع شوامته من الخوف والصرد . وعند أبي عبيدة : فبات له ما يسر الشوامت . وروي طوع بالنصب فمرفوع بات ضمير الكلاب وله أي : لأجل الثور
____________________

والشوامت : القوائم جمع شامتة . أي : فبات قائماً بين خوف وصرد وهو مصدر صرد من باب فرح : إذا وجد البرد .
وقوله : فبثهن عليه الخ بث : فرق وفاعله ضمير الكلاب وضمير المؤنث المجموع للكلاب المفهومة من الكلاب وضمير عليه للثور وكذلك ضمير به . وأراد بصمع الكعوب قوائم الكلاب والصمع : الضوامر الخفية الواحدة صمعاء . والكعوب : جمع كعب وهو المفصل من العظام .
قال أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني : يعني بصمع الكعوب أن قوائمه لازقة محددة الأطراف ملس ليست بهزيلات . وأصل الصمع دقة الشيء ولطافته . وبريئات حال من الكعوب . والحرد بفتح المهملتين : أراد به العيب وأصله استرخاء عصب في يد البعير من شدة العقال وربما كان خلقة وإذا كان به نفض يديه وضرب بهما الأرض ضرباً شديداً .
وقوله : فهاب ضمران هو بضم الضاد المعجمة : اسم كلب . منه أي : من الثور . وروى الأصمعي وأبو عبيدة : فكان ضمران منه . ويوزعه : يغريه . في الصحاح : أوزعته بالشيء فأوزع به فهو موزع به أي : مغرى به . أي : كان الكلب من الثور حيث أمره الكلاب أن يكون . وطعن المعارك بالنصب أراد : يطعن طعناً مثل طعن المعارك . وروي : ضرب المعارك وهو مثله . والمعارك اسم فاعل بمعنى المقاتل . والمجحر : اسم مفعول من أجحرته بتقديم الجيم على المهملة أي : ألجأته إلى أن دخل جحره فانجحر . والنجد : يروى بفتح النون وضم الجيم بمعنى الشجاع من النجدة وهي الشجاعة يقال : نجد الرجل بالضم فهو وصف للمعارك .
وروي النجد بفتح النون وكسر الجيم وهو إما بمعنى الشجاع فإن الوصف من النجدة جاء بضم الجيم وكسرها وأما وصف من نجد الرجل من باب فرح أي : عرق من عمل أو كرب وشدة واسم العرق النجد بفتحتين ومنه قوله في هذه القصيدة : بعد الأين والنجد . وقد نجد ينجد بالبناء للمفعول نجداً
____________________

بفتحتين أي : كرب فهو منجود ونجيد أي : مكروب . وعلى هذا فهو وصف المجحر . وروي أيضاً النجد بفتحتين فهو على حذف مضاف أي : ذي النجد . )
وروى أبو عبيدة : حيث يوزعه طعن بالرفع وقال : رفع ضمران بكان وجعل الخبر في منه أي : كان الكلب من الثور كانه قطعة منه في قربه . وارتفع الطعن بيوزعه . وقال : سمعت يونس بن حبيب يجيب بهذا الجواب في هذا البيت .
وقوله : شك الفريصة الخ فاعل شك ضمير الثور . والفريصة : اللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد من الدابة وهي مقتل . وأراد بالمدرى قرن الثور أي : شك الثور بقرنه فريصة الكلب . وشكّ : منصوب على المصدر التشبيهي أي : شكّاً مثل شك المبيطر وهو البيطار . و يشفي : يداوي ليحصل الشفاء . و العضد بفتحتين : داء يأخذ الإبل في أعضادها فيبط تقول منه : عضد البعير من باب فرح .
وقوله : كأنه خارجاً الخ أي : كأن القرن في حال خروجه سفّود . ومثله قول أبي ذؤيب الهذلي : ( فكأنّ سفّودين لمّا يقترا ** عجلا له بشواء شرب ينزع ) أي : فكأن سفودين لم يقترا بشواء شرب ينزع أي : هما جديدان . شبّه قرنيه بالسفّودين .
وقوله : عجلا له أي : للثور بالطعن الواقع بالكلاب .
وقوله : فظلّ يعجم الخ عجمه يعجمه : إذا مضغه . والرّوق بالفتح : القرن . و الحالك : الشديد السواد . والصدق بالفتح هو الصلب بالضم . والأود بفتحتين : العوج أي : ظلّ الكلب يمضغ أعلى القرن لمّا خرج من جنبيه في حالك يعني القرن في شدّة سواده . أي : تقبّض واجتمع في القرن لما يجد من الوجع كما تقول : صلّى في ثيابه .
____________________


قال ابن قتيبة في أبيات المعاني وقد شرح أبياتاً خمسة إلى هنا : من عادة الشعراء إذا كان الشعر مديحاً وقال : كأن ناقتي بقرة أو ثور أن تكون الكلاب هي المقتولة . فإذا كان الشعر موعظة ومرثية أن تكون الكلاب هي التي تقتل الثور والبقرة : ليس على أن ذلك حكاية قصة بعينها .
وقوله : لمّا راى واشق إقعاص الخ واشق : اسم كلب . والإقعاص : الموت السريع يقال : رماه فأقعصه : إذا قتله وأصله من القعاص بالضم وهو داء يأخذ الغنم فتموت سريعاً . والعقل : إعطاء الدية . يقول : قتل صاحبه فلم يعقل به ولم يقد به .
وقوله : قالت لهالنفس الخ هذا تمثيل أي : حدثته نفسه بهذا أي باليأس منه . والمولى : الناصر والصاحب وهو هنا الكلب . لم يسلم من الموت ولم يصد الثور . وقيل : المولى صاحب الكلاب )
لم يسلم من الضرر لأن كلبه قتل . وقوله : فتلك تبلغني النعمان الخ أي : تلك الناقة التي تشبه هذا الثور تبلغني النعمان . وقوله : في الأدنى الخ البعد بفتحتين قيل : إنه مصدر ويستوي فيه لفظ الواحد والجمع والمذكر والمؤنث وقيل : إنه جمع باعد مثل خادم وخدم وعلى هذا اقتصر صاحب الصحاح وأنشد البيت أي : في القريب والبعيد . وروى ابن الأعرابيّ وفي البعد بضمتين وهو جمع بعيد . وروى أبو زيد وفي البعد بضم ففتح وهو جمع بعدى مثل دنىً جمع دنيا وسفل جمع سفلى .
وقد لخّصت شرح هذه الأبيات مع إيضاح وزيادات من شرح ديوان النابغة ومن شرح القصيدة للخطيب التبريزي ومن أبيات المعاني لابن قتيبة . ولله الحمد .
وأنشد بعده وهو وهو من شواهد س :
____________________

( فأرسلها العراك ولم يذدها ** ولم يشفق على نغص الدّخال ) على أن المصدر المعرف باللام قد يقع حالاً كما في البيت : فإن العراك مصدر عارك يعارك معاركة وعراكاً يقال : أورد إبله العراك : إذا أوردها جميعاً الماء كما في قولهم : اعترك القوم أي : ازدحموا في المعركة .
وفيه مذاهب : الأول مذهب سيبويه : أنه مصدر وقع حالاً . الثاني : مذهب أبي علىّ الفارسيّ . وبينهما الشارح المحقق . الثالث : مذهب ابن الطراوة وهو أن العراك نعت مصدر محذوف وليس بحال أي : فأرسلها الإرسال العراك .
وزعم ثعلب أن الرواية : وأوردها العراك وأن العراك مفعول قان لأوردها . وأما قولهم : أرسلها العراك فهو عند الكوفيين مضمّن أرسلها معنى أوردها فهو مفعول ثان لأوردها . والإرسال : بمعنى التخلية والإطلاق وفاعله ضمير الحمار وضمير المؤنث لأتنه وهي جمع أتانة . والذّود : الطرد . ولم يشفق أي : الحمار من أشفق عليه : إذا رحمه . والنغص بفتح النون والغين المعجمة وإهمال الصاد مصدر في الصحاح : نغص الرجل بالكسر ينغص نغصاً : إذا لم يتم مراده وكذلك البعير : إذا لم يتمّ شربه . وأنشد هذا البيت .
وروي : نغض بالضاد المعجمة أيضاً لكنه بسكون الغين وهو التحرك وإمالة الرأس نحو الشيء يريد : أنها تميل أعناقها إلى الماء بشدة وتعب . قال السيرافي : يريد أن بعضها يزحم بعضاً حتى لا )
يقدر أن يتحرك لشدة الازدحام فهو واقف مزحوم لا يقدر أن يشرب ولا يتمكن من الحركة .
والدّخال بكسر الدال : أن يداخل بعير قد شرب مرة في الإبل التي لم تشرب حتى يشرب معها إذا كان كريماً أو شديد العطش أو ضعيفاً .
وقال الأعلم : الدخال : ان يدخل القويّ بين ضعيفين أو الضعيف بين قويين فيتنغص عليه شربه .
____________________


وهذا البيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي وصف به حمر وحش تعدو إلى الماء . يقول : أورد العير أتنه الماء دفعة واحدة مزدحمة ولم يشفق على بعضها أن يتنغص عند الشرب ولم يذدها لأنه يخاف الصيّاد . بخلاف الرّعاء الذين يدبّرون أمر الإبل فإنهم إذا أوردوا الإبل جعلوها قطعاً قطعاً حتى تروي . وقبله : ( رفعن سرادقاً في يوم ريح ** يصفّق بين ميل واعتدال ) أراد بالسرادق : الغبار . ويصفق يردّد تارة مائلاً وتارة مستوياً . والنون ضمير الأتن . ورأيت في ديوانه : فأوردها العراك . وفاعله ضمير العير . وهذهالقصيدة مطلعها : ( ألم تلمم على الدّمن الخوالي ** لسلمى بالمذانب فالقفال ) وأنشد بعده وهو
الشاهد الحادي والتسعون بعد المائة هو من شواهد سيبويه : جاؤوا قضّهم بقضيضهم هذا مأخوذ من بيت أورده سيبويه . ( أتتني سليم قضّها بقضيضها ** تمسّح حولي بالبقيع سبالها ) أنشده على أن قضهم مصدر وقع حالاً . وبينه الشارح المحقق بما لا مزيد عليه . وقال الأعلم : معنى قضّها بقضيضها : منقضّاً آخرهم على أولهم وأصل القضّ
____________________

الكسر وقد استعمل الكسر موضع الانقضاض كقولهم : عقاب كاسرة أي : منقضة انتهى .
والكسر : الوقوع على الشيء بسرعة .
وهذا البيت للشماخ . وبعده : ( يقولون لي : يا احلف ولست بحالف ** أخادعهم عنها لكيما أنالها ) ( ففرجت غم النفس عني بحلفة ** كما قدت الشقراء عنها جلالها ) فقوله : أتتني سليم بالتصغير وروي بدله تميم وهما قبيلتان . والسبال : جمع سبلة وهي مقدم اللحية . أراد أنهم يمسحون لحاهم وهم يتهددونه ويتوعدونه . وقال الأعلم : يمسحون لحاهم تأهباً للكلام . والبقيع : موضع بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقوله : يقولون لي احلف أي : يا رجل احلف أو يا للتنبيه . وقوله : أخادعهم عنها أي : عن الحلفة التي طالبوني أن أحلف بها فأقول لهم لا أحلف وأظهر أن الحلف يشق علي حتى يلحوا في استحلافي فإذا استحلفوني انقطعت الخصومة بيننا . وقوله : لكيما أنالها أي : أنال الحلفة واليمين . ومثله قول بعضهم : ( سألوني اليمين فارتعت منها ** ليغروا بذلك الإنخداع ) ( ثم أرسلتها كمنحدر السي ** ل تعالى من المكان اليفاع ) ومثله لابن الرومي :
____________________

( وإني لذو حليف كاذب ** إذا ما اضطررت وفي الحال ضيق ) ( وهل من جناح على مسلم ** يدافع بالله ما لا يطيق ) إسلام وقد بمعنى شق وقطع طولاً . يريد : كشفت هذا الغم عني باليمين الكاذبة كما كشفت الشقراء )
ظهرها بسق جلها عنه .
وسبب هذه الأبيات على ما روى محمد بن سلام قال : كانت عند الشماخ امرأة من بني سليم إحدى بني حرام بن سمال فنازعته وادعت عليه طلاقاً فحضر معها قومها فأعانوها . فاختصموا إلى كثير بن الصلت وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه قد أقعده للنظر بين الناس فرأى كثير أن لهم عليه يميناً فالتوى الشماخ باليمين يحرضهم عليها ثم حلف . وقال هذه الأبيات .
وعن القاسم بن معن قال : كان للشماخ امرأة من بني سليم فأساء إليها وضربها وكسر يدها ثم لما دخل المدينة في بعض حوائجه تعلقت به بنو سليم يطلبون بظلامة صاحبتهم فأنكر فقالوا له : احلف فجعل يغلظ أمر اليمين وشدتها عليه ليرضوا بها منه حتى رضوا . فحلف وقال : ( ألا أصبحت عرسي من البيت جامحاً ** بخير بلاء أي أمر بدا لها ) ( على خيرة كانت أم العرس جامح ** فكيف وقد سقنا إلى الحي مالها ) ( سترجع غضبي نزرة الحظ عندنا ** كما قطعت عنا بليل وصالها ) أتتني سليم قضها بقضيضها وقيل : سببها أنه هجا قوماً فاستحلفوه فحلف وتخلص منهم .
والشماخ اسمه معقل بن ضرار الغطفاني . وهو مخضرم : أدرك الجاهلية والإسلام . وله صحبة .
وجعله الجمحي في الطبقة الثالثة من شعراء الإسلام
____________________

وقرنه بالنابغة الجعدي ولبيد وأبو ذؤيب الهذلي . وقال : إنه كان شديد متون الشعر وأشد كلاماً من لبيد وفيه كزازة ولبيد أسهل منه منطقاً .
وقال الحطيئة في وصيته : أبلغوا الشماخ أنه أشعر غطفان . وهو أوصف الناس للحمير يروى أن الوليد بن عبد الملك أنشد شيئاً من شعره في وصف الحمير فقال : ما أوصفه لها إني لأحسب أن أحد أبويه كان حماراً وكان الشماخ يهجو قومه وضيفه ويمن عليهم بقراه . وهو أوصف الناس للقوس وأرجز الناس على البديهة وشهد الشماخ وقعة القادسية . قال المرزباني : وتوفي في غزوة موقان في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه .
قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء : أم الشماخ من ولد الخرشب وفاطمة بنت الخرشب أم ربيع )
بن زياد وإخوته العبسيين الذين يقال لهم : الكملة .
وأنشد بعده وهو الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة قول المتنبي : وقبّلتني على خوف فماً لفم وهذا البيت من قصيدة قالها في صباه مطلعها :
____________________

( ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ** والسيف أحسن فعلاً منه باللمم ) ( ابعد بعدت بياضاً لا بياض له ** لأنت أسود في عيني من الظلم ) ( بحب قاتلتي والشيب تغذيتي : ** هواي طفلاً وشيبي بالغ الحلم ) ( فما أمرّ برسم لا أسائله ** ولا بذات خمار لا تريق دمي ) ( تنفّست عن وفاء غير منصدع ** يوم الرحيل وشعب غير ملتئم ) ( قبّلتها ودموعي مزج أدمعها ** وقبّلتني على خوف فماً لفم ) ( فذقت ماء حياة من مقبّلها ** او صاب ترباً لأحيا سالف الأمم ) قوله : ضيف ألمّ برأسي الخ عنى بالضيف الشيب . والمحتشم : المنقبض المستحي . يريد : أن الشيب ظهر في رأسه دفعة من غير أن يظهر في تراخ . وهذا معنى قوله : غير محتشم . ثم فضل فعل السيف بالشعر على فعل الشيب به لأن الشيب أقبح ألوان الشعر . وهذا مأخوذ من قول البحتريّ : ( وددت بياض السيفيوم لقينني ** مكان بياض الشيب منه بمفرقي ) وقوله : ابعد بعدت بياضاً الخ دعاء على الشيب . وبعد يبعد من باب فرح : إذا هلك وذلّ .
والبياض الأول : الشيب والثاني : الرونق والحسن . وأسود نا : واحد السود . والظلم : الليالي الثلاث في آخر الشهر . يقول لبياض شيبه : أنت عندي واحد من تلك الظلم . كقول أبي تمام فيه : ( له منظر في العين أبيض ناصع ** ولكنه في القلب أسود أسفع ) وقيل : أسود أفعل تفضيل جاء على مذهب الكوفيين . وهذا من أبيات مغني اللبيب .
وقوله : بحب قاتلتي الخ عنى بقاتلته حبيبته . يعني : أن حبها بقتله . والباء من صلة التغذية .
يقول : تغذيت بهذين : الحب والشيب . ثم فسر ذلك بما بعده . يقول : هويت وأنا طفل وشبت )
حين احتلمت لشدة ما قاسيت من الهوى : فصار غذائي . فقوله : هواي مبتدأ وطفلاً حال سدّ مسدّ الخبر ومثله ما بعده . وقد فصّل بهذا ماأجمله أولاً لأنه بيّن وقت العشق ووقت الشيب .
____________________


وقوله : فما امرّ برسم الخ الرسم من أثر الدار : ما كان ملاصقاً بالأرض .
والطلل : ما كان شاخصاً . يقول : كل رسم يذطّرني رسم دارها فاسأله تسلّياً وكل ذات خمار تذكرنيها فتريق دمي وقوله : تنفست عن وفاء الخ يقول : تنفست يوم الوداع تحسّراً على يوم فراقي عن وفاء يعني عما في قلبها من وفاء صحيح غير منشق . ويريد : بالشعب : الفراق من قولهم : شعبته : إذا فرقته . والمعنى : وعن حزن شعب . فحذف المضاف .
وقوله : قبّلتها ودموعي الخ أي : بكينا جميعاً حتى امتزجت دموعي بدموعها في حال التقبيل .
والمزج : المزاج مصدر سمّي به الفاعل . يقول : دموعي مازجت دموعها . ونصب فماً على الحال .
قال أبو حيان في الارتشاف : قال الفرّاء : أكثر كلام العرب كلّمته فاه إلى فيّ بالنصب والرفع صحيح وفيما أشبه هذا نحو : حاذيته ركبته إلى ركبتي والأكثر فيه بالرفع . وإذا كان نكرة فالنصب المؤثر المختار نحو : كلّمته فماً لفم وحاذيته ركبةً لركبة . ورفعه وهو نكرة جائز على ضعف إذا جعلت اللام خبراً لفم وإن وضعت الواو موضع الصفة فقلت : كلّمته فوه وفيّ .
وحاذيته ركبته وركبتي فالواو تعمل ما تعمل إلى والنصب معها سائغ على غعمال المضمر اه .
كلام الفرّاء .
قال أبو حيان ويعني بقوله : والنصب معها أي : مع الواو في الثاني . سائغ على إعمال المضمر يعني جاعلاً أي : جاعلاً فاه وجاعلاً ركبته . ويقتصر في هذا على مورد السماع . ولو قدّمت حرف الجرّ فقلت : كلمني عبد الله إلى فيّ فوه لم يجز النصب بإجماع من الكوفيين وتقتضيه قاعدة قول سيبويه في أنه لا يجوز : إلى فيّ تبيين كلك بعد سقياً لك وتقديم لك على سقياً لا يجوز فينبغي أن لا يجوز هذا . فلو قدّمت فاه إلى فيّ على كلمته فقلت : فاه إلى فيّ كلمت
____________________

فلو قلت : فوه إلى فيّ كلمني عبد الله لم يجز ذلك عند أحد من الكوفيين ولا أحفظ نصاً عن البصريين والقياس يقتضي الجواز اه .
وقوله : فذقت ماء حياة الخ جعل ريقها ماء الحياة على معنى ان العاشق إذا ذاقه حيي به . )
ومعنى لو أصاب ترباً لو نزل على تراب : من قولهم : صاب المطر يصوب صوباً بمعنى أصاب .
يقول : لو وقع ريقها على الأرض لحيا الموتى من الأمم المتقدمة . وأول هذا المعنى للأعشى : ( لو أسندت ميتاً إلى نحرها ** عاش ولم ينقل إلى قابر ) فنقل أبو الطيب الإحياء إلى ريقها .
وما شرحت به هذه الأبيات فهو من شرح الإمام الواحديّ لخصته منه باختصار : وترجمة المتنبي تقدمت في البيت الحادي والأربعين بعد المائة .
وأنشد بعده : ( ولقد أمرّ على اللئيم يسبذني ** فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني ) على أن اللام في اللئيم زائدة . قد تقدم الكلام على هذا البيت في الشاهد الخامس والخمسين .
____________________


وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة على أن أسد العرين واء النجف حالان غما على تقدير مثل وإما على تأويلهما بوصف أي : شجعاناً وضعافاً . وهذا ظاهر .
وهذا البيت آخر أبيات أربعة لأحد أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهي : ( أيمنعنا القوم ماء الفرات ** وفينا السيوف وفينا الحجف ) ( وفينا عليّ له صولة ** إذا خوّفوه الردى لم يخف ) ( ونحن الذين غداة الزبير ** وطلحة خضنا غمار التلف ) فما بالنا أمس أسد العرين ومنشؤها على ما ذكر في كتاب الفتوح وكتاب الروضة للحجوريّ : أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لما نزل يصفين وصفّين مدينة عتيقة من بناء الأعاجم على شاطئ الفرات بالقرب من قنّسرين فسبقه معاوية إلى الفرات ومنع علياً وأصحابه من الماء فأرسل عليّ رضي الله عنه إلى معاوية الأشعث بن قيس وصعصعة بن صوحان وقال : اذهبا إلى معاوية وقولا له : خيلك حالت بيننا وبين الماء ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار فأبلغاه الرسالة وجرى بينهم كلام : فقال الأشعث : إنك إن تمنعنا بالماء تر منّا ما لا تريد فخلّ عن الماء قبل أن تغلب عليه وقال ابن صوحان : إنا لا نموت عطشاً وسيوفنا على عواتقنا فاستشار معاوية أصحابه )
فقال له الوليد بن عتبة وهو اخو عثمان من امه : امنعهم كما منعوه عثمان فقال عمروب ن العاص : ما أظنّ علياً يظمأ وفي يده أعنّة
____________________

الخيل وهو ينظر إلى الفرات فخلّ عنه وعن الماء .
وقال ابن أبي سرح : أمنعهم الماء منعهم الله إياه فقال ابن صوحان : غنما منعه الله الفجرة مثلك ومثل هذا الفاسق : الوليد . وبقي أصحاب عليّ يومهم وليلتهم عطاشاً . فسمع عليّ رضي الله عنه صبياً ينشد : أيمنعنا القوم ماء الفرات ورجع الأشعث فقال : أيمنعنا القوم وأنت فينا خلّ عني وعنهم غداً قال عليّ : ذلك إليك .
فنادى مناد له : من كان يريد الماء والموت فميعاده الصبح فأصبح على باب مضربه أربعة عشر ألفاً وسار القوم وكلّ يرتجز برجزه ثم قال الأشعث : تقدّموا فلما أشرفوا على الماء قال لأصحاب معاوية : خلّوا عن الماء وإلا وردناه فقال أبو الأعور السلمي : لا والله حتى تأخذنا السيوف وإياكم فقال : الأشعث للأشتر : أقحم الخيل فأقحمها حتى غمست سنابكها في الماء وأخذ القوم السيوف فولّوا عن الماء . اه .
فقوله : وفينا السيوف وفينا الحجف هو جمع حجفة بفتح الحاء المهملة والجيم يقال : للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب : حجفة ودرقة كذا في العباب . وقال ابن دريد في الجمهرة : هي جلود من جلود الإبل يطارق بعضها على بعض ويجعل منها الترسة . وقوله : ونحن الذين غداة الزبير يشير به إلى وقعة الجمل . والغمار : جمع غمرة بالفتح وهي الشدة . وقوله : أسسد العرين هو بفتح العين المهملة .
في الصحاح : العرين والعرينة : مأوى الأسد الذي يألفه يقال : ليث عرينة وليث غابة . وأصل العرين جماعة الشجر . وقوله : شار النجف الشاء : جمع شاة في الصحاح : الشاة من الغنم تذكر وتؤنث والجمع شياه بالهاء في أدنى العدد تقول : ثلاث شياه إلى العشرة فإذا حاوزت فبالتاء فإذا كثرت قيل هذه شاء كثيرة . زجمع الشاء شويّ . والنجف بفتح النون والجيم قال ابن الأعرابي : هو الحلب الجيد حتى ينفض الضرع يقال : انتجفت
____________________

الغنم : إذا استخرجت أقصى ما في الضرع من اللبن وانتجفت الريح السحاب : إذا استفرغته وانتجاف الشيء : استخراجه وكذلك استنجافه . والنجف والنجفة أيضاً : مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد والجمع نجاف .
وقال ابن الأعرابي : النجفة المسنّاة والنجف : التل . وقال الأزهري : النجفة التي هي بظاهر )
الكوفة هي المسناة تمنع ماء السيل أن يعلو منازل الكوفة ومقابرها وفيه مرقد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه . قال إسحاق بن إبراهيم الموصلّي يمدح النجف : ( ما إن أرى الناس في سهل وفي جبل ** أصفى هواء ولا أعذى من النجف ) والبال هنا بمعنى الشأن والحال وهو العامل في أمس وفي الحال لكونه بمعنى الفعل . قال التفتازاني عندما قال الزمخشري في سورة آل عمران : ما باله وهو آمن قوله : وهو آمن حال من عامله ما في بال من معنى الفعل ولم نجد في الاستعمال هذه الحال بالواو قال : ما بال عينك منها الماء ينسكب واعلم ان مجيء الحال بعدما بال أكثريّ وقد يأتي بدونها كقوله تعالى : فما بال القرون الأولى .
وقد وردت الحال بعده على وجوه : منها مفردة كبيت الشاهد كقوله :
____________________

( فما بال النجوم معلّقات ** بقلب الصّبّ ليس لها براح ) ومنها ماضيّة مقرونة بقد كقول العامري : ( ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا ** من حبّ من لا ترى في نيله طمعا ) وبالواو معها كقوله : ( ما بال جهلك بعد الحلم والدين ** وقد علاك مشيب حين لا حين ) وبدون قد كقوله أيضاً : ( فما بال قلبي هدّه الشوق والهوى ** وهذا قميصي من جوى الحزن باليا ) ومضارعية مثبتة كقول أبي العتاهيّة : وبالواو كقوله :
____________________

( فما بال من أسعى لأجبر عظمه ** حفاظاً وينوي من سفاهته كسري ) ومنفيّة كما أنشده ابن الأعرابي : وقائلة ما باله لا يزورها ومنها اسميّة غير مقترنة بواو كقول ذي الرمّة : ما بال عينك منها الماء ينسكب وأنشد بعده وهو
الشاهد الرابع والتسعون بعد المائة وهو من شواهد س : وما حلّ سعديّ غريباً ببلدة على انه يجوز تنكير صاحب الحال إذا سبقه نفي : فإن غريباً حال من سعديّ وهو نكرة .
وجاز لأنه قد تخصص بالنفي . وببلدة متعلق بقوله جلّ أي : نزل وأقام .
وهذا صدر وعجزه : فينسب إلا الزّبرقان له أب قال أبو عليّ الفارسيّ في التذكرة القصرية : قيل : نصب الشاعر غريباً على الحال في قوله فينسب كأنّ قال : وما حلّ سعديّ ببلدة فينسب إلى الغربة . وهذا لا يجوز : أعني نصب غريباً بينسب لتقدّمه عليه لأن تقديم الصلة على الموصول لا يجوز والفرار مما لا يجوز إلى ما لا يجوز مرفوض . ولكنه حال من النكرة . فاعلم ذلك . اه .
وروي أيضاً : وما حلّ سعديّ غريب بالرفع فعلى هذا هو وصف لسعديّ . استشهد به سيبويه على نصب ينسب بعد الفاء عبى الجواب مع دخول
____________________

إلا بعده للإيجاب لأنها عرضت بعد اتصال الجواب بالنفي ونصبه على ما يجب له . . ويجوز الرفع أيضاً .
وأورده الشارح المحقق في نواصب الفعل المضارع أيضاً على أن النفي راجع إلى ينسب أي : يحلّ ولا ينسب قال : ولولا أنّ ما بعد الفاء منفيّ لما جاز الاستثناء إذ المفرغ لا يكون في الواجب إذ التقدير ما نسب ذلك السعدي إلى أحد إلا إلى الزبرقان . فالزبرقان منصوب بنزع الخافض وهو إلى وجملة له أب حال من الزبرقان أي : في حال كون الزبرقان أباً لذلك السعدي .
والزبرقان سيّد قومه وأشهرهم فإذا تغرّب رجل من بني سعد وهم رهط الزبرقان فسئل عن نسبه ينتسب إليه لشرفه وشهرته .
والزبرقان من الصحابة وهو حصين بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم . قال ابن عبد البرّ في الاستيعاب : وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه وكان أحد ساداتهم فأسلموا . وذلك في سنة تسع . فولاّه صدقات قومه . وأقرّه أبو بكر وعمر على ذلك . وإنما سمّي الزبرقان لحسنه شبّه بالقمر لأن القمر يقال له : الزبرقان . قال الأصمعي : الزبرقان : القمر والزبرقان : الرجل الخفيف اللحية . وقد قيل : إن )
اسم الزبرقان القمر ابن بدر . والأكثر على أنه الحصين بن بدر . وقيل : بل سمّي الزبرقان لأنه لبس عمامة مزبرقة بالزعفران . والله أعلم ا . هـ .
ة هذا البيت من قصيدة للّعين المنقريّ . واسمه منازل بن زمعه . وكنيته أبو أكيدر مصّغر أكدر من بني منقر بكسر الميم وفتح القاف وهو منقر بن عبيد
____________________

بالتصغير ابن مقاعس وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
واللّعين شاعر إسلامي في الدولة الأموية قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء والمبرّد في الاعتنان واللفظ له قال راوياً عن أبي عبيدة : اعترض لعين بني منقر لجرير والفرزدق فقال : ( سأقضي بين كلب بني كليب ** وبين القين قين بني عقال ) ( بأن الكلب مرتعه وخيم ** وأن القين يعمل في سفال ) فلم يجبه أحد منهما فقال : ( فدونكما انظرا : أهجوت أم لا ** فذوقا في المواطن من نبالي ) ( وما كان الفرزدق غير قين ** لئيم خاله للّؤم تالي ) ( ويترك جدّه الخطفى جرير ** ويندب حاجباً وبني عقال ) فلم يلتفتا إليه فسقط اه .
قوله : فما بقيا عليّ الخ البقيا بالضم : الرحمة والشفقة . وصرد السهم من باب فرح من الأضداد إذا نفذ وإذا نكل . فيكون المعنى على النفوذ إنكما خفتما نفوذ سهامي فيكما أي : هجائي . وعلى معنى النكول أي : خفتما أن لا تنفذ سهامكما فيّ فعجزتما عني .
وقد تمثل بهذا البيت هارون الرشيد لما أراد قتل جعفر بن يحيى البرمكي . قال ابن قتيبة : وكان اللعين هجّاء للأضياف قال :
____________________

( وأبغض الضيف ما بي جلّ مأكله ** إلا تنفّجه عندي إذا قعدا ) ( ما زال ينفج كتفيه وحبوته ** حتى أقول : لعلّ الضيف قد ولدا ) ووجه تلقيب اللعين بهذا على ما رواه صاحب زهر الآداب قال : سمعه عمر بن الخطاب ينشد شعراً والناس يصلّون فقال : من هذا اللعين فعلق به هذا الاسم .
وأنشد بعده وهو لميّة موحشاً طلل قديم )
على أنهم استشهدوا به لتقدم الحال على صاحبها المنكّر . وفيه ما بيّنه الشارح المحقق . قال ابن الحاجب في أماليه على أبيات المفصّل : يجوز أن يكون موحشاً حالاً من الضمير في لميّة فجعل الحال من المعرفة أولى من جعلها من النكرة متقدمة عليها لأن هذا هو الكثير الشائع وذلك قليل فكان أولى .
وممن استشهد بهذا البيت على ما ذكره الشارح ابن جني في شرح الحماسة عند قوله :
____________________

( وهلاّ أعدّوني لمثلي تفاقدوا ** وفي الأرض مبثوثاً شجاع وعقرب ) قال : من نصب مبثوثاً فلأنّه وصف نكرة قدّم عليها فنصب على الحال منها كقوله : لعزّة موحشاً طلل قديم ومنهم صاحب الكشاف أورده عند قوله تعالى : وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً على انّ فجاجاً كان وصفاً لقوله سبلاً فلما تقدم صار حالاً منه .
ومنهم الخبيصيّ في شرحه للكافية الحاجبية قال : قدّم الحال وهو موحشاً على ذي الحال وهو طلل لئلا يلتبس بالصفة . . قال شارح شواهد الكرماني : هذا لا يصلح لمطلوبه من وجوه : الأول أنه محتمل غير منصوص إذ لا نسلّم أنه حال من طلل لجواز كونه حالاً من ضمير الظرف الثاني : أنه لو تأخر عن ذي الحال لا يلتبس بالصفة لأن ذا الحال مرفوع والحال منصوب .
الثالث : أنه لا يجوز أن يكون حالاً من كلل لأنه مبتدأ والحال لا تكون إلا من الفاعل أو المفعول أو ما في قوتهما اه .
وفي كل من الأخيرين نظر ظاهر .
وقد تكلم السخاوي على هذا البيت في سفر السعادة بما يشبه كلام الشارح
____________________

إلا أن فيه زيادة تتعلق بمذهب الأخفش . وهذا ملخّصه : قال النحاة : انتصب موحشاً على الحال من طلل والعامل الجارّوالمجرور . وهذا كلام في نظر لأن الجارّ والمجرور إما أن يقال فيه ما قال سيبويه أو ما قال الأخفش وبين مذهب سيبويه وما يرد عليه من اختلاف العامل في الحال وذيها ثم قال : وإن قلنا بقول الأخفش فارتفاع طلل على أنه فاعل والرافع له الجارّ والمجرور ولا مرية على قول الأخفش أن العامل في الحال هو العامل في ذيها . فإذا كان العامل غير متصرّف لم تتقدم الحال عليه ولا على صاحب الحال ألا ترى أنه لا يجوز هذا قائماً زيد . ولا قائماً هذا زيد .
والذي ينبغي أن يقال : العامل في الحال الجارّ والمجرور وصاحب الحال الضمير الذي في الجارّ )
والمجرور اه .
وبعد هذا : والطلل : ما شخص من آثار الدار . والموحش : من أوحش المنزل : إذا ذهب عنه الناس وصار ذا وحشة وهي الخلوة والهمّ كذا في الصحاح . وعفاه بمعنى درسه وغيّره . وعفا يأتي متعدّياً يقال : عفت الريح المنزل ويأتي
____________________

لازماً يقال عفا المنزل : إذا اندرس وتغيّر . والأسحم : هو الأسود والمراد هنا السحاب لأنه إذا كان ذا ماء يرى أسود لامتلائه . و المستديم : صفة كلّ وهو السحاب الممطر مطر الديمة والديمة : مطرة أقلها ثلث النهار أو ثلث الليل .
وهذا البيت من روى أوّله لعزة موحشاً الخ قال : هو لكثير عزة منهم أبو علي في التذكرة القصرية .
ومن رواه لميّة موحشاً قال : إنه لذي الرّمة فإن عزة اسم محبوبة كثيّر وميّة اسم محبوبة ذي الرمة . والشاهد المشهور في هذا المعنى هو : ( لميّة موحشاً طلل ** يلوح كأنه خلل ) وقد قيل : إنه لكثير عزّة . والخلل بالكسر : جمع خلة قال الجوهري : الخلّة بالكسر : واحدة خلل السيوف وهي بطائن يغشّى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره .
وأنشد بعده وهو
الشاهد السادس والتسعون بعد المائة على أن الحال تقدّمت على صاحبها المجرور بالحرف : فإن قوله : حرّان صادياً حالان إما مترادفان أو متداخلتان تقدمتا على صاحبهما وهو الياء المجرور بإلي . وإليّ : بمعنى عند متعلقة بقوله حبيباً وهو خبر كان .
قال ابن جنّي في إعراب الحماسة : وقد يجوز في هذا عندي وجه آخر لطيف المعنى وهو أن يكون حرّان صادياً حالاً من الماء أي : كان برد الماء في حال حرّته وصداه حبيباً إليّ وصف الماء بذلك مبالغة في الوصف وجاء بذلك شاعرنا
____________________

فقال : وجبت هجيراً يترك الماء صادياً وإذا صدي فحسبك به عطشاً فإن أمكن هذا كان حمله عليه جائزاً حسناً ورأيت أبا عليّ يستسهل تقديم حال المجرور فينحو هذا عليه ويقول : هو قريب من حال المنصوب اه .
أقول : أراد بشاعره أي : بشاعر عصره أبا الطيّب المتنبي . الوجه الذي أبداه تخيّل صحيح فإن الإنسان يحب أن يكون الماء بارداً في جال كونه حاراً . ولكن الوجه الأول أحسن وأبلغ فإن الماء البارد أحب إلى الإنسان عند عطشه وحرارته من كل شيء . وهذا المعنى هو المتداول الشائع قال المبرّد في الكامل : هو معنى صحيح وقد اعتوره الحكماء وكلهم أجاد فيه .
ومثل بيت الشاهد قول عمر بن ابي ربيعة : فإن قوله : إذا ما منعت برد الشراب يفيد ما أفاده قوله : إليّ حران صادياً فإنه يريد عند وقت الحاجة إليه وبذلك صح المعنى .
ومثله قول القطاميّ : ( فهنّ ينبذن من قول يصبن به ** مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي ) ينبذن : يرمين به ويتكلمن . والغلّة بالضم : حرارة العطش .
ويروى عن علي رضي الله عنه أن سائلاً سأله فقال : كيف كان حبّكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان والله أحبّ إلينا من أموالنا واولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ .
____________________


والقول فيه كثير . وتعليق كونها حبيبة إليه على كون الماء حبيباً إليه في تلك الحالة من باب التعليق على المحقق . وقد تعسف بعضهم في جعل البرد مصدراً ناصباً لحرّان وصادياً على )
المفعولية بتقدير الموصوف أي : جوفاً حرّان وأنّ المراد جوف نفسه . وذلك هرباً من وقوع الحال في مثل هذه الصورة . حتى إن بعضهم مع عدم التأويل يقول : لا حجة فيه لأن الشعر محلّ الضرورة .
وقوله : لئن كان اللام هي اللام المؤذنة وهي الداخلة على أداه شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبنيّ على قسم قبلها لا على الشرط . وتسمى الموطئة أيضاً لأنها وطأت الجواب للقسم أي : مهدته له سواء كان القسم غير مذكور كقوله تعالى : لئن أخرجوا لا يخرجون أم كان مذكوراً قبلها كما هنا فإن قبل هذا البيت قوله : ( حلفت بربّ الراكعين لربّهم ** خشوعاً وفوق الراكعين رقيب ) فجملة إنها لحبيب جواب القسم المذكور وهو حلفت . وقد أخطأ من قال : إن هذه الجملة جواب الشرط . مع أن هذا القائل نقل ضابطة اللام الموطئة عن مغني اللبيب . وضمير إنها لعفراء بنت عم عروة بن حزام والبيتان له من قصيدة أوّلها : ( وإني لتعروني لذكراك روعة ** لها بين جلدي والعظام دبيب ) ( وما هو إلا ان أراها فجاءة ** فأبهت حتى ما أكاد أجيب ) ( وأصرف عن رأيي الذي كنت أرتئي ** وأنسى الذي أعددت حين تغيب ) ( ويضمر قلبي عذرها ويعينها ** عليه فما لي في الفؤاد نصيب ) ( وقد علمت نفسي مكان شفائها ** قريباً وهل ما لا ينال قريب ) حلفت بربّ الراكعين لربهم . . . البيتين ( وقلت لعرّاف اليمامة : داوني ** فإنك إن أبرأتني لطبيب ) ( عشية لا عفراء دان مزارها ** فترجى ولا عفراء منك قريب )
____________________

( فلست براءي الشمس إلا ذكرتها ** ولا البدر إلا قلت سوف تؤوب ) ( عشية لا خلفي مفرّ ولا الهوى ** قريب ولا وجدي كوجد غريب ) ( فوا كبداً أمست رفاتاً كأنما ** يلذّعها بالكفّ كفّ طبيب ) وفي البيتين الأخيرين إقواء .
وعروة بن حزام هو من عذرة أحد عشاق العرب المشهورين بذلك إسلاميّ : كان في مدة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه . )
قال أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيديّ في روايته ديوان عروة بن حزام عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن لقيط بن بكير المحاربيّ قال : كان من حديث عروة بن حزام وابنة عمّه عفراء ابنة مالك العذريين أنهما نشئا جميعاً فتعلقها علاقة الصبيّ وكان قديماً في حجر عمّه وبلغ فكان يسأله أن يزوّجه إياها فيسوّفه حتى خرج في عير لأهله إلى الشام فقدم على أبي عفراء ابن عم لها من أهل البلقاء وكان حاجّاً فخطبها فزوّجه إياها فحملها . وأقبل عروة في عيره حتى إذا كان بتبوك نظر إلى رفقة مقبلة من قبل المدينة فيها امرأة على جمل فقال لأصحابه : والله لكأنها شمائل عفراء فقالوا : ويحك ما تزال تذكر عفراء ما تخلّ بذكرها في وإني لتعروني لذكراك روعة ثم أخذه مرض السلّ حتى لم يبق منه شيئاً . فقال قوم : هو مسحور وقال قوم : به جنة . وكان باليمامة طبيب يقال له : سالم فصار إليه ومعه أهله فجعل يسقيه الدواء فلا ينفعه فخرجوا به إلى طبيب بحجر فلم ينتفع بعلاجه فقال :
____________________

( جعلت لعرّاف اليمامة حكمه ** وعرّاف حجر إن هم شفياني ) ( فما تركا من حيلة يعلمانها ** ولا سلوة إلا بها سقياني ) ( فقالا : شفاك الله والله ما لنا ** بما حمّلت منك الضلوع يدان ) قال النعمان بن بشير : بعثني معاوية مصدّقاً على بني عذرة فصدّقتهم ثم أقبلت راجعاً فإذا أنا ببيت مفرد ليس قربه أحد وإذا رجل بفنائه لم يبق منه إلا عظم وجلد فلما سمع وجسي ترنّم بقوله : ( وعينان : ما أوفيت نشزاً فتنظرا ** بمأقيهما إلا هما تكفان ) ( كأن قطاة علّقت بجناحها ** على كبدي من شدة الخفقان ) قال : وإذا أخواته حوله أمثال الدمى فنظر في وجوههن ثم قال : ( من كان من أخواتي باكياً أبداً ** فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا ) قال : فبرزن والله يضربن وجوههن وينتفن شعورهن . فلم أبرح حتى قضى . فهيّات من أمره ودفنته . كذا قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء .
زحكى هذهالرواية راوي شعره عن عروة بن الزبير ثم قال : ومرّ ركب بوادي القرى فسألوا عن الميّت فقيل : عروة بن حزام وكانوا يردون البلقاء فقال بعضهم لبعض : والله لنأتين )
عفراء بما يسوءها . فساروا حتى مروا بمنزلها وكان
____________________

ليللاً فصاح صائح منهم وهي تسمع فقال : ( ألا أيها البيت المغفّل أهله ** إليكم نعينا عروة بن حزام ) ففهمت عفراء الصوت ونادت بهم : ( ألا أيها الركب المخبّون ويحكم ** أحقاً نعيتم عروة بن حزام ) فقال بعضهم : ( نعم قد دفنّاه بأرض نطيّة ** مقيماً بها في سبسب وإكام ) فأجابته وقالت : ( فإن كان حقاً ما تقولون فاعلموا ** بأن قد نعيتم بدر كل تمام ) ( نعيتم فتىً يسقى الغمام بوجهه ** إذا هي أمست غير ذات غمام ) ( وبتن الحبالى لا يرجين غائباً ** ولا فرحات بعده بغلام ) ثم أقبلت على زوجها فقالت له : إنه قد بلغني من أمر ذلك الرجل ما قد بلغك والله ما كان إلا على الحسن الجميل وقد بلغني أنه مات فإن رأيت أن تأذن لي فأخرج إلى قبره فأذن لها فخرجت في نسوة من قومه تندبه وتبكي عليه حتى ماتت .
قال : وبلغني أن معاوية بن أبي سفيان قال : لو علمت بهما لجمعت بينهما .
تنبيه : نسب المبرّد في الكامل بيت الشاهد إلى قيس بن ذريح وذكر ما قبله كذا :
____________________

( حلفت لها بالمشعرين وزمزم ** وذو العرش فوق المقسمين رقيب ) لئن كان برد الماء حرّان صادياً ونسبه العينيّ إلى كثيّر عزّة وقال : هو من قصيدة أوّلها : ( أبى القلب إلا أم عمرو وبغّضت ** إليّ نساء ما لهن ذنوب ) ( حلفت لها بالمأزمين وزمزم ** ولله فوق الحالفين رقيب ) لئن كان برد الماء حرّان صادياً والصحيح ما قدمناه . والبيتان من شعر غيره دخيل . والله أعلم .
الشاهد السابع والتسعون بعد المائة ( إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً ** فمطلبها كهلاً عليه شديد ) لما تقدم قبله .
قال ابن جني في إعراب الحماسة : كهلاً حال من الهاء في عليه تقديره : فمطلبها عليه كهلاً شديد . ثم قال : فإن قلت : فهلاّ جعلت كهلاً حالاً من الضمير في المطلب قيل : المصدر الخبر لا يضمر يه الفاعل بل يحذف معه حذفاً . انتهى .
وهذاالبيت أحد أبيات أربعة مذكورة في الحماسة وهي : ( متى ما يرى الناس الغنيّ وجاره ** فقير يقولوا : عاجز وجليد )
____________________

( وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ** ولكن أحاظ قسّمت وجدود ) إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً ( وكائن رأينا من غنيّ مذمّم ** وصعلوك قوم مات وهو حميد ) جملة وجاره فقير : من المبتدأ والخبر حال من الغنيّ . ويقولوا جواب الشرط . وقوله : عاجز وجليد خبر مبتدأ محذوف أي : هذان عاجز وجليد والجملة مقول القول . والجليد : من الجلادة وهي الصلابة أراد القوة على السعي وتحصيل المال . وقوله : ولكن أحاظ قال الأعلم : جمع حظ على غير قياس ويقال : هو جمع أحظ وأحظ جمع حظ وأصله أحظظ فأبدل من إحدى الظاءين ياء كراهة التضعيف . ويجوز عندي أن يكون أحظ جمع حظوة وهي بمعنى الحظ وفعلها حظيت أحظى فلا شذوذ . انتهى .
والحظّ : النصيب . والجدود : جمع جدّ بفتح الجيم وهو البخت . أي : أن الغنى والفقر مما قدره الله فهي حظوظ وجدود خلقوا لها على ما علم الله من مصالح عباده .
وقوله : أعيته أي : أتعبته متعدي عيي بالأمر إذا عجز عنه من باب تعب . والمروءة : آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات . يقال : مرؤ الإنسان فهو مريء مثل قرب فهو قريب أي : ذو مروءة .
قال الجوهري : وقد تشدّد فيقال مروّة . وروي : أعيته السيادة . وناشئاً مهموز اللام في الصحاح : الناشئ : الحدث الذي جاوز حدّ الصغر والجارية ناشئ أيضاً . وهو حال من مفعول اعيته . والمطلب : مصدر بمعنى الطلب . والكهل : الرجل الذي جاوز الثلاثين ورخطه الشيب )
وقيل : من بلغ الأربعين والمرأة كهلة .
وكائن بمعنى كم للتكثير ومذمّم أي : غير محمود كثيراً والتشديد
____________________

للمبالغة من الذمّ وهو خلاف المدح . والصعلوك بالضم : الفقير أي : كم من غني ساعدته الدنيا ثم أصبح مذموماً لبخله وهذه الأبيات لرجل من بني قريع بالتصغير وهو قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم كذا في حماسة أبي تمام وحماسة الأعلم . وعيّنه ابن جني في إعراب الحماسة فقال : هو المعلوط بن بدل القريعيّ .
وفي حاشية صحاح الجوهري في مادة حظ هي للمعلوط السعديّ وتروى لسويد بن خذّاق العبديّ وكذا قال ابن بري في أماليه على الصحاح والله أعلم .
والمعلوط اسم مفعول من علطه بسهم علطاً : إذا أصابه به . وهو بالعين والطاء المهملتين .
ثم رأيت في كتاب العباب في شرح أبيات الآداب تأليف حسن بن صالح العدويّ اليمنيّ قال : البيت الشاهد لمخبّل السعديّ من أبيات مشهورة متداولة في أفواه الناس أولها : ( ألا يا لقومي للرسوم تبيد ** وعهدك ممن حبلهنّ جديد ) ( وللدار بعد الحيّ يبكيك رسمها ** وما الدار إلا دمنة وصعيد ) ( لقد زاد نفسي بابن ورد كرامة ** عليّ رجال في الرجال عبيد ) ( يسوقون أموالاً وما سعدوا بها ** وهم عند مثناة القيام قعود ) ( ولاسوّد المال اللئيم ولا دنا ** لذاك ولكنّ الكريم يسود ) ( وكائن رأينا من غنيّ مذمّم ** وصعلوك قوم مات وهو حميد )
____________________

( وما يكسب المال الفتى بجلاده ** لديه ولكن خائب وسعيد ) إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً وترجمة المخبّل السعدي تأتي في الشاهد الرابع والثلاثين بعد الأربعمائة .
وأنشد بعده : ( فما بالنا أمس أسد العرين ** وما بالنا اليوم اء النجف ) وتقدم شرحه قريباً .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة ( بدت قمراً ومالت خوط بان ** وفاحت عنبراً ورنت غزالا ) على أن قمراً وما بعده من المنصوبات أحوالاً مؤولةً بالمشتق أي : بدت مضيئة كالقمر ومالت متثنية كخوط بان وفاحت : طيبة النشر كالعنبر ورنت : مليحة المنظر كالغزال .
قال الواحدي : هذه أسماء وضعت موضع الحال . والمعنى : بدت مشبهة قمراً في حسنها ومالت مشبهة غصن بان في تثنّيها وفاحت مشبهة عنبراً في طيب رائحتها ورنت مشبهة غزالاً في سواد مقلتها . وهذا يسمى التدبيج في الشعر ومثله :
____________________

( سفرن بدوراً وانتقبن أهلّة ** ومسن غصوناً والتفتن جآذرا ) انتهى . فقوله : بدت يقال : بدا يبدو وبدوّاً . أي : ظهر ظهوراً بيّناً . والخوط بضم الخاء المعجمة : الغصن الناعم لسنة . وقيل : كلّ قضيب . وفاحت . من فاح المسك فوحاً وفيحاً : انتشرت رائحته خاص في الطيب . ورنا : من الرنوّ كدنو وهو إدامة النظر بسكون الطرف كالرنا ولهو مع شغل قلب وبصر وغلبة هوى والرّنا : ما يرنى إليه لحسنه . كذا في القاموس . وضمير بدت راجع إلى حبيبته في قوله قبل هذا : ( بجسمي من برته فلو أصارت ** وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا ) أي : أفدي بجسمي الحبيبة التي نحلته وبرته حتى لو جعلت قلادتي ثقب درّة لجال جسمي فيه لدقّته .
وهذا البيت من قصيدة لأبي الطيب المتنبي مدح بها بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي .
وترجمة المتنبي تقدمت في البيت الحادي والأربعين بعد المائة .
وأنشد بعده وهو
الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة على أنّ الدأب يعبر به عن كل حدث لازم : كالحسن والجمال . أو غير لازم : كالضرب والقتل ولهذا يتعلق به الجار والمجرور والظرف والحال . فقوله : كدأبك بمعنى كتمتعك . فكنّى ولم يصرّح .
____________________


أقول : جعل الدأب هنا كناية عن التمتع لا وجه له كما يعلم قريباً .
وهذا البيت من معلّقة امرئ القيس المشهورة ومطلعها : ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ** بسقط اللوى بين الدخول فحومل ) ( فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ** لما نسجتها من جنوب وشمأل ) ( وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم ** يقولون : لا تهلك أسىً وتحمّل ) ( وإن شفائي عبرة مهراقة ** فهل عند رسم دارس من معوّل ) ( كدأبك من أم الحويرث قبلها ** وجارتها أمالرباب بمأسل ) والبيتان الأولان يأتي شرحهما إن شاء الله عز وجلّ في أواخر الكتاب في الفاء العاطفة .
____________________


وقوفاً بها صحبي الخ متعلق بقوله : قفا نبك فكأنه قال : قفا وقوف صحبي بها على مطيّهم أو قفا حال وقوف صحبي . وقوله : بها : متأخر في المعنى يريد : قفا نبك في حال وقف أصحابي مطيّهم عليّ .
وقوله : وإن شفائي عبرة الخ العبرة : الدمعة . والمهراقة : المصبوبة وأصلها مراقة من الإراقة والهاء زائدة . ومعوّل : موضع عويل أي بكاءن او بمعنى موضع ينال فيه حاجة : يقال : عوّلت على فلان أي : اعتمدت عليه .
قال الباقلاّني في معجز القرآن عند الكلام على معايب هذه القصيدة : هذا البيت مختلّ من جهة انه جعل الدمع في اعتقاده شافياً كافياً فما حاجته بعد ذلك إلى طلب حيلة أخرى عند الرسوم ولو أراد أن يحسن الكلام لوجب أن يدلّ على أن الدمع لا يشفيه لشدة ما به من الحزن ثم يسائل هل عند الربع من حيلة أخرى وفي هذا مع قوله سابقاً لم يعف رسمها تناقض الكلامان وليس في هذا اقتصار لأن معنى عفا ودرس واحد فإذا قال : لم يعف رسمها ثم قال : قد عفا فهو تناقض لا محالة . واعتذار أبي عبيدة أقرب لو صحّ ولكن لم يرد هذا القول مورد الاستدراك على ما قاله زهير فهو إلى الخلل أقرب . انتهى . )
____________________


وقوله : كدأبك من أمّ الخ قال أبو جعفر النحاس في شرحه وتبعه الخطيب التبريزي : الكاف تتعلق بقوله : قفا نبك كأنه قال : قفا نبك كدأبك في البكاء فهي في موضع مصدر . والمعنى بكاء مثل عادتك . ويجوز أن تتعلق بقوله : وإن شفائي عبرة والتقدير : كعادتك في أن تشفى من أمّ الحويرث .
والباء في قوله : بمأسل متعلقة بدأبك كأنه قال : كعادتك بمأسل . وهو جبل . وزاد الخطيب : وأم الحويرث هي هرّ أم الحارث بن حصين بن ضمضم الكلبيّ وأم الرباب من كلب أيضاً . يقول : لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها . وقيل : المعنى : كأنك أصابك من التعب والنصب من هذه المرأة كما أصابك من هاتين المرأتين انتهى .
وقال أبو عبيد البكريّ في شرح أمالي القالي : أم الحويرث التي كان يشبب بها في أشعاره هي أخت الحارث حصين بن ضمضم من كلب وهي امرأة حجر أبي امرئ القيس فلذلك كان أبوه طرده ونفاه وهمّ بقتله انتهى . وهذا هو الصواب .
وقال الزوزني : يقول عادتك في حب هذه كعادتك في تينك أي : قلة حظك من وصال هذه كمعاناتك الوجد بهما . وقوله : قبلها أي : قبل هذه التي شغفت بها الآن . والدأب : العادة وأصلهما متابعة العمل والجدّ في السعي انتهى كلامه .
____________________


فجعل الزوزني قوله : كدأبك خبر مبتدأ محذوف . وهذا أقرب من الأولين . فعلم مما ذكرنا أن الدأب كناية إما عن البكاء وإما عن المعاناة والمشقة . والتمتع لا مساس له ها هنا فتأمل .
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين .
وانشد بعده وهو ( ولقد نزلتفلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم ** ) على أن معناه نزلت قريبة مني قرب المحب المكرم . وإنما عدّي بمن لكون معنى بمنزلة فلان : قريباً قربه أو بعيداً بعده .
وهذا البيت من معلّقة عنترة العبسيّ . قال أبو جعفر النحاس في شرحه وتبعه الخطيب التبريزي الباء في قوله : بمنزلة متعلقة بمصدر محذوف لأنه لما قال : نزلت دلّ على النزول .
وقوله : بمنزلة في موضع نصب أي : ولقد نزلت مني منزلة مثل منزلة المحب . وقال الزوزني : يقول : ولقد نزلت من قلبي منزلة من يحب ويكرم . )
والتاء في نزلت مكسورة لأنه خطاب مع مجبوبته عبلة المذكورة في بيت قبل هذا . وقوله : فلا تظني غيره مفعول ظن الثاني محذوف اختصاراً لا اقتصاراً أي : فلا تظني غيره واقعاً أو حقاً أي : غير نزولك مني منزلة المحب .
____________________


وبه استشهد شرّاح الألفية وغيرهم بهذا البيت . والمحبّ : اسم مفعول جاء على أحبّ وأحببت وهو على الأصل والكثير في كلام العرب محبوب .
قال الكسائي : محبوب من حببت وكأنها لغة قد ماتت . أي : تركت . وقال الأصمعي : تحبّ بفتح التاء ولا أعرفه في غير التاء ولا أعرف حببت . وحكى أبو زيد أنه يقال : حببت أحبّ وأنت تحب ونحن نحب . والمكرم : اسم مفعول أيضاً والواو في ولقد عاطفة . وجملة لقد نزلت الخ جواب اسم مفعول أيضاً والواو في ولقد عاطفة . وجملة لقد نزلت الخ جواب قسم محذوف أي : ووالله لقد نزلت كقوله تعالى : ولقد صدقكم الله وعده .
وقوله : فلا تظني غيره جملة معترضة بين المجرور ومتعلّقه فإن مني متعلّق بنزلت . ولقد خبط هنا خبطاً فاحشاً شارح شواهد الألفية في قوله : الواو للقسم وجواب القسم قوله : فلا تظني غيره ثم قال : قوله فلا تظني نهي معترض بين الجارّ والمجرور ومتعلّقه والباء في بمنزلة بمعنى في أي : نزلت مني في منزلة الشيء المحبوب المكرم . هذا كلامه ولا يقع في مثله أصاغر الطلبة .
وترجمة عنترة تقدمت في الشاهد الثاني عشر من اوائل الكتاب وأنشد بعد وهو
الشاهد الواحد بعد المائتين خرجت مع البازيّ عليّ سواد هذا عجز وصدره : إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها
____________________

على أن الجملة الاسمية الحالية إذا لم يكن مبتدؤها ضمير صاحب الحال فإن كان الضمير فيما صدّر به الجملة فلا يحكم بضعفه مجرّداً عن الواو كجملة عليّ سواد فإنها جال من التاء في خرجت .
في المصباح : أنكرته إنكاراً : خلاف عرفته ونكرته مثل تعبت كذلك غير أنه لا يتصرف . أي : إذا لم يعرف قدري أهل بلدة أو لم أعرفهم خرجت منهم مبتكراً مصاحباً للبازي الذي هو أبكر الطيور في حال اشتمالي على شيء من سواد الليل . والبازيّ على وزن القاضي في الأصل : صفة من بزا يبزو : إذا غلب . ويعرب إعراب المنقوص . والجمع بزاة .
وهذا البيت من أبيات لبشار بن برد مدح بها خالداً البرمكي وكان قد وفد عليه وهو بفارس فأنشده : ( أخالد لم أهبط إليك بذمّة ** سوى أنني عاف وأنت جواد ) ( أخالد إن الأجر والحمد حاجتي ** فأيهما تأتي فأنت عماد ) ( فإن تعطني أفرغ عليك مدائحي ** وإن تأب لم تضرب عليّ سداد ) ( ركابي على حرف وقلبي مشيّع ** وما لي بأرض الباخلين بلاد ) ( إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ** خرجت مع البازيّ عليّ سواد ) يقال : هبط من موضع إلى موضع : إذا انتقل إليه والهبوط الحدور كرسول فيهما . والذمّة هنا العهد والحرمة . والعافيّ : من عفوته : إذا أتيته طالباً لمعروفه وجمعه العفاة وهم طلاب المعروف . وهذا مثل قول دعبل لما وقد على عبد الله بن طاهر : ( جئتك مستشفعاً بلا سبب ** إليك إلا لحرمة الأدب ) ( فاقض ذمامي فإنني رجل ** غير ملحّ عليك في الطلب ) فبعث إليه عبد الله بعشرة آلاف درهم وبهذين البيتين :
____________________

( أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ** ولو انتظرت كثيره لم نقلل ) ) ( فخذ القليل وكن كأنك لم تسل ** ونكون نحن كأننا لم نفعل ) وقد تداول هذين البيتين كثير من الكرماء فيظن الناس أنهما لمن تداولهما .
والحرف : الناقة القويّة . والمشيع على وزن المفعول : الشجاع كأن له شيعة أي : أتباعاً وأنصاراً .
روى الأصبهاني في الأغاني أن بشاراً لما أنشد هذه الأبيات دعا خالد بأربعة أكياس فوضع واحداً عن يمينه وآخر عن شماله وآخر بين يديه وآخر من ورائه وقال : يا أبا معاذ هل استقل العماد فلمس الأكياس ثم قال : استقل والله أيها الأمير و بشار بن برد أصله من طخارستان من سبي المهلّب بن أبي صفرة وهي ناحية كبيرة مشتملة على بلدان على نهر جيحون مما وراء النهر وكنيته أبو معاذ ولقبه المرعّث وهو الذي في أذنه رعاث وجمع رعثة وهي القرطة لقّب به لأنها كانت في صغره معلّقة في أذنه .
وهو عقيليّ بالولاء نسبة إلى عقيل بن كعب بالتصغير وهي قبيلة . وقيل : إنه ولد على الرقّ أيضاً وأعتقته امرأة عقيليّة . وولد أكمه جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أحمر . وكان ضخماً عظيم الخلق والوجه مجدّراً . وهو في أول مرتبة المحدّثين من الشعراء المجيدين . وقد نشأ بالبصرة ثم قدم بغداد ومدح المهديّ بن المنصور العباسيّ ورمي عنده بالزندقة : روي أنه كان يفضل النار على الأرض ويصوّب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم عليه السلام ونسب إليه قوله :
____________________

( الأرض مظلمة والنار مشرقة ** والنار معبودة مذ كانت النار ) فأمر المهدي بضربه فضرب سبعين سوطاً فمات من ذلك وذلك في سنة ثمان وستين ومائة وقد نيّف على تسعين سنة . ومن شعره : ( ياقوم أذني لبعض الحيّ عاشقة ** والأذن تعشق قبل العين أحيانا ) ( قالوا : بمن لا ترى تهذي فقلت لهم : ** الأذن كالعين توفي القلب ما كانا ) ومن هجائه للمهديّ قوله : ( أبدلنا الله به غيره ** ودسّ موسى في حر الخيزران ) وبينه وبين حماد عجرد أهاج فاحشة ومن هجوه فيه : ( نعم الفتى لو كان يعبد ربه ** ويقيم وقت صلاته حمّاد ) ) ( وابيضّ من شرب المدامة وجهه ** وبياضه يوم الحساب سواد ) وقتل حماد عجرد على الزندقة أيضاً في سنة ست وستين ومائة . ودفن بشار على حمّاد عجرد في قبر واحد فكتب أبو هشام الباهليّ على قبرهما : ( قد تبع الأعمى قفا عجرد ** فأصبحا جارين في دار ) ( صارا جميعاً في يدي مالك ** في النار والكافر في النار ) ( قالت جميع الأرض لا مرحباً ** بقرب حمّاد وبشار )
____________________

وترجمته في الأغاني طويلة .
وأما خالد فهو خالد بن برمك البرمكي . وكان برمك من مجوس بلخ وكان يخدم النوبهار وهو معبد للمجوس بمدينة بلختوقد فيه النيران . وكان برمك عظيم المقدار وساد ابنه خالد ووزر لأبي العباس عبد الله السفاح العباسيّ . وهو أول من وزر من آل برمك . ولم يزر وزيراً إلى أن توفي السفاح ثم وزر لأخيه أبي جعفر المنصور إلى أن توفي في سنة ثلاث وستين ومائة .
ويحيى البرمكي هو أبو جعفر والفضل قال المسعودي : لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده : في جوده ورأيه ورياسته وعلمه وجميع خلاله لا يحيي في رأيه ووفور عقله ولا الفضل بن يحيى في جوده ونزاهته ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحة لسانه ولا محمد ابن يحيى في سروه وبعد همّته ولا موسى بن يحيى في شجاعته ورياسته .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الثاني بعد المائتين نصف النهار الماء غامره هذا صدر وعجزه : ورفيقه بالغيب ما يدري
____________________

على أن ضمير صاحب الحال إذا كان في آخر الجملة الحالية فلا شك في ضعفه وقلّته : فإن الماء مبتدأ وغامره خبرهن والجملة حالمن ضمير نصف العائد إلى الغائص والضمير الذي ربط جملة الحال بصاحبها في آخرها . وهذا على رواية نصب النهار على أنه مفعول به قال صاحب المصباح : نصفت الشيء نصفاً من باب قتل : بلغت نصفه وأما على رواية رفعه فالجملة حال منه ولا رابط فتقدّر الواو . وعليها كلام صاحب المغني قال : وقد تخلو الجملة الحالية من الواو والضمير فيقدّر الضمير في نحو : مررت بالبرّ قفيز بدرهم أو الواو كقوله يصف غائصاً لطلب اللؤلؤ انتصف النهار وهو غائص وصاحبه لا يدري ما حاله : نصف النهار الماء غامره فنصف على هذا أيضاً من باب قتل قال صاحب المصباح : إن بلغ الشيء نصف نفسه ففيه لغات : نصف ينصف من باب قتل يقتل وأنصف بالألف وتنصّف وانتصف النهار : بلغت الشمس وسط السماء وهو وقت الزوال .
وقد أثبت هاتين الروايتين العسكري في كتاب التصحيف والسيد الجرجانيّ في شرح المفتاح .
أما العسكري فه ا كلامه : قال الرياشي : الذي يروي نصف النهار بالرفع يريد معنى الواو أي : انتصف النهار والماء غامره وهو تحت الماء يعني الغوّاص وشريكه بالغيب أي : بحيث يغيب عنه ولا يدري ما حاله وإنما يغوص بحبل معه طرفه وطرفه الآخر مع صاحبه . قال الرياشيّ : الحال إذا لم يرجع إلى الأول منها شيء فهو قبيح في العربية . قال : وإذا صيّرته ظرفاً فهو جيد في العربية . وقال المازنيّ : الجيد نصب النهار على الظرف انتهى .
____________________


وكون النصب على الظرف تجوّز في الكلام والصواب على المفعولية .
وأما السيد فقد قال : النهار منصوب من نصفت الشيء : بلغت نصفه . والمراد طول مكثه تحت الماء . وفي الصحاح برفع النهار من نصف الشيء : بمعنى انتصف . فالجملة الحالية حينئذ خالية عن الضمير أيضاً فاحتاج إلى أن قدّر الواو محذوفة أي : والماء غامره أي : ساتره )
انتهى .
فعلم من هذا أن من قال بوجود الضمير في هذه الجملة جعل صاحب الحال ضمير الغواص المستتر في نصف الناصب النهار . وان من قال بعدم الضمير جعل الجملة حالاً من النهار المرفوع بنصف وقدّر الواو للربط وأما الضمير الموجود فغير رابط لأنه ليس عائداً على صاحب الحال وهو النهار بل هو عائد على الغوّاص .
والعجب من كلام ابن الشجريّ في أماليه فإنه جعل الجملة حالاً من النهار المرفوع وقال : الرابط الضمير وه ا لا يصح فإن الضمير ليس للنهار . وهذه عبارته : ولو حذفت الضمير من جملة الحال المبتدأ به واكتفيت بالواو جاز نحو : جاء زيد وعمرو حاضر . ولو حذفت الواو اكتفاء بالضمير فقلت : خرج أخوك يده على وجهه جاز كقوله : نصف النهار الماء غامره وأعجب منه قول ابن السيد في شرح شواهد أدب الكاتب في جعله الجملة حالاً وصاحب الحال غير مذكور في هذا البيت بل هو في بيت قبل هذا بأبيات . وهذا كلامه : جملة الماء غامره حال وكذلك الجملة التي بعدها . وكان ينبغي أن يقول : والماء غامره فيأتي بواو الحال ولكنه اكتفى بالضمير منها . ولو لم يكن في الجملتين عائد إلى صاحب الحال لم يجز حذف الواو .
وأما صاحب هاتين الحالين فليس بمذكور في البيت ولكنه مذكور في البيت الذي قبله وهو :
____________________

( كجمانة البحريّ جاء بها ** غوّاصها من لجّة البحر . انتهى ) وأغرب من هذين القولين صنيع ابن جني في سر الصناعة فإنه حكم على هذه الجملة بأنه لا رابط معها . ثم نقض كلامه بجعل الضمير رابطاً للحال بصاحبها المحذوف . وهذا ما سطّره : إذا وقعت الجملة الاسمية بعد واو الحال كنت في تضمينها ضمير صاحب الحال وترك تضمينها إياه مخيراً فالأول نحو جاء زيد وتحته فرس والثاني جاء زيد وعمرو يقرأ . فأما إذا لم يكن واو فلا بدّ من الضمير نحو أقبل محمد على رأسه قلنسوة . وإذا فقدت جملة الحال هاتين الحالين انقطعت مما قبلها ولم يكن هناك ما يربط الآخر بالأول وعلى هذا قول الشاعر : نصف النهار الماء غامره يصف غائصاً غاص في الماء من أول النهار وهذه حاله . فالهاء من غامره ربطت الجملة بما قبلها حتى جرت حالاً على ما فيها فكأنك قلت : انتصف النهار على الغائص غامراً له اماء )
كما انك إذا قلت : جاء زيد ووجهه حسن فكانك قلت : جاء زيد حسناً وجهه . هذا كلامه وهذا البيت من قصيدة للأعشى ميمون مدح بها قيس بن معد يكرب الكندي . وقد أجاد في التغزل بمحبوبته في أولها إلى أن شبهها بالدرة ثم وصف تلك الدرة كيف استخرجت من البحر فقال : ( كجمانة البحري جاء بها ** غوّاصها من لجّة البحر ) ( صلب الفؤاد رئيس أربعة ** متخالفي الألوان والنجر ) ( فتنازعوا حتى إذا اجتمعوا ** ألقوا إليه مقالد الأمر ) ( وعلت بهم سجحاء خادة ** تهوي بهم في لجة البحر )
____________________

( حتى إذا ما ساء ظنهم ** ومضى بهم شهر إلى شهر ) ( ألقى مراسيه بتهلكة ** ثبتت مراسيها فما تجري ) ( فانصب أسقف رأسه لبد ** نزعت رباعيتاه للصبر ) ( أشفى يمجّ الزيت ملتمس ** ظمآن ملتهب من الفقر ) ( قتلت أباه فقال : أتبعه ** أو أستفيد رغيبة الدهر ) ( نصف النهار الماء غامره ** وشريكه بالغيب ما يدري ) ( فأصاب منيته فجاء بها ** صدفيّة كمضيئة الجمر ) ( وترى الصواري يسجدون لها ** ويضمّها بيديه للتجر ) ( فلتلك شبه المالكية إذ ** طلعت ببهجتها من الخدر ) الجمانة بضم الجيم : حبة تعمل من فضة كالدرة وجمعها جمان . أي : هي كجمانة البحريّ .
وصلب الفؤاد بالضم أي : قويّ الفؤاد وشديده هو صفة لغوذاص . ورئيس أربعة بالنصب حال منه وقوله : متخالفي الألوان : صفة أربعة والإضافة لفظية . والنجر بفتح النون وسكون الجيم : الأصل . أي : أن هؤلاء الأربعة أصلهم مختلف وكذلك ألوانهم مختلفة . والسجحاء بتقديم الجيم على الحاء المهملة : الطويلة الظهر وأراد بها السفينة . والمراسي : جمع مرساة بالكسر وهي آلة ترسى بها السفينة .
وقوله : فانصب أسقف الخ . أي : رمى بنفسه في البحر وغاص لإخراج الدر . والأسقف بفتح الألف والقاف من السقف بفتحتين وهو طول في انحناء . ولبد بكسر الباء أي : متلبد . )
وأشفى فعل ماض يقال : أشفى على الشيء : اي : أشرف عليه . ويمج : يقذف من فيه كما هو عادة الغائص . وفاعلهما ضمير أسقف . وملتمس وما بعده من الوصفين نعوت لأسقف .
وقوله : قتلت أباه الخ أي : أنّ أباه هلك في حبّ هذه الدرة أو في تحصيلها
____________________

فقال هذا الغائص : أتبع أبي في الهلاك أو أستفيد مالاً كثيراً . والرغيبة : العطاء الكثير .
وقوله : نصف النهار . . الخ روي ورفيقه بدل وشريكه . ومنيته هي ما يتمناه . وصدفيّة : حال من الضمير المجرور بالباء . ويعطى بالبناء للمفعول . ويمنعها أي : ويمنع الدرة من البيع .
وقوله : ألا تشري : أي : ألا تبيعها . والصواري : جمع صار وهو الملاّح والبحريّ . وروي الشواري بدله وهو جمع شار بمعنى المشتري . وسجودهم لها لعزتها ونفاستها . والتجر : مصدر تجر تجراً وتجارة من باب نصر .
ومن أبيات المديح : ( أنت الرئيس إذا هم نزلوا ** وتواجهوا كالأسد والنمر ) ( أو فارس اليحموم يتبعهم ** كالطلق يتبع ليلة البهر ) ( ولأنت أجود بالعطاء من الرّ ** يّان لمّا ضنّ بالقطر ) ( ولأنت أحيا من مخبّأة ** عذراء تقطن جانب الكسر ) ( ولأنت أبين حين تنطق من ** لقمان لمّا عيّ بالأمر ) ( لو كنت من شيء سوى بشر ** كنت المنوّر ليلة البدر ) فارس اليحموم هو ملك العرب النعمانبن المنذر . واليحموم : اسم فرسه . والطلق بالفتح الليلة التي لا حرّ فيها ولا برد . وليلة البهر : ليلة البدر حين يبهر النجوم أي : يغلبها بنوره .
____________________


وقيس بن معد يكرب الكنديّ مات في الجاهلية يقال له الأشج لأنه شجّ في بعَ أيامهم . وله عدة أولاد أكبرهم حجيّة وبه كني زماناً ثم كني بولده الأشعث واسمه معد يكرب وسمّي الأشعث لأنه كان أبداً أشعث الرأس وقد أسام وولده له النعمان بن الأشعث وقد بشّر به وهو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : والله لجفنة من ثريد أطعمها قومي أحبّ إلي منه وهلك صغيراً . وللأشعث عدة أولاد أيضاً منهم قيس بن الأشعث وأخذ قطيفة الحسين رضي الله عنه يوم قتل فكان يقال له : قيس قطيفة .
ولقيس بن معد يكرب بنت اسمها قتيلة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي قبل أن )
تصل إليه . وابنه سيف بن قيس وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يؤذن لهم فأذن حتى مات . كذا في جمهرة الأنساب لابن الكلبيّ .
وأعشى ميمون صاحب الشعر تقدمت ترجمته في الشاهد الثالث والعشرين وقد نقلت شعره هذا من ديوانه . وقد رواها أبو عبيدة وابن دريد وغيرهما . وأما الأصمعي فقد أثبتها للمسيب بن علس الجماعيّ وهو خال الأعشى ميمون المذكور . . وهو أحد الشعراء الثلاثة المقلي الذين فضلوا في الجاهلية .
قال أحمد بن أبي طاهر : كان الأعشى راوية المسيّب بن علس والمسيب خاله وكان يطرد والمسيب : اسم فاعل لقّب به لأنه كان يرعى إبل أبيه فسيّبها فقال له
____________________

أبوه : أحق أسمائك المسيب . فغلب عليه . وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق : إن اسمه زهير وإنه لقّب بالمسيب لقوله : ( فإن سركم ألاّ تؤوب لقاحكم ** غزاراً فقولوا للمسّب يلحق ) وهو جاهلي ولم يدرك الإسلام . ونسبه في الجمهرة كذا : المسيب بن علس بن مالك بن عمروبن قمامة بن زيد بن ثعلبة بن عديّ بن مالك بن جشم بن بلال بن جماعة بن جليّ بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن مضر وعلس بفتح العين واللام منقول من اسم القراد . وقمامة بضم القاف وجماعة بضم الجيم وروى ابن السكّيت خماعة بالخاء المعجمة المضمومة . وجليّ بضم الجيم وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية . وأحمس أفعل من الحماسة . وضبيعة بالتصغير .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الثالث بعد المائتين ( فألحقه بالهاديات ودونه ** جواحرها في صرة لم تزيّل ) على أن قوله : ودونه جواحرها جملة حالية لا الظرف وحده حال والمرفوع بعده فاعله خلافاً لمن زعمه في نحو : جاءني عليه جبة وشي لأنه لو كان من الحال المفردة لامتنعت الواو فإنها لا تكون مع الحال المفردة فلما ذكرت في بعض المواضع عرف أن الجملة حال لا الظرف وحده . .
وصاحب الحال الهاء في قوله : فألحقه وهي ضمير المفعول . وفاعل ألحقه ضمير مستتر راجع إلى الغلام في بيت قبله . والهاء ضمير الكميت . أي : فألحق الغلام الكميت بالهاديات ويجوز العكس فيكون فاعل ألحق ضمير الكميت والهاء ضمير الغلام أي :
____________________

فألحق الغلام بالهاديات .
وأراد بالهاديات أوائل الوحش ومتقدماتها يقال : أقبلت هوادي الخيل : إذا تقدمت أوائلها جمع هادية والهادي : أول كل شيء . وضمير دونه يعود على ما عاد عليه الهاء . وجواحرها أي : متأخراتها والهاء ضمير الهاديات وهو جمع جاحرة بتقديم الجيم على الحاء المهملة يقال : جحر فلان أي : تأخر . وجواحرها مبتدأ . ودونه الخبر تقدم عليه والجملة حال كما تقدم أي : ودون مكانه أو ودون غايته التي وصل إليها أو دون بمعنى عند وقيل : دون هنا بمعنى أقرب . ورده الزوزني بأنه إنما يكون دون بمعنى أقرب منه إذ أتي باسمين نحو هذا دون ذاك .
والصرة بفتح الصاد وتشديد الراء المهملتين يجوز أن يكون هنا إما بمعنى الضجة والصيحة وإما بمعنى الجماعة وإما بمعنى الشدة من كرب أو غيره وقيل الصرة هنا الغبار فقوله : في صرة في بعض الوجوه حال من الهاديات وفي بعضها حال من جواحرها كذا قال الزوزني . ويجوز أن يتعلق الجار في جواحرها . وجملة لم تزيل صفة صرة وأصله تتزيل بتاءين أي : لم تتفرق .
وصف بهذا البيت شدة عدو فرسه يقول : إن هذا الفرس لما لحق أوائل الوحش بقيت أواخرها لم تتفرق فهي خالصة له .
وهذا البيت من جملة أبيات في وصف الفرس من معلقة امرئ القيس المشهورة والأبيات هذه : ( وقد أغتدي والطير في وكناتها ** بمنجرد قيد الأوابد هيكل ) ( مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً ** كجلمود صخر حطّه السيل من عل )
____________________

( كميت يزلّ اللبد عن حال متنه ** كما زلّت الصفواء بالمتنزّل ) ) ( على الذبل جيّاش كأن اهتزامه ** إذا جاش فيه حميه غلي مارجل ) ( يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته ** ويلوي بأثواب العنيف المثقّل ) ( درير كخذروف الوليد أمرّه ** تتابع كفّيه بخيط موصّل ) ( له أيطلاً ظبي وساقا نعامة ** وإرخاء سرحان وتقريب تتفل ) ( مسحّ إذا ما السابحات على الونا ** أثرن غباراً بالكديد المركّل ) ( ضليع إذا استدبرته سدّ فرجه ** بضاف فويق الأرض ليس بأعزل ) ( كأنّ سراته لدى البيت قائماً ** مداك عروس أو صلابة حنظل ) ( فعنّ لنا سرب كأنّ نعاجه ** عذارى دوار في ملاء مذيّل ) ( فأدبرن كالجزع المفصّل بينه ** بجيد معمّ في العشيرة مخول ) ( فألحقه بالهاديات ودونه ** جواحرها في صرّة لم تزيّل ) ( فعادى عداء بين ثور ونعجة ** دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل ) ( فظلّ طهاة اللحم ما بين منضج ** صفيف شواء أو قدير معجّل ) ( فرحنا يكاد الطرف يقصر دونه ** متى ما ترقّ العين فيه تسّهل ) ( فبات عليه سرجه ولجامه ** وبات بعيني قائماً يغر مرسل ) قوله : وقد أغتدي الخ تقدم شرحه قريباً . وقوله : مكرّ مفرّ الخ بكسر أولهما وفتح ثانيهما وهما بالجر صفتان لقوله منجرد وكذلك مقبل ومدبر صفتان له لكنهما اسما فاعل بضم أولهما .
قال صاحب القاموس : كرّ عليه : عطف وعنه : رجع فهو كرّار ومكرّ بكسر الميم . وقال الزوزني : مفعل يتضمن مبالغة كقولهم : فلان مسعر حرب . وإنما جعلوه متضمناً مبالغة لأن مفعلاً يكون من أسماء الأدوات كأنه أداة للكرّ والفرّ
____________________

وآلة لتسعّر الحرب والجلمود بالضم : الصخرة الملساء . وعل : بمعنى فوق واستشهد به سيبويه وصاحب مغني اللبيب على أنه بمعناه وأن قال ابن رشيق في باب الاتساع من العمدة : إن الشاعر يقول بيتاً يتسع فيه التأويل فيأتي كل واحد بمعنى وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ وقوته واتساع المعنى من ذلك قول امرئ القيس : مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً فإنما أراد أنه يصلح للكرّ والفرّ ويحسن مقبلاً ومدبراً . ثم قال : معاً أي : جميع ذلك فيه . )
وشبّهه في سرعته وشدّة جريه بجلمود حطّه السيل من أعلى الجبل وإذا انحط من عل كان شديد السرعة فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه وذهب قوم منهم عبد الكريم إلى أن معنى قوله : كجلمود صخر الخ إنما هو الصلابة لأن الصخر عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب .
وقال بعض من فسّره من المحدثين : غنما أراد الإفراط : فرزعم أنه يرى مقبلاً مدبراً في حال واحدة عند الكر والفر لشدّة سرعته واعترض على نفسه فاحتج بما يوجد عياناً فمثّله بالجلمود المنحدر من قنّة الجبل : فإنك ترى ظهره في النّصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك . . ولعلّ هذا ما مرّ قطّ ببال امرئ القيس ولا خطر في وهمه ولا وقع في خلده ولا روعه انتهى .
وحاصل هذا وصفه بلين الرأس وسرعة الانحراف في صدر البيت وشدة العدو لكونه قال في صدر البيت : إنه حسن الصورة كامل النصبة في حالتي إقباله وإدباره وكرّه وفرّه ثم شبّهه في عجز البيت بجلمود صخر حطّه السيل من العلو لشدة العدو فهو في الحالة التي ترى يها لببه ترى فيها كفله . وبالعكس .
وقوله : كميت يزلّ اللبد الخ الكميت : الذي عرفه وذنبه أسودان وهو مجرور صفة منجرد .
والحال : مقعد الفارس من ظهر الفرس . والمتن :
____________________

ما اتصل بالظهر من العجز . والصفواء : الصخرة الملساء التي لا يثبت فيها شيء . و المتنزل اسم فاعل : الطائر الذي يتنزّل على الصخرة وقيل : هو السيل لأنه يتنزل الأشياء وقيل : هو المطر . والباء للتعدية . يقول : هذا الكميت يزلّ لبده عن حال متنه لانملاس ظهره واكتناز لحمه وهما يحمدان من الفرس كما يزلّ الحجر الأملس النازل عليه فلا يثبت عليه شيء .
وقوله : على الذب جيّاش الخ الذبل : الضمور . والجيّاش : الفرس الذي يجيش في عدوه كما تجيش القدر في غليانها . واهتزامه : صوته . وحميه : غليه . والمرجل بكسر الميم : كل قدر من حديد أو حجر أو نحاس أو خزف أو غيره . يقول : تغلي حرارة نشاطه على ذبول خلقه وضمر بطنه وكأن تكسّر صهيله في صدره غليان قدر . جعله ذكي القلب نشيطاً في العدو مع ضمره ثم شبّه تكسّر صهيله في صدره بغليان القدر .
وروي على العقب جيّاش . والعقب بفتح فسكون : جري بعد جري وقيل : معناه إذا حرّكته )
بعقبك جاش ولم تحتج إلى السوط فإذا كان آخر عدوه على هذه الحالة فما ظنك بأوله وجيّاش بالجر صفة منجرد .
وقوله : يزلّ الغلام الخفّ الخ يزلّ : يزلق . والخفّ بكسر المعجمة : الخفيف وسمع أبو عبيدة فتحها . والصهوة : موضع اللبد وهو مقعد الفارس . وجمعها بما حولها . ويلوي بالضم أي : يذهبها ويبعدها . والعنيف : من ليس له رفق . والمثقّل : الثقيل . قال بعضهم : إذا كان راكب الفرس خفيفاً رمى به وإن كان ثقيلاً رمى بثيابه . والجيد أن المعني بأثواب
____________________

العنيف نفسه لأنه غير حاذق بركوبه . وقيل : معناه أنه إذا ركبه العنيف لم يتمالك أن يصلح ثيابه وإذا ركبه الغلام الخفّ زلّ عنه لسرعته ونشاطه وإنما يصلح له من يداريه .
وقوله : درير كخذروف الوليد الخ درير : مستدرّ في العدو . ويصف سرعة جريه .
والخذروف بالضم : الخرّارة التي يلعب بها الصبيان يسمع لها صوت . وأمرّه : احكم فتله . يقول : هو يدرّ الجري أي : يديمه ويواصله ويسرع فيه إسراع خذروف الصبي إذا أحكم فتل خيطه وتتابعت كفّاه في فتله وإدارته بخيط انقطع ثم وصل . وذلك أشدّ لدورانه لانملاسه .
وقوله : أيطلا ظبي الخ الأيطل : الخاصرة . وإنما شبهه بأيطل الظبي لأنه طاو . وقال : ساقا نعامة والنعامة قصيرة الساقين صلبتهمت وهي غليظة ظمياء ليست برهلة . ويستحب من الفرس قصرالساق لأنه أشدّ لرميها لوظيفها . ويستحب منه مع قصر الساق طول وظيف الرجل وطول الذراع لأنه أشدّ لدحوه أي : لرميه بها . والإرخاء : جري ليس بالشديد . وفرس مرخاء .
وليس دابّة أحسن إرخاء من الذئب . والسرحان : الذئب . والتقريب : أن يرفع يديه معاً ويضعهما معاً . والتتفل : بضم التاء الأولى وفتحها مع الفاء : ولد الثعلب وهو احسن الدواب تقريباً .
وقوله : مسحّ إذا ما السابحات الخ المسح بكسر الميم : الفرس الذي كأنه يصبّ الجري صبّاً .
والسابحات : اللواتي عدوهنّ سباحة . والسباحة في الجري : أن تدحو بأيديها دحواً أي : تبسطها . والونا بفتح الواو والنون يمدّ ويقصر : الفتور . والكديد بفتح الكاف : الموضع الغليظ . و المركّل اسم مفعول : الذي يركّل بالأرجل . يقول : إن الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار بأرجلها من التعب جرى هذا الفرس جرياً سهلاً كما يسحّ السحاب المطر . وعلى تتعلق بأثرن وكذلك الباء . )
____________________


وقوله : ضليع إذا استدبرته الخ الضليع : العظيم الأضلاع المنتفخ الجنبين ضلع يضلع ضلاعة .
والاستدبار : النظر إلى دبر الشيء . والفرج هنا : ما بين الرجلين . والضافي : السابغ . والأعزل : المائل النب . ويكره من الفرس أن يكون أعزل ذنبه إلى جانب وأن يكون قصير الذنب وأن يكون طويلاً يطأ عليه . ويستحب أن يكون سابغاً قصير العسيب .
وقوله : كأن سراته لدى البيت الخ السراة بالفتح : الظهر . والمداك بالفتح الحجر الذي يسحق به والمدوك بالكسر : الحجر الذي يسحق عليه من الدوك وهو السحق والطحن . والصلابة بالفتح : الحجر الأملس الذي يسحق عليه شيء . يقول : إذا كان قائماً عند البيت غير مسرج رأيت ظهره أملس فكأنه مداك عروس : في صفائها وانملاسها . وإنما قيّد المداك بالعروس لأنه قريب العهد بالطيب . وقيّد الصلابة بالحنظل لأن حبّ الحنظل يخرج دهنه فيبرق على الصلابة .
ورواه العسكري في التصحيف صراية قال : ومما يروى على وجهين مداك عروس أو صراية حنظل : رواية الأصمعي صراية بالصاد مفتوحة غير معجمة وتحت الياء نقطتان وهي الحنظلة الخضراء وقيل : هي التي اصفرّت لأنها إذا اصفرّت برقت وهي قبل أن تصفرّ مغبرّة . قال : ومثله : ( إذا أعرضت قلت دبّاءة ** من الخضر مغموسة في الغدر ) أي : من بريقها كأنها قرعة . قال الشاعر : ورواه أبو عبيدة صراية بكسر الصاد وقال : هو الماء الذي ينقع فيه الحنظل ويقال : صرى يصري صرياً وصراية وهو أخضر صاف . ورواه بعضهم
____________________

صرابة حنظل بباء تحتها نقطة واحدة . فمن قال هذا أراد الملوسة والصفاء . يقال : اصرأبّ الشيء أي : املاسّ . انتهى .
وقوله : كأن دماء الهاديات بنحره الخ الهاديات : المتقدمات والأوائل . ويريد بعصارة الحناء ما بقي من الأثر . والمرجّل بالجيم : المسرّح والترجيل : التسريح . يقول : إنه يلحق أوّل الوحش فإذا لحق أوّلها علم أنه قد أحرز آخرها وإذا لحقها طعنها فتصيب دماؤها نحره . وقوله : فعنّ لنا سرب الخ عنّ : عرض وظهر . والسرب بالكسر : القطيع من البقر والظباء والنساء .
والنعاج : جمع نعجة وهي الأنثى من بقر الوحش ومن الضأن . ودوار بالفتح : صنم كانوا يدورون حوله أسابيع كما يطاف بالبيت الحرام . )
والملاء بضم الميم : جمع ملاءة وهي الملحفة . والمذيّل : السابغ وقيل : معناه له هدب وقيل : إن معناه له ذيل أسود . وهو أشبه بالمعنى لأنه يصف بقر الوحش وهي بيض الظهور سود القوائم . يقول : إن هذا القطيع من البقر يلوذ ببعضه ويدور كما تدور العذارى حول دوار . وهو نسك كانوا في الجاهلية يدورون حوله .
وقال العسكري في التصحيف : يروى دوار بدال مضمومة ودوار بدال مفتوحة واو مخففة .
وهو نسك كان لهم في الجاهلية يدار حوله . ودوّار في غير هذا بفتحه الدال وتشديد الواو سجن فياليمامة . ودوّار مضموم الدال مثقّل الواو : موضع انتهى .
وقال الزوزني : المذيّل : الذي أطيل ذيله وأرخي . يقول : تعرّض لنا قطيع من بقر الوحش كأن إناثه عذارى يطفن حول حجر منصوب يطاف حوله في ملاء طويلة الذيل . شبّه البقر في بياض ألوانها بالعذارى لأنهن مصونات بالخدور لا يغير ألوانهن حرّ الشمس وغيره وشبّه طول أذنابها وسبوغ شعرها بالملاء المدذيّل . وشبذه حسن مشيها بحسن تبختر العذارى في مشيهنّ .
وقوله : فأدبرن كالجزع المفصّل الخ الجزع بالفتح : الخرز وقال
____________________

أبو عبيدة بالكسر وهو الخرز الذي فيه سواد وبياض . وبجيد أي : في جيد وهو العنق ومعنى معمّ مخول أي له أعمام وأخوال وهم في عشيرة واحدة كأنه قال : كريمالأبوين . وإذا كان كذلك كان خرزه أصفى وأحسن .
يصف أن هذه البقر من الوحش تفرّقت كالجزع أي : كانها قلادة فيها خرز قد فصّل بينه بالخرز وجعلت القلادة في عنق صبيّ كريم الأعمام والأخوال . شبّه بقر الوحش بالخرز اليماني لأنه يسود طرفاه وسائره أبيض وكذلك بقر الوحش يسودّ أكارعها وخدودها وسائرها أبيض .
شرط كونه جيد معمّ مخول لأن جواهر قلادة مثل هذاالصبي أعظم من جواهر قلادة غيره .
وقوله : فألحقه بالهاديات تقدم شرحه . وقوله : فعادى عداء بين ثور ونعجة الخ عادى : والى بين اثنين في طلق ولم يعرق أي : أدرك صيده قبل أن يعرق . وقوله : فيغسل : أي : لم يعرق فيصير كأنه قد غسل بالماء . ودراكاً بمعنى مداركة في موضع الحال . ولم يرد ثوراً ونعجة فقط وإنما أراد الكثير والدليل عليه قوله دراكاً ولو أرادهما فقط لاستغنى عنه بعاذى . وفيه مبالغة لا تخفى .
وقوله : فظلّ طهاة اللحم الخ هو جمع طاه وهو الطباخ . والصفيف : الذي قد صفّف مرقّقاً )
على الجمر وهو شواء الأعراب . والقدير : ما طبخ في قدر . ووصف بمعجّل لأنهم كانوا يستحسنون تعجيل ما كان من الصيد يستطرفونه . يقول : ظلّ المنضجون اللحم وهو صنفان : صنف ينضجون شوائً مصفوفاً على الحجارة في النار والجمر وصنف يطبخون اللحم في القدر . يقول : كثر الصيد فأخصب القوم فطبخوا واشتووا . ومن للتفصيل والتفسير نحوهم من بين عالم أو زاهد يريد أنهم لا يعدون الصنفين . وصفيف : منصوببمنضج وهو اسم فاعل .
وقدير : مجرور بتقدير مضاف معطوف على منضج والتقدير :
____________________

أو طابخ قدير أو لا تقدير لكنه معطوف على صفيف وخفض على الجوار أو على توهم أن الصفيف مجرور بالإضافة وعند البغداديين هو معطوف على صفيف من قبيل العطف على المحلّ ولا يشترطون أن يكون المحلّ وقوله : ورحنا يكاد الطرف الخ يقول : إذا نظرت العين إلى هذا الفرس أطالت النظر إلى ما ينظر منه لحسنه فلا تكاد العين تستوفي النظر إلى جميعه . ويحتمل أن يكون معناه : أنه إذا نظرت إلى هذا الفرس لم تدم النظر إليه لئلا يصاب بالعين لحسنه .
وقوله : متى ما ترقّ الخ أي : متى نظرت إلى أعلاه نظرت إلى أسفله لكماله ليستتم النظر إلى جميع جسده . أصلهما تترقّ وتتسهّل بتاءين وجزما على أنّ الأوّل فعل الشرط والثاني جوابه .
وما زائدة وروي : ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه والطرف بالكسر : الكريم الطرفين . وينفض رأسه من المرح والنشاط .
وقوله : فبات عليه سرجه في بات ضمير الكميت وجملة عليه سرجه خبر بات وبات الثاني معطوف على الأول وبعيني خبره أي : بحيث أراه وقائماً حال وغير مرسل أي : غير مهمل .
ومعناه : أنه لما جيء به من الصيد لم يرفع عنه سرجه وهو عرق ولم يقلع لجامه فيعتلف على التعب فيؤذيه ذلك .
ويجوز أن يكون معنى فبات عليه سرجه الخ أنهم مسافرون كانه أراد الغدوّ فكان معدّاً لذلك . والله أعلم .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الرابع بعد المائتين ( وغنّ امرأً أسرى إليك ودونه ** من الأرض موماة وبيداء سملق ) لما تقدّم قبله : فإن جملة قوله : ودونه من الأرض موماة من المبتدأ والخبر حال لا الظرف وحده كما بيناه . وصاحب الحال الفاعل المستتر في قوله أسرى العائد إلى امرئ . وأسرى : بمعنى سرى قال في الصحاح : وسريت سرىً ومسرىً وأسريت بمعنى : إذا سرت ليلاً . وبالألف لغة أهل الحجاز وجاء القرآن بهما جميعاً . والكاف من إليك مكسورة لأنه خطاب مع ناقته .
ودون هنا بمعنى أمام وقدّام . والموماة بالفتح : الأرض التي لا ماء فيها وفي القاموس : الموماء والموماة : الفلاة والجمع الموامي . وأشار إلى أنها فوعلة : لأنه ذكرها في المعتلّ الآخر بالواو .
والبيداء : القفر فعلاء من باد يبيد : إذا هلك . والسملق : الأرض المستوية . وبيداء معطوف على موماة وسملق صفته . وجملة أسرى إليك صفة امرئ . وخبر إن المحقوقة في بيت بعده وهو : ( لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ** وأن تعلمي أن المعان موفّق ) وقد أنشد المحقق الشارح هذين البيتين في باب الضمير على أن الكوفيين استدلوا بهذا على أنه يجوز ترك التأكيد بالمنفصل في الصفة الجارية على غير من هي له عند امن اللبس والأصل لمحقوقة أنت . وهذه مسألة خلافية بين البصريين والكوفيين يأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى في باب الضمير .
ومطلع هذه القصيدة : ( أرقت وما هذا السهاد المؤرّق ** وما بي من سقم وما بي معشق ) قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء : سمع كسرى انوشروان يوماً الأعشى يتغنى بهذا البيت فقال : ما يقول هذا العربيّ قالوا : يتغنى بالعربية . قال : فسّروا قوله . قالوا : زعم أنه سهر من غيرمرض ولا عشق . قال : فهذا إذاً لصّ .
وبعد هذا المطلع بأبيات في وصف الخمرة وهو من أبيات الكشّاف والقاضي : ( تريك القذى من دونها وهي دونه ** إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق ) وهذا وصف بديع في صفاء الخمرة . والتمطّق : التذوّق . قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء : أراد أنها من صفائها تريك القذاة عالية عليها والقذى في أسفلها فأخذه الأخطل فقال : ( ولقد تباكرني على لذّاتها ** صهباء عالية القذى خرطوم ) )
اه وسيأتي إن شاء الله عز وجل بعض هذه القصيدة في باب الضمير وبعضها في عوض من باب الظروف .
وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس بعد المائتين كما انتفض العصفور بلّله القطر هذا عجز وصدره : وإني لتعروني لذكراك هزّة على ان الأخفش والكوفيين استدلوا بهذا على أنه لم تجب قد مع الماضي المثبت الواقع حالاً فإن جملة بلّله القطر من الفعل والفاعل حال من العصفور وليس معها قد لا ظاهرة ولا مقدرة .
وهذه المسألة أيضاً خلافية : ذهب الكوفيين إلى أن الماضي المثبت بدون قد يقع حالاً بدليل قوله تعالى : أو جاؤكم حصرت صدورهم فحصرت حال بدليل قراءة الحسن البصري ويعقوب والمفضل عن عاصم : أو جاؤكم حصرةً صدورهم وقول أبي صخر الهذلي : كما انتفض العصفور بلّله القطر وقال البصريون : لا يجوز وقوعه حالاً بدون قد لوجهين : أحدهما : انه لا يجوز يدلّ على الحال والثاني : أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال فيه الآن نحو : مررت بزيد يضرب وهذا لا يصلح في الماضي ولهذا لم يجز ما زال زيد قام لأن ما زال وليس يطلبان الحال وقام ماض ولا يلزم على كلامنا إذا كان مع الماضي قد لن قد تقرّب الماضي من الحال .
وأما الآية والبيت فقد فيهما مقدرة وقال بعضهم : حصرت صفة لقوم المجرور في أول الآية وهو : إلا الذين يصلون إلى قوم وما بينهما اعتراض ويؤيده أنه قرئ بإسقاط أو . وعلى ذلك يكون جاؤكم صفة لقوم ويكون حصرت صفة ثانية . وقيل : صفة لموصوف لمحذوف أي : قوماً حصرت صدورهم .
قال صاحب اللباب : وهذا مذهب سيبويه وهو ضعيف لأنه إذا قدّر الموصوف يكون حالاً موطّئة وصفة الموطئة في حكم الحال في إيجاب تصدّرها بقد وهو يمنع حذف قد لا سيّما والموصوف محذوف فّن الصفة تكون في صورة الحال فالإتيان بقد يكون أولى . )
وقال المبرّد : جملة حصرت إنشائية معناها الدعاء عليهم فهي مستانفة . وردّ بأن الدعاء عليهم بضيق قلوبهم عن قتال قومهم لا يتجّه . وقيل : حصرت بدل اشتمال من جاؤكم لأن المجيء مشتمل على الحصر . وفيه بعد لأن الحصر من صفة الجائين لا من صفة المجيء .
وقد بسط ابن الأنباري الكلام على هذه المسألة في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف .
واستشهد ابن هشام بهذا البيت في شرح الألفيّة على أن المفعول له يجرّ باللام إذا فقد بعذ شروطه فإن قوله هنا لذكراك مفعول له جرّ باللام لأن فاعله غير فاعل الفعل المعلّل . وهو قوله لتعروني فإن فاعله هزة وفاعل ذكراك المتكلم فإنه مصدر مضاف لمفعوله وفاعله محذوف أي : لذكري إياك .
والهزة بفتح الهاء : الحركة يقال : هززت الشيء : إذا حركته وأراد بها الرعدة . وروي بدلها رعدة .
وروى القاليّ في أماليه فترة . وسئل ابن الحاجب : هل تصح رواية القاليّ فأجاب : يستقيم ذلك على معنيين : احدهما أن يكون معنى لتعروني لترعدني أي : تجعل عندي العرواء وهي الرعدة كقولهم : عري فلان : إذا أصابه ذلك لأن الفتور الذي هو السكون عن الإجلال والهيبة يحصل عنه الرعدة غالباً عادة فيصح نسبة الإرعاد إليه فيكون كما انتفض منصوباً انتصاب قولك : أخرجته كخروج زيد إما على معنى كإخراج زيد وإما لتضمنه معنى خرج غالباً فكأنه قيل خرج فصحّ لذلك مثل خروج زيد وحسن ذلك تنبيهاً على حصول المطاوع الذي هو المقصود في مثل ذلك فيكون أبلغ في الاقتصار على المطاوع إذ قد يحصل المطاوع دونه مثل أخرجته فلا يخرج .
والثاني : أن يكون معنى لتعروني لتأتيني وتأخذني فترة أي : سكون للسرور الحاصل من الذكرى وعبّر بها عن النشاط لأنها تستلزمه غالباً تسمية للمسبّب باسم السبب كأنه قال : ليأخذني نشاط كنشاط العصفور . فيكون كما انتفض إما منصوباً نصب له صوت صوت حمار وله وجهان : أحدهما : أن يكون التقدير يصوّت صوت حمار وإن لم يجز إظهاره استغناء عنه بما تقدم .
والثاني : أن يكون منصوباً بما تضمنته الجملة من معنى يصوّت وإما مرفوعاً صفة لفترة أي : نشاط مثل نشاط العصفور . . وهذه الأوجه الثلاثة المذكورة في الوجه الثاني في إعراب كما )
انتفض تجري على تقدير رواية رعدة وهزّة . وروى الرمّاني عن السكري عن الأصمعي : ( إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها ** كما انتفض العصفور بلّله القطر ) وهذا ظاهر . اه .
وانتفض بمعنى تحرك يقال : نفضت الثوب والشجر : إذا حركته ليسقط مافيه . وبلّه يبلّه بلاًّ : إذا ندّاه بالماء ونحوه . والقطر : المطر .
وفي شرح بديعيّة العميان لابن جابر : أن هذا البيت فيه من البديع صنعة الاحتباك وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ويحذف من الثاني ما أثبت نظيره في الأول فإن التقدير فيه . وإني لتعروني لذكراك هزة وانتفاضة كهزة العصفور وانتفاضته . فحذف من الأول وهذا البيت من قصيدة لأبي صخر الهذلي . أورد بعضها أبو تمام في باب النسيب من الحماسة وكذلك الأصبهاني بعضها في الأغاني ورواها تماماً أبو عليّ القالي في أماليه عن ابن الأنباريّ وابن دريد . وهي هذه : ( لليلى بذات الجيش دار عرفتها ** وأخرى بذات البين آياتها سطر ) ( كأنهما ملآن لم يتغيرا ** وقد مرّ للدارين من عهدنا عصر ) ( وقفت بربعيها فعيّ جوابهافقلتوعيني دمعها سرب همر ** ألا أيها الركب المخبّون هل لكم ) ( فقالوا : طوينا ذاك ليلاً وإن يكن ** به بعض من تهوى فما شعر السّفر ) ( أما والذي أبكى وأضحك والذي ** أمات وأحيا والذي أمره الأمر ) ( لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ** بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر ) ( فما هو إلا أن أراها فجاءة ** فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر ) ( وأنسى الذي قد كنت فيه هجرتها ** كما قد تنسّي لبّ شاربها الخمر ) ( وما تركت لي من شذىً أهتدي به ** ولا ضلع إلا وفي عظمها كسر ) ( وقد تركتني أغبط الوحش أن أرى ** قرينين منها لم يفزّعهما نفر ) ( مخافة أني قد علمت لئن بدا ** لي الهجر منها ما على هجرها صبر ) ( وأني لا أدري إذا النفس أشرفت ** على هجرها ما يبلغن بي الهجر ) ( أبى القلب إلا حبها عامريةً ** لها كنيةً عمر وليس لها عمرو ) ) ( تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ** وينبت في أطرافها الورق الخضر ) ( وإني لتعروني لذكراك فترة ** كما انتفض العصفور بلله القطر ) ( تمنيت من حبي علية أننا ** على رمث في البحر ليس لنا وفر ) ( على دائم لا يعبر الفلك موجه ** ومن دوننا الأعداء واللجج الخضر ) ( فنقضي هموم النفس في غير رقبة ** ويغرق من نخشى نميمته البحر ) ( عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ** فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر ) ( فيا حب ليلى قد بلغت بي المدى ** وزدت على ما ليس يبلغه الهجر ) ( ويا حبها زدني جوىً كل ليلة ** ويا سلوة الأيام موعدك النضر ) ( هجرتك حتى قيل : ما يعرف الهوى ** وزرتك حتي قيل : ليس له صبر ) ( صدقت أنا الصب المصاب الذي به ** تباريح حب خامر القلب أو سحر ) ( فيا حبذا الأحياء ما دمت حيةً ** ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر ) فقوله : ملآن أصله من الآن . وقوله : أما والذي أبكى وأضحك الخ هو من أبيات الكشاف ومغني اللبيب أنشده في أما . وقوله : فما هو إلا أن أراها فجاءة الخ هو من أبيات سيبويه ويأتي شرحه إن شاء الله عز وجل في نواصب الفعل . وقوله : وما تركت لي من شذى هو بفتح الشين والذال المعجمتين بمعنى الشدة وبقية القوة . والضلع بكسر الضاد وفتح اللام .
وقوله : تمنيت من حبي علية أناا على رمث هو بفتح الراء والميم وبالثاء المثلثة قال القالي : أعود يضم بعضها إلى بعض كالطوف يركب عليها في البحر . وقوله : ما أبرم السلم النضر يقال : أبرم السلم : إذا خرجت برمته وهي ثمرته . قال في الصحاح : البرم محركة : ثمر العضاه الواحدة برمة وبرمة كل العضاه صفراء إلا العرفط فإن برمته بيضاء وبرمة السلم أطيب البرم ريحاً .
حكى الأصبهاني في الأغاني عن أبي إسحاق إبراهيم الموصلي قال : دخلت على الهادي فقال : غنني صوتاً ولك حكمك فغنيته : ( وإني لتعزوني لذكراك هزة ** كما انتفض العصفور بلله القطر ) فقال : أحسنت والله وضرب بيده إلى حبيب دراعته فشق منها ذراعاً ثم قال : زدني فغنيته : ( هجرتك حتى قيل : لا يعرف الهوى ** وزرتك حتى قيل : ليس له صبر ) ) ( فيا حبها زدني جوىً كل ليلة ** ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر ) فقال : أحسنت وشقّ باقي درّاعته من شدة الطرب ثم رفع رأسه إليّ وقال : تمن واحتكم فقلت : أتمنى عين مروان بالمدينة . قال : فرأيته قد دارت عيناه في رأسه فخلتهما جمرتين ثم قال : يا ابن اللخناء اتريد أن تشهرني بهذا المجلس وتجعلني سمراً وحديثاً يقول الناس أطربه فوهبه عين مروان . أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحة عقلك لألحقتك بمن غبر من اهلك . وأطرق إطراق الأفعوان فخلت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أمره . ثم رفع رأسه وطلب إبراهيم بن ذكوان وقال : يا إبراهيم خذ بيد هذا الجاهل وأدخله بيت المال فإن أخذ جميع ما فيه فدعه وإياه قال : فدخلت وأخذت من بيت المال خمسين ألف دينار . و أبو صخر الهذلي هو عبد الله بن سالم السهمي الهذلي شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية . كان متعصباً لبني مروان موالياً لهم وله في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز مدائح كثيرة . ولمّا ظهر عبد الله بن الزبير في الحجاز وغلب عليها بعد موت يزيد بن معاوية وتشاغل بنو أمية في الحرب بينهم في مرج راهط وغيره دخل عليه أبو صخر الهذلي في هذيل ليقبضوا عطاءهم وكان عارفاً بهواه في بني أمية فمنعه عطاءه فقال : تمنعني حقاً لي وأنا امرؤ مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً ولا أخرجت من طاعة يدا قال : عليك ببني أمية اطلب منهم عطاءك قال : إذاً أجدهم سبطة أكفهم سمحة أنفسهم بذلاً لأموالهم وهّابين لمجتديهم كريمة أعراقهم شريفة أصولهم زاكية فروعهم قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبهم وسببهم ليسوا إذا نسبوا بأذناب ولا وشائظ ولا أتباع ولا هم في قريش كفقعة القاع لهم السودد في الجاهلية والملك في الإسلام لا كمن لا يعدّ في عيرها ولا نفيرها ولا حكم آباؤه في نقيرها وقطميرها ليس من أحلافها المطيّبين ولا من ساداتها المطعمين ولا من هاشمها المنتخبين ولا عبد شمسها المسوّدين وكيف تقاس الأرؤس بالأذناب وأين النصل من الجفن وأين السنان من الزجّ والذنابى من القدامى وكيف يفضل الشحيح على الجواد والسوقة على الملوك والجائع بخلاً على المطعم فضلاً فغضب بن الزبير حتى ارتعدت فرائصه وعرق جبينه واهتز من قرنه إلى قدمه وامتقع لونه ثم قال له : يا ابن البوّالة على عقبيها يا جلف يا جاهل أما والله لولا الحرمات الثلاث : حرمة الإسلام وحرمة الشهر الحرام وحرمة الحرم لأخذت الذي فيه عيناك ثم أمر به إلى سجن عارم فحبس فيه مدّة ثم استوهبته هذيل ومن )
له في قريش خؤولة فأطلقه بعد سنة وأقسم أن لا يعطيه عطاءً مع المسلمين أبداً .
فلما كان عام الجماعة وولي عبد الملك بن مروان وحجّ لقيه أبو صخر فقرّبه وأدناه وقال له : إنه لم يخف عليّ خبرك مع الملحد ولا ضاع لديّ هواك ولا موالاتك . فقال : إذا شفى الله منه نفسي ورأيته قتيل سيفك وصريع أوليائك مصلوباً مهتوك الستر مفرّق الجمع فما أبالي ما فاتني من الدنيا ثم استأذنه في مديح فأنشده قصيدة وأمر له عبد الملك بما فاته من العطاء ومثله من ماله وحمله وكساه . كذا في الأغاني .
وأنشد بعده : ( يقول وقد ترّ الوظيف وساقها ** ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد ) تقدم شرحه في الشاهد الرابع والثمانين بعد المائة .
وأنشد بعده وهو الشاهد السادس بعد المائنين وهو من شواهد سيبويه : ( أفي السلم أعياراً جفاءً وغلظة ** وفي الحرب أشباه النساء العوارك ) على أن أعياراً وأشباه النساء منصوبان على الحال عند السيرافي ومن تبعه وعلى المصدر عند سيبويه .
قال السهيلي في الروض الأنف : هذا البيت لهند بنت عتبة قالته لفلّ قريش حين رجعوا من بدر . يقال : عركت المرأة : إذا حاضت . ونصب أعياراً على الحال والعامل فيه مختزل لأنه أقام الأعيار مقام اسم مشتق فكأنه قال : في السلم بلداء جفاة مثل الأعيار . ونصب جفاء وغلظة نصب المصدر الموضوع موضع الحال كما تقول : زيد الأسد شدّة أي : يماثله مماثلة شديدة فالشدة صفة للمماثلة كما أن المشافهة صفة للمكالمة إذا قلت : كلّمته مشافهة فهذه حال من المصدر في الحقيقة . وتعلّق حرف الجرّ من قولها أفي السلم بما أدّته الأعيار من معنى الفعل فكأنها قالت : أفي السلم تتبلدون . وهذا الفعل المختزل الناصب للأعيار ولا يجوز إظهاره اه .
وزعم العيني أن قوله : جفاء منصوب على التعليل أي : لأجل الجفاء والغلظة . ولا يخفى سقوطه . والهمزة لللاستفهام التوبيخي . والسلم بكسر السين وفتحها : الصلح يذكّر ويؤنث .
والأعيار : جمع عير بالفتح : الحمار أهلياً كان ام وحشياً وهو مثل في البلادة والجهل . والجفار )
قال في المصباح : وجفا الثوب يجفو : إذا غلظ فهو جاف ومنه جفاء البدو وهو غلظتهم وفظاظتهم . والغلظة بالكسر : الشدذة وضد اللين والسلاسة .
وروي أمثال بدل قوله أشباه . والعوارك : جمع عارك وهي الحائض من عركت المرأة تعرك كنصر ينصر عروكاً أي : حاضت . وبّختهم وقالت لهم : أتجفون الناس وتغلظون عليهم في السلم فإذا أقبلت الحرب لنتم وضعفتم كالنساء الحيض حرّضت المشركين بهذا البيت على المسلمين . والفلّ بفتح الفاء : القوم المنهزمون .
وهند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية بن ابي سفيان اخبارها قبل الإسلام مشهورة . وشهدت أحداً وفعلت ما فعلت بحمزة ثم كانت تؤلّب وتحرض على المسلمين إلى أن جاء الله بالفتح فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح .
كذا في الإصابة لابن حجر .
وأنشد بعده وهو الشاهد السابع بعد المائتين وهو من شواهد س : ( أنا ابن دارة مشهوراً بها نسبي ** وهل بدارة يا للناس من عار ) على أن قوله مشهوراً حال مؤكدة لمضمون الخبر . ومضمونه هنا الفخر وروي : أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي .
وقوله : نسبي نائب الفاعل لقوله مشهوراً . والباء من بها متعلقة به للا نائب الفاعل كما وهم العيني . وهذه الحال سببية . وهل للاستفهام الانكاري . ومن زائدة وعار مبتدأ من رفعه حركة حرف الجر الزائد . وبدارة خبره . ويا للناس اعتراض بين المبتدأ والخبر . ويا للنداء لا للتنبيه ولناس منادى لا ان المنادى محذوف تقديره : قومي . واللام للاستغاثة وهي تدخل ودارة اسم أمّ الشاعر وهو سالم بن دارة قال ابن قتيبة : وهي من بني أسد وسميت بذلك لأنها شبهت بدارة القمر من جمالها .
وقال الحلواني في كتاب أسماء الشعراء المنسوبين إلى أمهاتهم : دارة لقب بأمه واسمها سيفاء كانت أخيذة أصابها زيد الخيل من بعض غطفان منبني أسد وهي حبلى فوهبها زيد الخيل لزهير بن أبي سلمى . فربما نسب سالم بن دارة إلى زيد الخيل اه . )
وقال أبو رياش في شرح الحماسة والأصبهاني في الأغاني : دارة لقب جدّه واسمه يربع . وعلى هذا قد روي : أنا ابن دارة معروفاً به نسبي وروي أيضاً : معروفاً له نسبي .
وهذا البيت من قصيدة طويلة لسالم بن دارة هجا بها زميل بن أبير أحد بني عبد الله بن مناف الفزاري منه : ( بلغ فزارة إني لن أسالمها ** حتى ينيك زميل أم دينار ) ( لاتأمنن فزارياً خلوت به ** بعد الذي امتلّ أيّر العير في النار ) ( وغن خلوت به في الأرض وحدكما ** فاحفظ قلوصك واكتبها بأسيار ) ( أنا ابن دارة معروفاً له نسبي ** وهل بدارة يا للناس من عار ) ( جرثومة نبتت في العز واعتزلت ** تبتغي الجراثيم من عرف وإنكار ) ( من جذم قيس وأخوالي بنو أسد ** من أكرم الناس زندي فيهم واري ) وأمّ دينار هي أمّ زميل . وقوله : بعد الذي امتلّ أيّر العيل الخ العير بالفتح : الحمار . وامتلّ أير العير أي : شوى أير الحمار في الملة وهي الرماد الحار . وبنو فزارو يرمون بأكل أير الحمار مشوياً . وسيأتي إن شاء الله تعالى شرح هذا مستوفى في باب المثنى . والقلوص : الناقة الشابة .
واكتبها : من كتب الناقة يكتبها بضم التاء وكسرها : ختم حياءها أو خزمها بسير أو حلقة حديد لئلا ينزى عليها . والأسيار : جمع سير من الجلد . وعار الجواعر أي : بارز الأست والفقحة . والقسبار بضم القاف : الذكر الطويل العظم . وجرثومة الشيء بالضم : أصله .
وتبغي : من البغي يقال : بغى عليه بغياً : إذا علا عليه واستطال فأصله تبغي على الجراثيم .
والعرف بالضم : المعروف . والجذم بالكسر والفتح : الأصل . وورى الزند : كرمى : خرج ناره ويقال : ورت بك زنادي يقال : هذا في التمدح والافتخار . وتقدم سبب هجوه لبني فزارة وسبب هذه القصيدة مع ترجمته في الشاهد الخامس بعد المائة . ( باب التمييز ) أنشد فيه وهو الشاهد التاسع بعد المائتين وستّوك قد كربت تكمل على أن العدد الذي في آخره النون يضاف إلى صاحبه أكثر من إضافته إلى المميز أي : قرب أن يكمل ستون سنة من عمرك .
وهذا المصراع من قصيدة للكميت بن زيد مدح بها عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية . وأولها : ( أ أبكاك بالعرف المنزل ** وما أنت والطلل المحول ) ( وما أنت ويك ورسم الديار ** وستوك قد كربت تكمل ) قال الأصبهاني في الأغاني : كان بين بني أسد وبين طيئ حرب فاصطلحوا وبقي لطيئ دم رجلين فاحتمل ذلك رجل من بني أسد فمات قبل أن يوّفيه . فاحتمله الكميت فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة فمدحه الكميت فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة فمدحه الكميت رأيت الغواني وحشاً نفورا وأعانه زياد بن المغفل الأسدي فمدحه بقصيدته التي أولها : هل للشباب الذي قد فات من طلب ثم جلس الكميت وقد خرج العطاء . فأقبل الرجل يعطي الكميت المائتين والثلثمائة وأكثر وأقلّ كانت دية الأعرابي ألف بعير ودية الحضري عشرة آلاف درهم وكانت قيمة الجمل عشرة دراهم فأدّى الكميت عشرين ألفاً عن قيمة ألفي بعير اه فقوله : أأبكاك يخاطب نفسه ويقرره مستفهماً . والعرف بضم العين والراء المهملتين : موضع .
والمنزل : فاعل أبكاك قال الزمخشري في كتاب الأمكنة والمياه . عرفة الأملح وعرفة رقد وعرفة اعيار : مواضع تسمّى العرف . وأنشد بيت الكميت . وفي المحكم لابن سيده : العرف بضمتين موضع وقيل جبل . وأنشد البيت أيضاً . وكذا ضبطه أبو عبيد البكريّ في معجم ما استعجم وقال : هو ماء لبني أسد . وأنشد البيت وقال : ويخفّف بسكون الراء قال عباس بن مرداس : ( خفافيّة بطن العقيق مصيفها ** وتحتلّ في البادين وجرة والعرفا ) )
فدلّ قول عباس أن العرف بوادي بني خفاف اه .
وقوله : وما أنت الخ استفهام توبيخيّ ينكر بكاءه وهو شيخ على الأطلال . والطّلل : والمحول : اسم فاعل من أحول الشيء : إذا مرّ عليه حول وهي السنة . ويك : كلمة تفجّع وأصله ويلك . وستّوك مبتدأ وما بعده خبره والجملة حالية . وكرب بفتح الراء كروباً : دنا .
وكرب من أخوات كاد تعمل عملها واسمها ضمير الستين . وجملة تكمل في موضع نصب خبرها .
وترجمة الكميت بن زيد تقدمت في الشاهد السادس عشر .
وأشد بعده وهو الشاهد العاشر بعد المائتين ( فيا لك من ليل كأن نجومه ** بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل ) على أن قوله من ليل تمييز عن المفرد الذي هو الضمير المبهم في قوله يا لك .
وفيه أن الضمير غي رمبهم لتقدم مرجعه في البيت قبله وهو قوله : ألا أيها الليل الطويل كما يأتي فالتمييز فيه عن النسبة لا عن المفرد ومن لبيان الجنس . وقال المرادي في شرح الألفية : من زائدة في الكلام الموجب ولهذا يعطف على موضع مجرورها بالنصب كقول الحطيئة : يا سنه من قوام ومنتقبا وصحح هذا أبو حيان في الارتشاف . ويا : حرف نداء واللام للتعجب تدخل على المنادى إذا تعجّب منه . ولأجل هذا اورد ابن هشام هذا البيت في المغني قال في شرح بانت سعاد : الأصل يا إياك أو يا أنت ثم لمّا دخلت عليه لام الجر للتعجب انقلب الضمير المنفصل المنصوب أو المرفوع ضميراً متصلاً مخفوضاً .
وأورده المراديّ في شرح الألفية على ان اللام فيه للاستغاثة استغاث به منه لطوله كأنه قال : يا ليل ما أطولك قال ابن هشام : وإذا قيل يا لزيد بفتح اللام فهو مستغاث فإن كسرت فهو مستغاث لأجله والمستغاث محذوف فإن قيل يا لك احتمل الوجهين . والباء في قوله : بكل متعلّقة بشدّت . والمغار بضمّ الميم : اسم مفعول بمعنى المحكم من أغرت الحبل إغارة : إذا أحكمت فتله . ويذبل : اسم جبل لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل وصرفه للضرورة . يقول : إن نجوم الليل لا تفارق محالّها فكأنها مربوطة بكلّ حبل محكم الفتل في هذا الحبل . وإنما استطال )
الليل لمقاساة الأحزان فيه .
وهذا البيت من معلّقة امرئ القيس المشهورة . وفيها خمسة أبيات في وصف الليل وهي : ( وليل كموج البحر أرخى سدوله ** عليّ بأنواع الهموم ليبتلي ) ( فقلت له لمّا تمطى بصلبه ** وأردف أعجازاً وناء بكلكل ) ( ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ** بصبح وما الإصباح منك بأمثل ) ( كأن الثريا علّقت في مصامها ** بأمراس كتان إلى صمّ جندل ) فقوله : وليل الواو واو ربّ . و السدول : الستور جمع سدل وسدل ثوبه : إذا أرخاه . يقول : ربّ ليل يحاكي أمواج البحر في توحشه وهوله وقد أرخى عليّ ستور ظلامه مع أنواع الحزن ليختبرني : أأصبر أم أجزع وهذا بعد ان تغزّل تمدّح بالصبر والجلد .
وقوله : ف لت له لما تمطى الخ تمطى : امتد . وناء : نهض . والكلكل : الصدر . والأعجاز : الأواخر جمع عجز وهو من استعمال الجمع موضع الواحد . وقد استشهد ابن مالك بهذا البيت على ان الواو لا تدلّ على الترتيب لأن البعير ينهض بكلكله والأصل : فقلت له لمّا ناء بكلكله وتمطّى بصلبه وأردف أعجازه .
وقوله : ألا أيها الليل الطويل الخ انجلي : أمر بمعنى انكشف والياء إشباع . والإصباح : الصباح .
والأمثل : الأفضل . وأورد هذا البيت في تلخيص المفتاح على أن صيغة الأمر فيه للتمني ومعناه تمنى زوال ظلام الليل بضياء الصبح ثم قال : وليس الصباح بأفضل منك عندي لاستوائهما في مقاساة الهموم أو لأن نهاره يظلم في عينه لتوارد الهموم . فليس الغرض طلب الانجلاء من الليل لأنه لا يقدر عليه لكنه يتمناه تخلّصاً مما يعرض له فيه ولاستطالة تلك الليلة كأنه لا يرتقب انجلاءها ولا يتوقعه . فلهذا حمل على التمني دون التراخي .
قال الإمام الباقلاني في إعجاز القرآن : ومما يعدونه من محاسن هذه القصيدة هذه الأبيات الثلاثة وكان يعضهم يعارضها بقول النابغة : ( كليني لهمّ يا أميمة ناصب ** وليل أقاسيه بطيء الكواكب ) ( وصدر أراح الليل عازب همه ** تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب ) ( تقاعس حتى قلت ليس بمنقض ** وليس الذي يتلو النجوم بآيب ) وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء فقدّمت أبيات امرئ القيس واستحسن استعارتها وقد )
جعل لليل صدراً يثقل تنحّيه ويبطئ تقضّيه وجعل له أردافاً كثيرة . وجعل له صلباً يمتدّ ويتطاول . ورأوا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام من الاستعارات الوحشية البعيدة المستنكرة .
ورأوا أن الألفاظ جميلة . واعلم أن هذا صالح جميل وليس من الباب الذي يقال إنه متناه عجيب . وفيه إلمام بالتكلف ودخول في التعمّل انتهى .
وقوله : كأن الثريا علقت الخ المصام بفتح الميم : موضع الوقوف . والأمراس : الحبال جمع مرس محركة . والجندل : الحجارة . يقول : كأن الثريا مشدودةً بحبال إلى حجارة فليست تمضي .
قال العسكري في التصحيف : ومما خالف فيه ابن الأعرابي الأصمعي في المعنى لا في اللفظ قوله : فالهاء في مصامها عند الأصمعي ترجع إلى الثريا . ومعنى مصامها : موضعها ومقامها . وهو يصفالليل وأن نجومه لا تسير من طوله فكأن لها أواخي في الأرض تحبسها . هذا مذهب الأصمعي . و ايت هذا البيت في نوادر ابن الأعرابي وفسره بتفسير عجيب فقال ورواه : كأن نجوماً علقت في مصامه ثم فسر وقال : شبه ما بين الحوافر وجثمانه بالأمراس وضم جندل يعني جثمانه . فأخذ هذا البيت وصيره في وصف الفرس وحمله على أنه بعد : ( وقد أغتدي والطير في وكناتها ** بمنجرد قيد الأوابد هيكل اه ) وترجمة امرئ القيس قد تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين .
____________________

وأنشد بعده ، وهو الشاهد الرابع بعد المائتين : ( الطويل ) 204 - ( وإن امرأ أسرى إليك ودونه ** من الأرض موماة وبيداء سملق ) لما تقدم قبله : فإن جملة قوله : ' ودونه من الأرض موماة ' من المبتدأ والخبر ، حال لا الظرف وحده ، كما بيناه . وصاحب الحال الفاعل المستتر في قوله أسرى العائد إلى امرئ . و ' أسرى ' : بمعنى سرى ، قال في ' الصحاح ' : ' وسريت سرى ومسرى وأسريت ، بمعنى : إذا سرت ليلاً . وبالألف لغة أهل الحجاز ، وجاء القرآن بهما جميعاً . والكاف من ' إليك ' مكسورة ، لأنه خطاب مع ناقته . و ' دون ' هنا بمعنى أمام وقدام . و ' الموماة ' بالفتح : الأرض التي لا ماء فيها ؛ وفي ' القاموس ' : الموماء والموماة : الفلاة ؛ والجمع الموامي . وأشار إلى أنها فوعلة : لأنه ذكرها في المعتل الآخر بالواو . و ' البيداء ' : القفر ، فعلاء من باد يبيد : إذا هلك . و ' السملق ' : الأرض المستوية . و ' بيداء ' معطوف على موماة و ' سملق ' صفته . وجملة ' أسرى إليك ' صفة امرئ . وخبر إن ' لمحقوقة ' في بيت بعده ، وهو : ( لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ** وأن تعلمي أن المعان موفق ) وقد أنشد المحقق الشارح هذين البيتين في باب الضمير على أن الكوفيين استدلوا بهذا على أنه يجوز ترك التأكيد بالمنفصل ، في الصفة الجارية على غير من هي له ، عند أمن اللبس ؛ والأصل لمحقوقة أنت . وهذه مسألة خلافية بين البصريين والكوفيين يأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى في باب الضمير . ومطلع هذه القصيدة :
____________________

( أرقت وما هذا السهاد المؤرق ** وما بي من سقم وما بي معشق ) قال ابن قتيبة في ' كتاب الشعراء ' : ' سمع كسرى أنوشروان يوماً الأعشى يتغنى بهذا البيت ، فقال : ما يقول هذا العربي ؟ قالوا : يتغنى بالعربية . قال : فسروا قوله . قالوا : زعم أنه سهر من غير مرض ولا عشق . قال : فهذا إذا لص ' . وبعد هذا المطلع بأبيات في وصف الخمرة ، وهو من أبيات الكشاف والقاضي : ( تريك القذى من دونها وهي دونه ** إذا ذاقها من ذاقها يتمطق ) وهذا وصف بديع في صفاء الخمرة . و ' التمطق ' : التذوق . قال ابن قتيبة في ' كتاب الشعراء ' : أراد أنها من صفائها تريك القذاة عالية عليها ، والقذى في أسفلها فأخذه الأخطل فقال : ( الكامل ) ( ولقد تباكرني على لذاتها ** صهباء عالية القذى خرطوم ) ا . هـ ، وسيأتي إن شاء الله عز وجل ، بعض هذه القصيدة في باب الضمير وبعضها في عوض من باب الظروف . وترجمة الأعشى تقدمت في الشاهد الثالث والعشرين .
____________________

وأنشد بعدها ، وهو الشاهد الخامس بعد المائتين : ( الطويل ) 205 - كما انتفض العصفور بلله القطر هذا عجز ، صدره : ( وإني لتعروني لذاكرك هزة ** ) على أن الأخفش والكوفيين استدلوا بهذا على أنه لم تجب ' قد ' مع الماضي المثبت الواقع حالاً ؛ فإن الجملة ' بلله القطر ' من الفعل والفاعل ، حال من العصفور وليس معها قد ، لا ظاهرة ولا مقدرة . وهذه المسألة أيضاً خلافية : ذهب الكوفيون إلى أن الماضي المثبت بدون قد ، يقع حالاً بدليل قوله تعالى : ' أو جاؤكم حصرت صدورهم ' فحصرت حال بدليل قراءة الحسن البصري ويعقوب والمفضل عن عاصم : ' أو أجاؤكم حصرة صدورهم ' وقول أبي صخر الهذلي : ( كما انتفض العصفور بلله القطر ** ) وقال البصريون : لا يجوز وقوعه حالاً بدون قد ، لوجهين : أحدهما : أنه لا يدل على الحال ؛ والثاني : أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال
____________________

فيه الآن ، نحو : مررت بزيد يضرب ؛ وهذا لا يصلح في الماضي ؛ ولهذا لم يجز ما زال زيد قام ، وليس زيد قام ، لأن ما زال وليس يطلبان الحال وقام ماض ، ولا يلزم على كلامنا إذا كان مع الماضي ' قد ' ، لأن ' قد ' تقرب الماضي من الحال . وأما الآية والبيت ، فقد فيهما مقدرة ؛ وقال بعضهم : حصرت صفة لقوم المجرور في أول الآية ، وهو : ' إلا الذين يصلون إلى قوم ' وما بينهما اعتراض ، ويؤيده أنه قرئ بإسقاط أو . وعلى ذلك يكون جاؤكم صفة لقوم ويكون حصرت صفة ثانية . وقيل : صفة لموصوف محذوف ، أي : قوماً حصرت صدورهم . قال صاحب ' اللباب ' : وهذا مذهب سيبويه ؛ وهو ضعيف ، لأنه إذا قدر الموصوف يكون حالاً موطئة ، وصفة الموطئة في حكم الحال في إيجاب تصدرها بقد ، وهو يمنع حذف قد ، لا سيما والموصوف محذوف ، فإن الصفة تكون في صورة الحال ؛ فالإتيان بقد يكون أولى . وقال المبرد : جملة حصرت ، إنشائية معناها الدعاء عليهم ، فهي مستأنفة . ورد بأن الدعاء عليهم بضيق قلوبهم عن قتال قومهم لا يتجه . وقيل : حصرت بدل اشتمال من جاؤكم لأن المجيء مشتمل على الحصر . وفيه بعد ، لأن الحصر من صفة الجائين ، لا من صفة المجيء ؟ وقد بسط ابن الأنباري الكلام على هذه المسألة ، في كتاب ' الإنصاف في مسائل الخلاف ' . واستشهد ابن هشام بهذا البيت في ' شرح الألفية ' على أن المفعول له يجر باللام إذا فقد بعض شروطه ، فإن قوله هنا لذكراك ، مفعول له جر باللام ، لأن فاعله غير فاعل الفعل المعلل . وهو قوله لتعروني ؛ فإن فاعله هزة ، وفاعل ذكراك المتكلم ، فإنه مصدر مضاف لمفعوله وفاعله محذوف ، أي : لذكري إياك . و ' الهزة ' بفتح الهاء : الحركة ، يقال : هززت الشيء : إذا حركته ؛ وأراد بها الرعدة . وروي بدلها ' رعدة ' .
____________________

وروى القالي في أماليه ' فترة ' . وسئل ابن الحاجب : هل نصح رواية القالي ؟ فأجاب : يستقيم ذلك على معنيين : أحدهما أن يكون معنى لتعروني لترعدني ، أي : تجعل عندي العرواء ، وهي الرعدة ، كقولهم : عري فلان : إذا أصابه ذلك ، لأن الفتور الذي هو السكون عن الإجلال والهيبة ، يحصل عنه الرعدة غالباً عادة ، فيصبح نسبة الإرعاد إليه ، فيكون كما انتفض منصوباً انتصاب قولك : أخرجته كخروج زيد ، إما على معنى كإخراج زيد ، وإما لتضمنه معنى خرج غالباً ، فكأنه قيل خرج ، فصح لذلك مثل خروج زيد ، وحسن ذلك تنبيهاً على حصول المطاوع الذي هو المقصود في مثل ذلك ، فيكون أبلغ في الاقتصار على المطاوع ، إذ قد يحصل المطاوع دونه مثل أخرجته فلا يخرج . والثاني : أن يكون معنى ' لتعروني ' لتأتيني وتأخذني فترة ، أي : سكون ، للسرور الحاصل من الذكرى ؛ وعبر بها عن النشاط لأنها تستلزمه غالباً ، تسمية للمسبب باسم السبب ، كأنه قال : ليأخذني نشاط كنشاط العصفور . فيكون ' كما انتفض ' ، إما منصوباً نصب له صوت صوت حمار - وله وجهان : أحدهما : أن يكون التقدير يصوت صوت الحمار ، وإن لم يجز إظهاره استغناء عنه بما تقدم . والثاني : أن يكون منصوباً بما تضمنته الجملة من معنى يصوت - وإما مرفوعاً صفة لفترة ، أي : نشاط مثل نشاط العصفور . . وهذه الأوجه الثلاثة المذكورة في الوجه الثاني ، في إعراب ' كما انتفض ' ، تجري على تقدير رواية رعدة وهزة . وروى الرماني عن السكري ع الأصمعي : ( إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها ** كما انتفض العصفور بلله القطر )
____________________

وهذا ظاهر ا . هـ . و ' انتفض ' بمعنى تحرك ، يقال : نفضت الثوب والشجر : إذا حركته ليسقط ما فيه . وبله ويبله بلا : إذ نداه بالماء ونحوه . و ' القطر ' : المطر . وفي ' شرح بديعية العميان ' لابن جابر : أن هذا البيت فيه من البديع صنعة ' الاحتباك ' وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ، ويحذف من الثاني ما أثبت نظيره في الأول ؛ فإن التقدير فيه . وإني لتعروني لذكراك هزة وانتفاضة كهزة العصفور وانتفاضته . فحذف من الأول الانتفاض لدلالة الثاني عليه ، وحذف من الثاني الهزة لدلالة الأول عليه ا . هـ . وهذا البيت من قصيدة لأبي صخر الهذلي . أورد بعضها أبو تمام في باب النسيب من ' الحماسة ' ، وكذلك الأصبهاني بعضها في ' الأغاني ' ورواها تماماً أبو علي القالي في أماليه ، عن ابن الأنباري وابن دريد . وهي هذه : ( الطويل ) ( لليلى بذات الجيش دار عرفتها ** وأخرى بذات البين آياتها سطر ) ( كأنهما ملأن لم يتغيرا ** وقد مر للدارين من عهدنا عصر ) ( وقفت بربعيها فعي جوابها ** فقلت - وعيني دمعها سرب همر ) ( ألا أيها الراكب المخبون هل لكم ** بساكن أجراع الحمى بعدنا خبر ) ( فقالوا : طوينا ذاك ليلا وإن يكن ** به بعض من تهوى فما شعر السفر ) ( أما والذي أبكى وأضحك والذي ** أمات وأحيا والذي أمره الأمر )
____________________

( لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ** بتاتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر ) ( فما هو إلا أن أراها فجاءة ** فأبهت لا عرف لدي ولا نكر ) ( وأنسى الذي قد كنت فيه هجرتها ** كما قد تنسي لب شاربها الخمر ) ( وما تركت لي من شذى أهتدي به ** ولا ضلع إلا وفي عظمها كسر ) ( وقد تركتني أغبط الوحش أن أرى ** قرينين منها لم يفزعهما نفر ) ( ويمنعني من بعض إنكار ظلمها ** إذا ظلمت يوماً وإن كان لي عذر ) ( مخافة أني قد علمت لئن بدا ** لي الهجر منها ما على هجرها صبر ) ( وأني لا أري إذا النفس أشرفت ** على هجرها ما يبلغن بي الهجر ) ( أبى القلب إلا حبها عامرية ** لها كنية عمر وليس لها عمرو ) ( تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ** وينبت في أطرافها الورق الأخضر ) ( وإني لتعروني لذكراك فترة ** كما انتفض العصفور بلله القطر ) ( تمنيت من حبي علية أننا ** على رمث في البحر ليس لنا وفر ) ( على دائم لا يعبر الفلك موجه ** ومن دوننا الأعداء واللجج الخضر ) ( فنقضي هموم النفس في غير رقبة ** ويغرق من نخشى نميمته البحر ) ( عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ** فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر )
____________________

( فيا حب ليلى قد بلغت بي المدى ** وزدت على ما ليس يبلغه الهجر ) ( ويا حبها زدني جوى كل ليلة ** ويا سلوة الأيام موعدك الحشر ) ( فليس عشيات الحمى برواجع ** لنا أبداً ما أبرم السلم النضر ) ( هجرتك حتى قيل : ما يعرف الهوى ** وزرتك حتى قيل : ليس له صبر ) ( صدقت أنا الصب المصاب الذي به ** تباريح حب خامر القلب أو سحر ) ( فيا حبذا الأحياء ما دمت حية ** ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر ) فقوله : ' ملآن ' ، أصله من الآن . وقوله : ' أما والذي أبكى وأضحك الخ ' ، هو من أبيات ' الكشاف ' و ' مغني اللبيب ' ، أنشده في أما . وقوله : ' فما هو إلا أن أراها فجاءة الخ ' ، هو من أبيات سيبويه ، ويأتي شرحه إن شاء الله عز وجل في نواصب الفعل . وقوله : ' وما تركت لي من شذى ' ، هو بفتح الشين والذال المعجمتين ، بمعنى الشدة وبقية القوة ' . و ' الضلع ' ، بكسر الضاد وفتح اللام . وقوله : ' تمنيت من حبي علية أننا على رمث ' ، هو بفتح الراء والميم وبالثاء المثلثة ، قال القالي : أعواد يضم بعضها إلى بعض كالطواف ، يركب عليها في البحر . وقوله : ' ما أبرم السلم النضر ' ، يقال : أبرم السلم : إذا خرجت برمته وهي ثمرته . قال في ' الصحاح ' : ' البرم محركة : ثمر العضاه ، الواحدة برمة ؛ وبرمة كل العضاه صفراء إلا العرفظ فإن برمته السلم أطيب البرم ريحاً ' . حكى الأصبهاني في ' الأغاني ' عن أبي إسحاق إبراهيم الموصلي قال : دخلت
____________________

على الهادي فقال : غنني صوتاً ، ولك حكمك ! فغنيته : ( وإني لتعروني لذكراك هزة ** كما انتفض العصفور بلله القطر ) فقال : أحسنت والله ! وضرب بيده إلى حبيب دراعته فشق منها ذراعاً ، ثم قال : زدني ! فغنيته : ( هجرتك حتى قيل : لا يعرف الهوى ** وزرتك حتى قيل : ليس له صبر ) فقال : أحسنت . ثم ضرب بيده إلى دراعته فشق منها ذراعاً آخر ؛ ثم قال : زدني فغنيته : ( فيا حبها زدني جوى كل ليلة ** ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر ) فقال : أحسنت ! وشق باقي دراعته من شدة الطرب ، ثم رفع رأسه إلي وقال : تمن واحتكم ؟ فقلت : أتمنى عين مروان بالمدينة . قال : فرأيته قد دارت عيناه في رأسه ، فخلتهما جمرتين ؛ ثم قال : يا ابن اللخناء ، أتريد أن تشهرني بهذا المجلس ، وتجعلني سمراً وحديثاً ، يقول الناس أطربه فوهبه عين مروان . أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحة عقلك ، لألحقتك بمن غبر من أهلك . وأطرق إطراق الأفعوان ، فخلت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أمره . ثم رفع رأسه وطلب إبراهيم بن ذكوان وقال : يا إبراهيم خذ بيد هذا الجاهل وأدخله بيت المال ، فإن أخذ جميع ما فيه فدعه وإياه ؟ قال : فدخلت وأخذت من بيت المال خمسين ألف دينار . و ' أبو صخر الهذلي ' هو عبد الله بن سالم السهمي الهذلي شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية . كان متعصباً لبني مروان موالياً لهم ، وله في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز مدائح كثيرة . ولما ظهر عبد الله بن الزبير في الحجاز وغلب عليها ، بعد موت يزيد بن معاوية ، وتشاغل بنو أمية في الحرب بينهم في مرج راهط وغيره دخل عليه أبو صخر الهذلي ، ليقبضوا عطاءهم ، وكان عارفاً بهواه في بني أمية ، فمنعه عطاءه ؛ فقال : تمنعني حقاً لي وأنا امرؤ مسلم ما أحدثت
____________________

في الإسلام حدثاً ولا أخرجت من طاعة يدا ! قال : عليك ببني أمية ، اطلب منهم عطاءك ! قال : إذا أجدهم سبطة أكفهم ، سمحة أنفسهم ، بذلا لأموالهم ، وهابين لمجتديهم ، كريمة أعراقهم ، شريفة أصولهم ، زاكية فروعهم ، قريباً من رسول الله & نسبهم وسببهم [ ليسوا بأذناب ، ولا وشائظ ولا أتباع ، ولا هم في قريش كفقعة القاع ] ؛ لهم السودد في الجاهلية والملك في الإسلام ، لا كمن لا يعد في عيرها ولا نفيرها ، ولا حكم آباؤه في نقيرها وقطميرها ، ليس من أحلافهم المطيبين ؛ ولا من ساداتها المطعمين ؛ ولا من هاشمها المنتخبين ، ولا عبد شمسها المسودين ؟ ! وكيف تقاس الأرؤس بالأذناب وأين النصل من الجفن ، وأين السنان من الزج والذنابي من القدامى ؟ ! وكيف يفضل الشحيح على الجواد ، والسوقة على الملوك ، والجامع بخلا على المطعم فضلاً ؟ ! فغضب بن الزبير حتى ارتعدت فرائصه ، وعرق جبينه ، واهتز من قرنه إلى قدمه وامتقع لونه ؛ ثم قال له : يا ابن البوالة على عقبيها ، يا جلف يا جاهل ، أما والله لولا الحرمات الثلاث : كرمة الإسلام ، وحرمة الشهر الحرام ، وحرمة الحرم ، لأخذت الذي فيه عيناك ! ثم أمر به إلى سجن عارم ، فحبس فيه مدة ، ثم استوهبته هذيل ومن له في قريش خؤولة ، فأطلقه بعد سنة ، وأقسم أن لا يعطيه عطاءً مع المسلمين أبداً . فلما كان عام الجماعة وولي عبد الملك بن مروان وحج ، لقيه أبو صخر ، فقربه وأدناه وقال له : لم يخف علي خبرك مع الملحد ، ولا ضاع لدي هواك
____________________

ولا موالاتك . فقال : إذا شفى الله منه نفسي ، ورأيته قتيل سيفك وصريع أوليائك ، مصلوباً مهتوك الستر ، مفرق الجمع ، فما أبالي ما فاتني من الدنيا ! ثم استأذنه في مديح ، فأنشده قصيدة ، وأمر له عبد الملك بما فاته من العطاء ، ومثله من ماله ، وحمله وكساه . كذا في ' الأغاني ' . وأنشد بعده : ( الطويل ) ( يقول وقد تر الوظيف وساقها ** ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد ) تقدم شرحه في الشاهد الرابع والثمانين بعد المائة . وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس بعد المائتين ، وهو من شواهد سيبويه : ( الطويل ) 206 - ( أفي السلم أعياراً جفاء وغلطة ** وفي الحرب أشباه النساء العوارك ) على أن ' أعياراً ' و ' أشباه النساء ' منصوربان على الحال عند السيرافي ومن تبعه ، وعلى المصدر عند سيبويه . قال السهيلي في ' الروض الأنف ' : هذا البيت لهند بنت عتبة ، قالته لفل قريش حين رجعوا من بدر . يقال : عركت المرأة : إذا حاضت . ونصب ' أعياراً ' على الحال ؛ والعامل فيه مختزل ، لأنه أقام الأعيار مقام اسم مشتق ؛ فكأنه قال : في السلم بلداء جفاة مثل الأعيار . ونصب ' جفاء ' و ' غلظة ' نصب المصدر
____________________

الموضوع موضع الحال ، كما تقول : زيد الأسد شدة ، أي : يماثله مماثلة شديدة ؛ فالشدة صفة للمماثلة ، كما ، المشافهة صفة للمكالمة إذا قلت : كلمته مشافهة فهذه حال من المصدر في الحقيقة . وتعلق حرف الجر من قولها ' أفي السلم ' ، بما أدته الأعيار من معنى الفعل ، فكأنها قالت : أفي السلم تتبدلون . وهذا الفعل المختزل الناصب للأعيار ، ولا يجوز إظهاره ا . هـ . وزعم العيني أن قوله : طجفاء ' ، منصوب على التعليل ، أي : لأجل الجفاء والغلظة . ولا يخفى سقوطه . والهمزة للاستفهام الوبيخي . و ' السلم ' بكسر السين وفتحها : الصلح ، يذكر ويؤنث . و ' الأعيار ' : جمع عير بالفتح : الحمار أهلياً كان أم وحشياً ؛ وهو مثل في البلادة والجهل . و ' الجفاء ' قال في ' المصباح ' : وجفا الثوب يجفو : إذا غلظ ، فهو جاف ، ومنه جفاء البدو ، وهو غلظتهم وفظاظتهم . و ' الغلظة ' بالكسر : الشدة وضد اللين والسلاسة . وروي ' أمثال ' بدل قول أشباه . و ' العوارك ' : جمع عارك ، وهي الحائض ، من عركت المرأة تعرك ، كنصر ينصر ، عروكاً ، أي : حاضت . وبختهم قالت لهم : أتجفون الناس وتغلظون عليهم في السلم ، فإذا أقبلت الحرب لنتم وضعفتم ، كالنساء الحيض ؟ ! حرضت المشركين بهذا البيت على المسلمين . و ' الفل ' بفتح الفاء : القوم المنهزمون . و ' هند بنت عتبة ' بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، القرشية العبشمية ، والدة معاوية بن أبي سفيان ، أخبارها قبل الإسلام مشهورة . وشهدت أحداً وفعلت ما فعلت بحمزة ؛ ثم كانت تؤلب وتحرض على المسلمين ، إلى أن جاء الله بالفتح ، فأسلم زوجها ، ثم أسلمت هي يوم الفتح . كذا في ' الإصابة ' لابن حجر . وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع بعد المائتين ، وهو من شواهد س : ( البسيط )
____________________

207 - ( أنا ابن دار مشهوراً بها نسبي ** وهل بدارة يا للناس من عار ) على أن قوله ' مشهوراً ' حال مؤكدة لمضمون الخبر . ومضمونه هنا الفخر وروي : ' أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي . وقوله : ' نسبي ' ، نائب الفاعل لقوله مشهوراً . والباء من ' بها ' متعلقة به لا نائب الفاعل ، كما وهم العيني . وهذه الحال سببية . و ' هل ' للاستفهام الإنكاري . و ' من ' زائدة ، و ' عار ' مبتدأ منع من رفعه حركة حرف الجر الزائد . و ' بدارة ' خبره . و ' يا للناس ' اعتراض بين المبتدأ والخبر . و ' يا ' للنداء لا للتنبيه ؛ و ' للناس ' منادى ، لا أن المنادى محذوف تقديره : قومي . واللام للاستغاثة ، وهي تدخل على المنادى إذا استغيث نحو : يا لله ، لا أنها للتعجب المجرد خلافاً للعيني في الثلاثة . و ' دارة ' اسم أم الشاعر ، وهو سالم بن دارة ، قال ابن قتيبة : وهي من بني أسد ، وسميت بذلك لأنها شبهت بدارة القمر ، من جمالها . وقال الحلواني في كتاب ' أسماء الشعراء ' المنسوبين إلى أمهاتهم : ' دارة لقب أمه ، واسمها سيفاء ، كانت أخيذة أصابها زيد الخيل من بعض غطفان من بني أسد ، وهي حبلى ، فوهبها زيد الخيل لزهير بن أبي سلمى . فربما نسب سالم بن دارة إلى زيد الخيل ' ا . هـ .
____________________

قال أبو رياش في ' شرح الحماسة ' ، والأصبهاني في ' الأغاني ' : دارة لقب جده ، واسمه : يربوع . وعلة هذا قد روي : ( أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي ** ) وروي أيضاً : ' معروفاً له نسبي ' وهذا البيت من قصيدة طويلة لسالم بن دارة ، هجا بها زميل بن أبير أحد بني عبد الله بن [ عبد ] مناف الفزاري منها : ( البسيط ) ( بلغ فزارة إني لن أسالمها ** حتى ينيك زميل أم دينار ) ( لا تأمن فزارياً خلوت به ** بعد الذي امتل أير العير في النار ) ( وإن خلوت به في الأرض وحدكما ** فاحفظ قلوصك واكتبها بأسيار ) ( إني أخاف عليها أن يبيتها ** عاري الجواعر يغشاها بقسبار ) ( أنا ابن دارة معروفاً له نسبي ** وهل بدارة يا للناس من عار ) ( جرثومة نبتت في العز واعتدلت ** تبغي الجراثيم من عرف وإنكار ) ( من جذم قيس وأخوالي بنو أسد ** من أكرم الناس زندي فيهم واري ) وأم دينار هي أم زميل . وقوله : ' بعد الذي امتل أير العير الخ ' ، ' العير ' ،
____________________

بالفتح : الحمار . و ' اكتل أير العير ' ، أي : شوى أير الحمار في الملة ، وهي الرماد الحار . وبنو فزارة يرمون بأكل أير الحمار مشوياً . وسيأتي إن شاء الله تعالى شرح هذا مستوفى في باب المثنى . و ' القلوص ' : الناقة الشابة . و ' اكتبها ' : من كتب الناقة يكتبها بضم التاء وكسرها : ختم حياءها أو خزمها بسير أو حلقة حديد لئلا ينزى عليها . و ' الأسيار ' : جمع سير من الجلد . و ' عاري الجواعر ' ، أي : بارز الاست والفقحة . و ' القسبار ' ، بضم القاف : الذكر الطويل العظيم . وجرثومة الشيء ، بالضم : أصله . و ' تبغي ' : من البغي ، يقال : بغى عليه بغياً : إذا علا عليه واستطال ؛ فأوصله تبغي على الجراثيم . و ' العرف ' ، بالضم : المعروف . و ' الجذم ' ، بالكسر والفتح : الأصل . وورى الزند : كرمى : خرج ناره ؛ ويقال : ' ورت بك زندي ' يقال : هذا في التمدح والافتخار . وتقدم سبب هجوه لبني فزارة وسبب هذه القصيدة ، مع ترجمته ، في الشاهد الخامس بعد المائة .
____________________

باب التمييز أنشد فيه ، وهو الشاهد التاسع بعد المائتين : ( المتقارب ) 209 - وستوك قد كربت تكمل على أن العدد الذي في آخره النون يضاف إلى صاحبه أكثر من إضافته إلى المميز ، أي : قرب أن يكمل ستون سنة من عمرك . وهذا المصراع من قصيدة للكميت بن زيد ، مدح بها عبد الرحمن بن عنبسة بن سعد بن العاص بن أمية . وأولها : ( أ أبكاك بالعرف المنزل ** وما أنت والطلل المحمول ) ( وما أنت ويك ورسم الديار ** وستوك قد كربت تكمل ) قال الأصبهاني في ' الأغاني ' : ' كان بين بني أسد وبين طيئ حرب ، فاصطلحوا وبقي لطيئ دم رجلين ، فاحتمل ذلك رجل من بني أسد ، فمات قبل أن يوفيه . فاحتمله الكميت ، فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة ، فمدحه الكميت بهذه القصيدة ؛ وأعانه الحكم بن الصلت الثقفي ، فمدحه بقصيدته التي أولها : ( المتقارب ) ( [ رأيت الغواني وحشاً نفوراً ** )
____________________

وأعانه زياد بن المغفل الأسدي فمدحه بقصيدته التي أولها : ] ( البسيط ) ( هل للشباب الذي قد فات من طلب ** ) ثم أجلس الكميت ، وقد خرج العطاء ، فأقبل الرجل يعطي الكميت المائتين والثلثمائة وأكثر وأقل ؛ وكانت دية الأعرابي ألف بعير ، ودية الحضري عشرة آلاف درهم ؛ وكانت قيمة الجمل عشرة دراهم ، فأدى الكميت عشرين ألفاً عن قيمة ألفي بعير ' ا . هـ . فقوله : ' أأبكاك ' ، يخاطب نفسه ويقرره مستفهماً . و ' العرف ' ، بضم العين والراء المهملتين : موضع . و ' المنزل ' : فاعل بكاك ؛ قال الزمخشري في كتاب ' الأمكنة والمياه . عرفة الأملح ، وعرفة رقد ، وعرفة أعيار : مواضع تسمى العرف . وأنشد بيت الكميت . وفي ' المحكم ' لابن سيده : العرف بضمتين موضع ، وقيل جبل . وأنشد البيت أيضاً . وكذا ضبطه أبو عبيد البكري في ' معجم ما استعجم ' ، وقال : هو ماء لبني أسد . وأنشد البيت ، قال : ويخفف بسكون الراء ، قال عباس بن مرداس : ( الطويل ) ( خفافية بطن العقيق مصيفها ** وتحتل في البادين وجرة والعرفا ) فدل قول عباس أن ' العرف ' بوادي بني خفاف ا . هـ . وقوله : ' وما أنت الخ ' ، استفهام توبيخي ينكر بكاءه ، وهو شيخ ، على الأطلال . و ' الطلل ' : الشاخص من آثار الدار ، وشخص كل شيء . و ' المحول ' : اسم فاعل من أحول الشيء : إذا مر عليه حول ، وهي السنة . و ' ويك ' : كلمة تفجع ، وأصله ويلك . و ' ستوك ' مبتدأ ، وما بعده خبره ، والجملة حالية . و ' كرب ' بفتح الراء كروباً : دنا . وكرب من أخوات كاد تعمل
____________________

عملها ، واسمها ضمير الستين . وجملة ' تكمل ' في موضع نصب خبرها . وترجمة الكميت بن زيد تقدمت في الشاهد السادس عشر . وأنشد بعده ، وهو الشاهد العاشر بعد المائتين : ( الطويل ) 210 - ( فيا لك من ليل كأن نجومه ** بكل مغار الفتل شدت بيذبل ) على أن قوله ' من ليل ' تمييز عن المفرد الذي هو الضمير المبهم في قوله ' يا لك ' . وفيه أن الضمير غير مبهم ، لتقدم مرجعه في البيت قبله ، وهو قوله : ' ألا أيها الليل الطويل ' كما يأتي ، فالتمييز فيه عن النسبة لا عن المفرد ، و ' من ' لبيان الجنس . وقال المرادي في ' شرح الألفية ' : ' من ' زائدة في الكلام الموجب ، ولهذا يعطف على موضع مجرورها بالنصب ، كقوله الحطيئة : ( البسيط ) ( يا حسنه من قوام ما ومنتقبا ** ) وصحح هذا أبو حيان في ' الارتشاف ' . و ' يا ' : حرف نداء ؛ واللام للتعجب تدخل على المنادى إذا تعجب منه . ولأجل هذا أورد ابن هشام هذا البيت
____________________

في ' المغني ' ؛ قال في ' شرح بانت سعاد ' : الأصل يا أياك أو يا أنت ، ثم لما دخلت [ عليه ] لام الجر [ للتعجب ] انقلب الضمير المنفصل ، المنصوب أو المرفوع ، ضميراً متصلاً مخفوضاً . وأورده المرادي في ' شرح الألفية ' على أن اللام فيه للاستغاثة ، استغاث به منه لطوله ، كأنه قال : يا ليلما أطولك ! قال ابن هشان : وإذا قيل يا لزيد بفتح اللام فهو مستغاث ، فإن كسرت فهو مستغاث لأجله ، والمستغاث محذوف ، فإن قيل يا لك احتمل الوجهين . والباء في قوله : ' بكل ' متعلقة بشدت . و ' المغار ' بضم الميم : اسم مفعول بمعنى المحكم ، من أغرت الحبل إغارة : إذا أحكمت فتله . و ' يذبل ' : اسم جبل ، لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل ، وصرفه للضرورة . يقول : إن نجوم الليل لا تفارق محالها ، فكأنها مربوطة بكل حبل محكم الفتل في هذا الجبل . وإنما استطال الليل لمقاساة الأحزان فيه . وهذا البيت من معلقة امرئ القيس المشهور . وفيها خمسة أبيات في وصف الليل ، وهي : ( وليل كموج البحر أرخى سدوله ** علي بأنواع الهموم ليبتلي ) ( فقلت له لما تمطى بصلبه ** وأردف أعجازاً وناء بكلكل ) ( ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ** بصبح وما الإصباح منك بأمثل ) ( فيا لك من ليل كأن نجومه ** . . . . . . . . . . . . . . البيت )
____________________

( كأن الثريا علقت في مصامها ** بأمراس كتان إلى صم جندل ) فقوله : ' وليل ' ، الواو واو رب . و ' السدول ' : التسور ، جمع سدل ؛ وسدل ثوبه : إذا أرخاه . يقول : رب ليل يحاكي أمواج البحر في توحشه وهوله ، وقد أرخى علي ستور ظلامه مع أنواع الحزن ليختبرني : أأصبر أم أجزع ! وهذا ، بعد أن تغزل ، تمدح بالصبر والجلد . وقوله : ' فقلت له لما تمطى الخ ' ، ' تمطى ' : امتد . و ' ناء ' : نهض . و ' الكلكل ' : الصدر . و ' الإعجاز ' : الأواخر ، جمع عجز ، ؛ وهو من استعمال الجمع موضع الواحد . وقد استشهد ابن مالك بهذا البيت على أن الواو لا تدل على الترتيب ، لأن البعير ينهض بكلكله ، والأصل : فقلت له لما بكلكله وتمطى بصلبه وأردف أعجازه . وقوله ' ألا أيها الليل الطويل الخ ' ، ' أنجلي ' : أمر بمعنى انكشف ؛ والياء إشباع . و ' الإصباح ' : الصباح . و ' الأمثل ' : الأفضل . وأورد هذا البيت في ' تلخيص المفتاح ' على أن صيغة الأمر فيه للتمني . ومعناه تمنى زوال ظلام الليل بضياء الصبح ؛ ثم قال : وليس الصباح بأفضل منك عندي ، لاستوائهما في مقاساة الهموم ، أو لأن نهاره يظلم في عينه لتوارد الهموم . فليس الغرض طلب الانجلاء من الليل لأنه لا يقدر عليه ، لكنه يتمناه تخلصاً مما يعرض له في ، ولاستطالة تلك الليلة كأنه لا يرتقب انجلاءها ولا يتوقعه . فلهذا حمل على التمني دون الترجي . قال الإمام الباقلاني ، في ' إعجاز القرآن ' : ' ومما يعدونه من محاسن هذه القصيدة هذه الأبيات الثلاثة ، وكان بعضهم يعارضها بقول النابغة : ( الطويل ) ( كليني لهم يا أميمة ناصب ** وليل أقاسيه بطيء الكواكب )
____________________

( وصدر أراح الليل عازب همه ** تضاعف فيه الحزن من كل جانب ) ( تقاعس حتى قلت ليس بمنقض ** وليس الذي يتلو النجوم بآيب ) وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء ، فقدمت أبيات امرئ القيس واستحسن استعارتها ، وقد جعل لليل صدراً يثقل تنحيه ، ويبطئ تقضيه ؛ وجعل له أردافاً كثيرة . وجعل له صلباً يمتد ويتطاول . وأورا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام من الاستعارات الوحشية البعيدة المستنكرة . ورأوا أن الألفاظ جميلة . واعلم أن هذا صالح جميل ، وليس من الباب الذي يقال إنه متناه عجيب . وفيه إلمام بالتكلف ، ودخول في التعمل ' انتهى . وقوله : ' كأن الثريا علقت الخ ' ، ' المصام ' بفتح الميم : موضع الوقوف . و ' الأمراس ' : الحبال ، جمع مرس محركة . و ' الجندل ' : الحجارة . يقول : كأن الثريا مشدودة بحبال إلى حجارة ، فليست تمضي . قال العسكري في ' التصحيف ' : ومما خالف فيه ابن الأعرابي الأصمعي في المعنى لا في اللفظ ، قوله : ( كأن الثريا علقت . . . . ** . . . . . . . . . . . . . البيت ) فالهاء في ' مصابها ' عند الأصمعي ترجع إلى الثريا . ومعنى ' مصامها ' : موضعها ومقامها . وهو يصف الليل وأن نجومه لا تسير ، من طوله ، فكأن لها أواخي في الأرض تحبسها . وهذا مذهب الأصمعي . ورأيت هذا البيت في نوادر ابن الأعرابي وفسره بتفسير عجيب ، فقال ورواه : ( كأن نجوماً علقت في مصامه ** ) ثم فسر وقال : شبه ما بين الحوافر وجثمانه ، بالأمراس ، وصم جندل ، يعني
____________________

جثمانه . فأخذ هذا البيت وصيره الفرس ، وحمله على أنه بعد :
الشاهد الحادي عشر بعد المائتين ( ويلمّها روحة والرّيح معصفة ** والغيث مرتجز والليل مقترب ) لما تقدم قبله أعني كون التمييز يكون عن المفرد إذا كان الضمير مبهماً لا يعرف المقصود منه فإن الضمير في ويلمّها لم يتقدم له مرجع فهو مبهم ففسره بقوله : روحة : فهو تمييز عن المفرد أي : ويلمّ هذه الروحة في حال عصف الريح . فجملة والريح معصفة حال . ومعصفة : شديدة يقال : أعصفت الريح وعصفت لغتان والغيث هنا : الغيم . ومرتجز : مصوّت يريد صوت الرعد والمطر . ومقترب : قد قرب .
وهذا البيت من قصيدة طويلة جداً لذي الرمة . وهذا البيت من أواخرها . شبّه بعيره بالنعام في شدّة العدو ثم وصف النعام بما يقتضي شدة إسراعه فقال : ( حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه ** وهنّ لا مؤيس نأياً ولا كثب ) ( يرقدّ في ظلّ عرّاص ويطرده ** حفيف نافجة عنوانها حصب ) ( تبري له صعلة خرجاء خاضعة ** فالخرق دون بنات البيض منتهب )
____________________

( كأنها دلو بئر جدّ ماتحها ** حتى إذا ما رآها خانها الكرب ) ويلمّها روحة ( لا يذخران من الإيغال باقية ** حتى تكاد تفرّى عنهما الأهب ) الهيق بالفتح : ذكر النعام . وشام : نظر إلى ناحية فراخه . وأفرخ : جمع فرخ . وهنّ أي : الأفرخ .
والنأي : البعد . والكثب بفتح الكاف والمثلثة القرب . يقول : موضعهن ليس منه بالبعيد الذي يؤيسه من أن يطلبهن أي : يحمله على اليأس ولا بالقريب فيفتر . وقوله : يرقد أي : يعدو الهيق عدواً شديداً . والعرّاص بمهملات : غيم كثير البرق . والحفيف بإهمال الأول : صوت الريح .
والنافجة : الريح الشديدة الباردة . وعنوانها : أوائلها . وحصب بفتح فكسر : فيه تراب وحصباء وهذا مما يوجب الإسراع إلى المأوى .
وقوله : تبري له صعلة الخ تبري : تعرض لهذا الهيق . صعلة : نعامة دقيقة العنق وصغيرة الرأس .
خرجاء : مؤنث الأخرج وهو ما فيه سواد وبياض . خاضعة : فيها طمأنينة . والخرق بالفتح : الأرض البعيدة تنخرق فيها الرياح . وبنات البيض : الفراخ لأنها تخرج من البيضة . يقول : الهيق والصعلة يعدوان عدواً شديداً كأنهما ينتهبان الأرض انتهاباً كأنهما يأكلانها من شدة العدو )
فهما يركضان إلى فراخهما خائفين البرد والمطر وغيرهما .
وقوله : كأنها دلو الخ أي : كأن هذه الصعلة دلو انقطع حبلها بعد أن وصلت إلى فم البئر فمضت تهوي شبّهها بهذه الدلو التي هوت إلى أسفل . وجدّ : اجتهد . والماتح بالمثناة الفوقية : المستقي من البئر بالدلو . والكرب : العقد الذي على عراقيّ الدلو و العراقيّ : العودان اللذان في وسط الدلو . والمراد بخانها الكرب انقطع .
وقوله : ويلمّها روحة الخ أي : ويل أم هذه الروحة . وإنما لم يجز أن يعود الضمير على صعلة كما عاد عليها ضمير كأنها في البيت المتقدم لأنه قد فسّر
____________________

بروحة والتفسير يجب أن يكون عين المفسّر والروحة غير الصعلة فلا يفسّرها . ولو قال : ويلمّها رائحة لكان مرجع الضمير معلوماً : من صعلة وكان من تمييز النسبة لا المفرد . والروحة : مصدر راح يروح رواحاً وروحة : نقيض غدا يغدو غدوّاً . والرواح أيضاً : اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل .
وقوله : لا يذخران أي : لا يبقيانن يعني الهيق والصعلة . و الإيغال : الجدّ في العدو . والباقية : البقية . وتفرّى : تشقق . والأهب بضمتين : جمع إهاب أراد جلودهما . وهذا غاية في شدة العدو .
واعلم أنّ قولهم : ويلمّه وويلمّها قال ابن الشجريّ : يروى بكسر اللام وضمّها والأصل ويل لأمّه فحذف التنوين فالتقى مثلان : لام ويل ولام الخفض فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية فصار ويلّ أمّ مشدداً واللام مكسورة فخفّف بعد حذف الهمزة بحذف إحدى اللامين . فأبوا عليّ ومن أخذ أخذه نصّوا على أن المحذوف اللام المدغمة فأقرّوا لام الخفض على كسرتها وآخرون نصّوا على أن المحذوفة لام الخفض وحرّكوا اللام الباقية بالضمة التي كانت لها في الأصل . انتهى .
قال أبو عليّ في الإيضاح الشعري : حذف الهمزة من أمّ في هذا الموضع لازم على غير قياس كقوله : يابا المغيرة والدنيا مفجّعة ثم سئل لم لا يجوز أن يكون الأصل وي لامّه فتكون اللام جارّة ووي التعجّب فأجاب بأن الذي يدلّ على أن الأصل ويل لأمه والهمزة من أمّ محذوفة قول الشاعر :
____________________

( لأم الأرض ويل ما أجنت ** غداة أضرّ بالحسن السبيل ) )
وقال ابن السيد في شرح شواهد أدب الكاتب : ويلمه بكسر اللام وضمّها : فالضم أجاز فيه ابن جني وجهين : أحدهما : أنه حذف الهمزة واللام وألقى ضمّة الهمزة على لام الجرّ كما روي عنهم الحمد لله بضم لام الجر . و ثانيهما : أن يكون حذف الهمزة ولام الجر وتكون اللام المسموعة هي لام ويل . وأما كسر اللام ففيها ثلاثة أوجه : أحدهما أن يكون أراد ويل أمه بنصب ويل وإضافته إلى الأم ثم حذف الهمزة لكثرة الاستعمال وكسر لام ويل إتباعاً لكسرة الميم .
والثاني : أم يكون أراد ويل لأمه برفع ويل على الابتداء ولأمه خبره وحذف لام ويل وهمزة أم كما قالوا أيش لك يريدون أي شيء . فاللام المسموعة على هذا لام الجر .
والثالث : أن يكون الأصل ويل لأمه فيكون على هذا قد حذف همزة أم لا غير وهذا عندي أحسن هذه الأوجه لأنه أقل للحذف والتغيير . وأجاز ابن جنًي أن تكون اللام المسموعة هي لام ويل على أن يكون حذف همزة أم ولام الجر وكسر لام ويل إتباعاً لكسرة الميم . وهذا بعيد جداً . هذا إعلالها . وأما معناها فهو مدح خرج بلفظ الذم : والعرب تستعمل لفظ الذم في المدح يقال : أخزاه الله ما أشعره ولعنه الله ما أجرأه وكذلك يستعملون لفظ المدح في الذم يقال للأحمق : يا عاقل وللجاهل : يا عالم : ومعنى هذا يا أيها العاقل عند نفسه أو عند من يظنه عاقلاً . وأما قولهم : أخزاه الله ما أشعره ونحو ذلك من المدح الذي يخرجونه بلفظ الذم فلهم في ذلك غرضان : أحدهما : أن الإنسان إذا رأى الشيء فأثنى عليه ونطق باستحسانه فربما أصابه بالعين وأضر به فيعدلون عن مدحه إلى ذمه لئلا يؤذوه .
____________________


والثاني : أنهم يريدون أنه قد بلغ غاية الفضل وحصل في حد من يذم ويسب لأن الفاضل يكثر حساده والمعادون له والناقص لا يلتفت إليه : ولذلك كانوا يرفعون أنفسهم عن مهاجاة الخسيس ومجاوبة السفيه .
وفي القاموس : رجل ويلمه بكسر اللام وضمها داه : ويقال للمستجاد : ويلمه أي : ويل لمه وهذا استعمال ثان جعل المركب في حكم الكلمة الواحدة : وليست الهاء في آخره ضميراً بل )
هي هاء تأنيث للمبالغة فلا تعريف : ولهذا يقع وصفاً للنكرة قال أبو زيد في كتاب مسائية .
يقال هو رجل ويلمّه .
وروى ابن جنّي في سر الصناعة عن أبي علي عن الأصمعي أنه يقال : رجل ويلمّة . قال : وهو من قولهم : ويلمّ سعد سعدا والاشتقاق من الأصوات باب يطول استقصاؤه وعلى هذا يجوز دخول لام التعريف عليه قال الرياشي : الويلمة من الرجال : الداهية الشديد الذي لا يطاق . ولا يلتفت إلى قول أبي الحسن الأخفش فيما كتبه على كتاب مسائية : من كلام العرب السائر أن يقولوا للرجل الداهية : إنه لو يلمه صمحمحا والصمحمح : الشديد هذا هو المعروف والذي حكاه أبو زيد غير ممتنع جعله اسماً واحداً .
____________________

فأعربه . فاما حكاية الرياشي : في إدخال الألف واللام على اسم مضاف فلا أعلم له وجهاً . انتهى .
أقول : الذي رواه عن العرب من قولهم : إنه لو يلمه صمحمحا غير الذي قاله أبو زيد كما بيناه : فإنه جعل الكلمتان في حكم كلمة واحدة فلا إضافة فيه والهاء للمبالغة والكلمة حينئذ نكرة وترجمة ذي الرمة تقدمت في الشاهد الثامن في أوائل الكتاب .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الثاني عشر بعد المائتين ( ويلم أيام الشباب معيشة ** مع الكثر يعطاه الفتى المتلف الندي ) على أن قوله : معيشة تمييز عن النسبة الحاصلة بالإضافة كما بينه الشارح المحقق .
وقوله : ويلم أيام الخ دعاء في معنى التعجب أي : ما ألذ الشباب مع الغنى . وقد بينا قبل هذا البيت أصلها ومعناها . قال الطبرسي في شرح الحماسة : ويل إذا أضيفت بغير لام فالوجه فيه النصب تقول : ويل زيد أي : ألزم الله زيداً ويلاً . فإذا أضيفت باللام فقيل : ويل لزيد فالوجه أن ترفع على الابتداء . وجاز ذلك مع أنه نكرة لأن معنى الدعاء منه مفهوم والمعنى : الويل ثابت لزيد . فالأصل في البيت : ويل لأم لذات الشباب . قصد الشاعر إلى مدح الشباب وحمد لذاته بين لذات المعاش . وقد طاع لصاحبه الكثر وهو كثرة المال فاجتمع الغنى
____________________

والشباب له وهو سخي . انتهى .
وهذات البيت أول أبيات أربعة لعلقمة بن عبدة . وهي ثابتة في ديوانه . وقد اقتصر أبو تمام في الحماسة على البيت الأول والثاني وهو : ونسبهما لبعض بني أسد . ونسبهما في مختار أشعار القبائل لابنه وهو خالد بن علقمة بن عبدة . ونسبهما بعضهم لابن ابنه وهو عبد الرحمن بن علي بن علقمة بن عبدة . ونسبهما الأعلم الشنتمري في حماسته لحميد بن سجار الضبي . وكذا هو في حاشية الصحاح منسوب لحميد .
والكثر بضم الكاف ومثله القل : المال الكثير والمال القليل يقال : ماله قل ولا كثر . قال أبو عبيد : سمعت أبا زيد يقول : الكثر والكثير واحد . قال في الصحاح : هما بالضم والكسر .
وقوله : مع الكثر في موضع النصب صفة لمعيشة . وجملة يعطاه الخ بالبناء للمفعول : حال من الكثر والهاء ضمير الكثر وهو المفعول الثاني للعطاء . والفتى نائب الفاعل وهو مفعوله الأول .
والمتلف بالرفع : صفة للفتى وكذلك الندي . وروي : يعطاها بضمير المؤنث على أنه عائد على المعيشة مع قيدها . والفتى قال في الصحاح : هو السخي الكريم يقال : هو فتى بين الفتوة وقد تفتى وتفاتى والجمع فتيان وفتية وفتو على فعول وفتي مثل عصي . والمتلف : المفرق لماله يقال : رجل متلف لماله ومتلاف بالمبالغة . والندي : السخي قال في الصحاح : وندوت من الجود يقال : سن وللناس الندى فندوا بفتح الدال ويقال : فلان ندي الكف : إذا كان سخياً . وقد روي في ديوانه البيت هكذا : )
____________________


ويل بلذات الشباب معيشة فويلم لذات الشباب معيشة وقوله : وقد يعقل القل من عقله من باب ضرب إذا منعه . والقل بالضم فاعل والفتى مفعول . وروي : وقد يقصر القل من قصره : إذا حبسه أو من قصرت قيد البعير : إذا ضيقته من باب دخل يدخل . وروي أيضاً : وقد يقعد القل من أقعده : إذا منعه من القيام لحاجته .
والهم بالفتح : أول العزيمة قال ابن فارس : الهم : ما هممت به وهممت بالشيء هماً من باب قتل : إذا أردته ولم تفعله ومثله الهمة بالكسر وبالتاء . وقد يطلق على العزم القوي كذا في المصباح . ودون بمعنى قبل . وأنجد : جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض .
قال في الصحاح : ومنه قولهم فلان طلاع أنجد وطلاع الثنايا : إذا كان سامياً لمعالي الأمور .
ومعنى هذا البيت قد تداوله الشعراء وتصرفوا فيه منهم مسلم بن الوليد فقال : ( عرف الحقوق وقصرت أمواله ** عنها وضاق بها الغني الباخل ) ومنه قول آخر : ( أرى نفسي تتوق إلى أمور ** يقصر دون مبلغهن مالي ) ( فلا نفسي تطاوعني ببخل ** ولا مالي يبلغني فعالي ) ومنه قول الآخر :
____________________

( إذا أردت مساماة تقاعد بي ** عما أحاول منها رقة الحال ) وقريب منه قول الآخر : ( الناس اثنان في زمانك ذا ** لو تبتغي غير ذين لم تجد ) ( هذا بخيل وعنده سعة ** وذا جواد بغير ذات يد ) وأما البيتان الأخيران من الأبيات الأربعة فهما : ( وقد أقطع الخرق المخوف به الردى ** بعنس كجفن الفارسي المسرد ) ( كأن ذراعيها على الخل بعد ما ** ونين ذراعا مائح متجرد ) والخرق بالفتح : الأرض الواسعة التي تنخرق فيها الرياح . والردى : نائب فاعل المخوف .
والعنس بفتح العين وسكون النون : الناقة القوية الشديدة . والخل : مصدر خل لحمه خلاً وخلولاً أي : قل ونحف كذا في العباب . )
وقوله : ونين فعل ماض من الونى بالقصر وهو الضعف والفتور والكلال والإعياء . و المائح : الذي ينزل البئر فيملأ الدلو وذلك إذا قل ماؤها وفعله ماح يميح . وأما الماتح بالمثناة الفوقية فهو مستقي الدلو . و المتجرد : المشمّر ثيابه . و علقمة شاعر جاهلي ونسبته كما في الجمهرة لابن الكلبي و المؤتلف والمختلف للآمدي علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبيد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم انتهى .
وعبدة بفتح العين والباء وأما عبدة بن الطبيب فهو بسكون الباء . كذا في الصحاح . والعبدة محركة بمعنى القوة والسّمن والبقاء وصلاءة الطيب والأنفة .
قال صاحب المؤتلف والمختلف : علقمة في الشعراء جماعة ليسوا ممن أعتمد
____________________

ذكره ولكن أذكر علقمة الفحل وعلقمة الخصي وهما من ربيعة الجوع فأما علقمة الفحل فهو علقمة بن عبدة . . . إلى آخر نسبه المذكور . ثم قال : وقيل له علقمة الفحل من أجل رجل آخر يقال له علقمة الخصي .
وأما علقمة الخصي فهو علقمة بن سهل أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم ذكر أبو يقظان أنه كان يكنى أبا الوضاح . قال : وكان له إسلام وقدر . ومان سبب خصائه أنه أسر باليمن فهرب فظفر به فهرب ثانية فأخذ وخصي . وكان شاعراً وهو القائل : ( يقول رجال من صديق وصاحب ** أراك أبا الوضاح أصبحت ثاويا ) ( فلا يعدم البانون بيتاً يكنهم ** ولا يعدم الميراث مني المواليا ) ( وخفّت عيون الباكيات وأقبلوا ** إلى مالهم قد بنت عنه بماليا ) وقال غيره : إنما لقب بالفحل لأنه خلف على امرأة امرىء القيس لما حكمت له بأنه أشعر منه .
وذلك ما حكاه الأصمعي : أن امرأة القيس لما هرب من المنذر بن ماء السماء وجاور في طيء تزوج امرأة منهم يقال لها أم جندب . ثم إن علقمة بن عبدة نزل عنده ضيفاً وتذاكر الشعر فقال امرؤ القيس : أنا أشعر منك وقال علقمة : أنا أشعر منك واحتكما إلى امرأته أم جندب لتحكم بينهما فقالت : قولا شعراً تصفان فيه الخيل على روي واحد . فقال امرؤ القيس : ( خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ** لنقضي حاجات الفؤاد المعذب ) )
وقال علقمة : ( ذهبت من الهجران في كل مذهب ** ولم يك حقاً كل هذا التجنب ) ثم أنشداها جميعاً . فقالت لامرىء القيس : علقمة أشعر منك قال : وكيف ذلك قالت : لأنك قلت :
____________________

( فللسوط ألهوب وللساق درّة ** وللزجر منه وقع أهوج منعب ) فجهدت فرسك بسوطك ومريته بساقك وقال علقمة : ( فأدركهن ثانياً من عنانه ** يمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب ) فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه لم يضربه بسوط ولا مراه بساق ولا زجره قال : ما هو بأشعر مني ولكنك له وامق فطلّقها فخلف عليها علقمة فسمّي بذلك الفحل .
وقد أورد ابن حجر في الإصابة ابنه في المخضرمين فيمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره قال : علي بن علقمة بن عبدة التميمي ولد علقمة : الشاعر المشهور الذي يعرف بعلقمة الفحل وكان من شعراء الجاهلية من أقران امرئ القيس . ولعليّ هذا ولد اسمه عبد الرحمن ذكره المرزبانيّ في معجم الشعراء . فيلزم من ذلك أن يكون أبوه من أهل هذا القسم لأن عبد الرحمن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الثالث عشر بعد المائتين ( لله درّ أنوشروان من رجل ** ما كان أعرفه بالدّون والسفل ) على أن قوله : من رجل تمييز عن النسبة الحاصلة بالإضافة . وقد بينه الشارح المحقق رحمه الله تعالى .
وأنوشروان هو أشهر ملوك الفرس وأحسنهم سيرةً وأخباراً . وهو أنوشروان ابن قباد ابن فيروز .
وفي أيامه ولد النبي صلى الله عليه وسلم . وكان ملكاً جليلاً محبّباً للرعايا فتح الأمصار العظيمة في الشرق وأطاعته الملوك . وقتل
____________________

مزدك الزنديق وأصحابه وكان يقول بإباحة الفروج والأموال فعظم في عيون الناس بقتله . وبنى المباني المشهورة منها السور العظيم على جبل الفتح عند باب الأبواب ومنها الإيوان العظيم الباقي الذكر وليس هو المبتدئ بنائه بل ابتدأ به سابور وأنوشروان أتمّه وأتقنه حتى صار من عجائب الدنيا وانشق لولادة النبي صلى الله عليه وسلم . وأخبار أنوشروان مشهورة فلا نطيل بها .
وقوله : ما كان أعرفه كان زائدة بين ما وفعل التعجب . والدون بمعنى الرديء وهو صفة ومنه ثوب دون وقيل : مقلوب من الدنوّ والأدنى : الرديء . وفي القاموس : أن الدون للشريف والخسيس ضدّ . والسفل بكسر السين وفتح الفاء : جملة سفلة بكسر الأول وسكون الثاني والأصل فتح الأول وكسر الثاني نحو كلمة وكلمة . قال صاحب القاموس وسفلة الناس بالكسر وكفرحة : أسافلهم وغوغاؤهم وسفلة البعير كفرحة : قوائمه اتنهى .
والأوّل مستعار من الثاني وأصل الأوّل كفرحة وقد يخفف بحذف حركة الأول ونقل الكسر إليه كما يقال . في لبنة لبنة أو أن أسفله جمع سفيل كعيلة جمع علي كذا في الأساس . والفعل سفل ككرم سفالة بالفتح أي : نذل نذالة . وأما السفلة بالتحريك فهو جمع سافل . وقول مكانس : يجوز أن يقرأ بفتحتين وبفتحة فكسرة . قال في المصباح : سفل سفولاً من باب قعد قعد وسفل من باب قرب لغة : صار أسفل من غيره فهو سافل . وسفل في خلقه وعمله سفلاً من باب قتل وسفالاً والاسم السفل بالضم . وتسفّل . خلاف جاد ومنه قيل للأرذال سفلة بفتح فكسر وفلان من السفلة . ويقال أصله سفلة البهيمة وهي قوائمها . ويجوز التخفيف . .
والسفل خلاف العلو بالضم والكسر لغة وابن قتيبة يمنع الضم . والأسفل خلاف الأعلى . )
وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائتين
____________________

والأكرمين إذا ما ينسبون أبا هذا عجز وصدره : سيري أمام فإن الأكثرين حصىً على أنه كان الظاهر أن يقول آباء بالجمع وإنما وحّد الأب لأنهم كانوا أبناء أب واحد .
وقوله : سيري فعل أمر للمؤنثة . وأمام بضم الهمزة : منادى مرخّم أي : يا أمامة . وحصىً تمييز للأكثرين وكذلك أبا تمييز للأكرمين . ومعنى الحصى العدد وإنما أطلق على العدد لأن العرب أميون لا يقرؤون ولا يعرفون الحساب غنما كانوا يعدون بالحصى فأطلق الحصى على العدد واشتق منه الفعل فقيل أحصيت الشيء أي : عددته . وإذا : ظرف للأكرمين . وينسبون بالبناء للمفعول .
والأكرمين معطوف على اسم إن وخبرها قوم في البيت الذي بعده وهو : ( قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ** ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا ) ( قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ** شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا ) وهذه الأبيات من قصيدة للحطيئة يمدح بها بغيض بن عامر بن لأي بن شمّاس بن لأي بن أنف الناقة واسمه جعفر بن قريع بالتصغير بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم . ويهجو الزبرقان واسمه حصين بالتصغير بن بدر بن
____________________

امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب المذكور نسبه . وإنما لقّب جعفر بهذا لأن أباه نحر جزوراً فقسمها بين نسائه فقالت له أمه وهي الشّموس من بني وائل بن سعد هذيم : انطلق إلى أبيك فانظر هل بقي شيء من الجزور عنده فأتاه فلم يجد إلا رأسها فأخذ بأنفها يجرّه فقالوا : ما هذا قال : أنف الناقة .
فسمّي أنف الناقة .
وكان آل شمّاس في الجاهلية يعيّرون به ويغضبون منه . ولمّا مدحهم الحطيئة بهذا وإنما مدح منهم بغيض بن عامر صار فخراً لهم . وأراد بأنف الناقة بغيضاً وأهل بيته . وأراد بالذنب قال ابن رشيق في باب من رفعه الشعر ومن وضعه من العمدة : كان بنو أنف الناقة يفرقون من هذا الاسم حتى إن الرجل منهم كان يسأل : ممن هو فيقول : من بني قريع . فيتجاوز )
جعفراً أنف الناقة ويلغي ذكره فراراً من هذا اللقب . إلى أن قال الحطيئة هذا الشعر فصاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدذون به أصواتهم في جهارة .
وقوله : قوم إذا عقدوا عقداً الخ هذا البيت من شواهد أدب الكاتب عقد الحبل والعهد يعقده عقداً . والعناج بكسر المهملة والنون والجيم : حبل يشدّ أسفل الدّلو العظيمة إذا كانت ثقيلة ثم يشدّ إلى العراقي فيكون عوناً لها وللوذم فإذا انقطعت الأوذام فانقلبت أمسكها العناج ولم يدعها تسقط في البئر يقال : عنجت الدلو أعنجها عنجاً من باب نصر والعناج اسم ذلك الحبل يقال : قول لا عناج له : إذا أرسل على غير رويّة .
وإذا كانت الدلو خفيفة فعناجها خيط يشدّ في إحدى آذانها إلى العرقوة . والوذم : السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقيّ . والكرب بفتحتين : الحبل الذي يشدّ في وسط العراقيّ ثم يثنى ويثلّث ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير . يقال : أكربت الدلو فهي مكربة .
والعراقيّ : العودان المصلّبان تشدّ إليهما الأوذام .
____________________


وأراد الحطيئة أنهم إذا عقدوا عقداً أحكموه ووثّقوه كإحكام الدلو إذا شدّ عليها العناج ( طافت أمامة بالركبان آونة ** يا حسنه من قوام ما ومنتقبا ) واستشهد به المراديّ في شرح الألفية على أنّ من في التمييز زائدة ولهذا صحّ عطف المنصوب على مجرورها . أي : ياحسنه قواماً ومنتقباً . وآونة : جمع أوان كأزمنة جمع زمان وقوله : يا حسنه لفظه لفظ النداء ومعناه التعجب فيا للتنبيه لا للنداء والضمير مبهم قد فسّر بالتمييز . و القوام بالفتح ووهم من ضبطه بالكسر : القامة يقال : امرأة حسنة القوام أي : القامة . وما : زائدة . والمنتقب بفتح القاف : موضع النقاب . وبعده بأبيات : ( إنّ امرأً رهطه بالشام منزله ** برمل يبرين جاراً شدّ ما اغتربا ) وأورده ابن هشام في أواخر الباب الخامس من المغني على أن أصله : ومنزله برمل يبرين فحذف حرف العطف وهو الواو وبابه الشعر . ثم قال : كذا قالوا ولك أن تقول الجملة الثانية صفة ثانية لا معطوفة .
وقوله : امرأ عنى الحطيئة بالمرء نفسه . وقوله : رهطه بالشام جملة اسميّة صفة لاسم إنّ وأراد : بناحية الشام الحطيئة عبسيّ ومنزل بني عبس شرج والقصيم والجواء وهي أسافل عدنة وكان الحطيئة جاور بغيض بن شمّاس المذكور برمل يبرين وهي قرية كثيرة النخل والعيون )
بالبحرين بحذاء الأحساء لبني عوف بن سعد بن زيد مناة ثم لبني أنف الناقة . وإعرابها بالواو رفعاً وبالياء نصباً وجرّاً وربما التزموا الياء وجعلوا الإعراب بالحركات على النون ويقال أيضاً :
____________________

رمل أبرين ولابن جنّي فيه كلام جيّد نقله ياقوت في معجم البلدان .
وقوله : منزله برمل يبرين جملة اسمية ثانية إما معطوفة بالواو المحذوفة وإما صفة ثانية لاسم إن . وجاراً : حال من المضمر المستقرّ في قوله : برمل يبرين العائد على المنزل . وقوله : شدّ ما اغتربا منصوب على التعجب وما مصدرية أي : ما أشدّ اغترابه والجملة خبر اسم إن .
ومثله قول جرير : ( فقلت للركب إذ جدّ المسير بنا ** ما بعد يبرين من باب الفراديس ) وباب الفراديس من أبواب الشام . وإنما بسطت شرح هذا البيت لأنه وقع في مغني اللبيب ولم يشرحه أحد من شرّاحه بشيء .
وسبب مدح الحطيئة بغيضاً وهجو الزّبرقان هو ما ذكره الأصبهاني في الأغاني أن الزبرقان قدم على عمر رضي الله عنه في سنة مجدبة ليؤدّي صدقات قومه فلقيه الحطيئة بقرقرى ومعه ابناه أوس وسوادة وبناته وامرأته قال له الزبرقان وقد عرفه ولم يعرفه الحطيئة : أين تريد فقال : العراق فقد حطمتنا هذه السنة قال : وتصنع ماذا قال : وددت أن أصادف بها رجلاً يكفيني مؤنة عيالي وأصفيه مدائحي فقال له الزبرقان : قد أصبته فهل لك فيه يوسعك تمراً ولبناً ويجاورك أحسن جوار قال : هذا وأبيك العيش وما كنت أرجو هذا كله عند من قال : عندي . قال : ومن أنت قال : الزبرقان . فسيّره إلى أمه وهي عمّة الفرزدق وكتب إليها : أن أحسني إليه وأكثري له من التمر واللبن .
وقال آخرون : بل س ذره إلى زوجته هنيدة بنت صعصعة المجاشعية فأكرمته وأحسنت إليه فبلغ ذلك بغيض بن عامر من بني أنف الناقة وكان ينازع الزبرقان
____________________

الشرف وكان الحطيئة دميماً سيئ الخلق فهان أمره عليها وقصّرت به فأرسل إليه بغيض وإخوته : أن ائتنا . فأبى وقال : شأن النساء التقصير والغفلة ولست بالذي أحمل على صاحبها ذنبها وألحّوا عليه فقال : إن تركت وجفيت تحوّلت إليكم . وأطمعوه ووعدوه وعداً عظيماً فدسّوا إلى زوجة الزبرقان أن الزبرقان يريد أن يتزوج ابنته مليكة وكانت جميلة فظهر منها جفوة .
وألحوا عليه في الطلب فارتحل إليهم فضربوا له قبة وربطوا بكلّ طنب من أطنابها حلّة هجريّة )
وأراحوا عليه إبلهم وأكثروا عليه التمر واللبن . فلما قدم الزبرقان سأل عنه فأخبر بقصته فنادى في بني بهدلة بن عوف وركب فرسه وأخذ رمحه وسار حتى وقف على القريعيين وقال : ردّوا عليّ جاري قالوا : ما هو لك بجار وقد اطّرحته وضيّعته وكاد أن يقع بين الحيين حرب .
فاجتمع أهل الحجا . وخيّروا الحطيئة فاختار بغيضاً وجعل يمدح القريعيين من غير أن يهجو الزبرقان وهم يحرّضونه على ذلك وهو يأبى حتى أرسل الزبرقان إلى رجل من النمر بن قاسط يقال له دثار بن شيبان فهجا بغيضاً وفضّل الزبرقان فقال من جملة أبيات : ( وجدنا بيت بهدلة بن عوف ** تعالى سمكه ودجا الفناء ) ( وما أضحى لشمّاس بن لاي ** قديم في الفعال ولا رباء ) ( سوى أن الحطيئة قال قولاً ** فهذا من مقالته جزاء ) ولما سمع الحطيئة هذا ناضل عن بغيض وهجا الزبرقان في عدة قصائد منها قوله :
____________________

( والله ما معشر لاموا امرأً جنباً ** من آل لأي بن شمّاس بأكياس ) ( ما كان ذنب بغيض لا أبا لكم ** في بائس جاء يحدو آخر الناس ) ( لقد مريتكم لو أن درّتكم ** يوماً يجيء بها مسحي وإبساسي ) ( فما ملكت . . بأن كانت نفوسكم ** كفارك كرهت ثوبي وإلباسي ) ( حتى إذا ما بدا لي غيب أنفسكم ** ولم يكن لجراحي فيكم آسي ) ( أزمعت يأساً مبيناً من نوالكم ** ولن ترى طارداً للحرّ كالياس ) ( ما كان ذنب بغيض أن رأى رجلاً ** ذا فاقة عاش في مستوعر شاس ) ( جاراً لقوم أطالوا هون منزله ** وغادروه مقيماً بين أرماس ) ( دع المكارم لا ترحل لبغيتها ** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ) ( من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ** لا يذهب العرف بين الله والناس ) ( ماكان ذنبي أن فلذت معاولكم ** من آل لأي صفاة أصلها راسي ) ( قد ناضلوك فسلّوا من كنانتهم ** مجداً تليداً ونبلاً غير أنكاس )
____________________

والجنب بضم الجيم والنون : الغريب . والبائس : هنا الحطيئة وهو الذي لقي بؤساً وشدّة من الفقر يقال : أصابت الناس سنة شديدة وكان الحطيئة فيمن انحدر مع الناس فلم يكن به من القوة أن يكون في أوّل الناس . وقوله : لقد مريتكم الخ أي : طلبت ما عندكم وأصله من مريت )
الناقة هو أن يمسح ضرعها لتدرّ . والدرّة بالكسر : اللبن . والإبساس : صوت تسكّن به الناقة عند الحلب يقول : بس بس .
وقوله : فما ملكت بأن كانت الخ يقول : لم أملك بغضكم فأجعله حيّاً . والفارك : المرأة المبغضة لزوجها . وقوله : كرهت ثوبي أي : كرهت أن تدخل معي في ثوبي وأن تدخلني في ثوبها . وقوله : حتى إذا ما بدا لي الخ أي : بدا لي ما كان غائباً في أنفسكم من البغضة . ولم يكن فيكم مصلح لما بي من الفساد وسوء الحال . والآسي : المداوي .
وقوله : أزمعت يأساً الخ هو من أبيات مغني اللبيب أورده على أن بعضهم قال من متعلقة بيأساً والصواب أن تعلقها بيئست محذوفة لأن المصدر لا يوصف قبل أن يأتي معموله .
والإزماع : تصميم العزم . والمستوعر : المكان الوعر . والشأس : المكان المرتفع الغليظ . والهون بالضم : المذلة . وغادروه أي : تركوه كالميت بين أموات القبور .
وقوله : ما كان ذنبي الخ فلت بالفاء : ثلمت والفلول : الثلم . والصفاة بالفتح : الصخرة الملساء .
أي : أردتموهم بسوء فلم تعمل فيه معاولكم . يقول : ما كان ذنبي فإني مدحت هؤلاء لأنهم أشرف منكم ولهم مجد راس لا تطيقون إزالته . وقوله : قد ناضلوك الخ النكس بالكسر : السهم يقلب فيجعل أسفله أعلاه إذا انكسر طرفه . والمناضلة : المفاخرة . وأراد بالمجد القديم النواصي وكانت العرب إذا أنعمت على الرجل الشريف المأسور جزواً ناصيته وأطلقوه فتكون الناصية عند الرجل يفخر بها .
وقوله : دع المكارم الخ أورده الفراء في معاني القرآن في سورة هود
____________________

على أن الكاسي بمعنى المكسو كما أن العاصم في قوله تعالى : لا عاصم اليوم بمعنى المعصوم . قال : ولا تنكرن أن يخرج المفعول على فاعل إلا ترى أن قوله من ماء دافق بمعنى مدفوق و عيشة راضية بمعنى مرضية يستدل على ذلك بأنك تقول : رضيت هذه المعيشة ودفق الماء وكسي العريان بالبناء للمفعول ولا تقول ذلك بالبناء للفاعل .
ولما بلغ الزبرقان هذا البيت استعدى عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ما أراه هجاك ولكنه مدحك . فقال : سل حسان بن ثابت . فسأله فقال حسان : هجاه وسلح عليه فحبسه عمر فقال وهو في الحبس : ( ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ** حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ) ) ( ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ** فاغفر عليك سلام الله يا عمر ) ذو مرخ : اسم مكان وأراد بالأفراخ أطفاله الصغار . وحمر الحواصل يعني لا ريش لها وتكلم فيه عمرو بن العاص فأخرجه عمر فقال : إياك وهجاء الناس قال : إذاً يموت عيالي جوعاً هذا مكسبي ومنه معاشي وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال : أرسل عمر إلى الحطيئة وأنا عنده وقد كلمه عمرو بن العاص وغيره فأخرجه من السجن فأنشده : ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
____________________

فبكى عمر ثم قال : علي بالكرسي فجلس عليه وقال : أشيروا علي في الشاعر فإنه يقول الهجو ويشبب بالنساء وينسب بما ليس فيهم ويذمهم ما أراني إلا قاطعاً لسانه ثم قال : علي بطست ثم قال : علي بالمخصف علي بالسكين بل علي بالموس فقالوا : لا يعود يا أمير وروى عبد الله بن المبارك : أن عمر رضي الله عنه لما أطلق الحطيئة أراد أن يؤكد عليه الحجة فاشترى منه أعراض المسلمين جميعاً بثلاثة آلاف درهم . فقال الحطيئة في ذلك : ( وأخذت أطراف الكلام فلم تدع ** شتماً يضر ولا مديحاً ينفع ) ( وحميتني عرض اللئيم فلم يخف ** مني وأصبح آمناً لا يفزع ) وقد ترجمنا الحطيئة في الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الخامس عشر بعد المائتين ( فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ** وابشر بذاك وقر منه عيونا ) على أنه يجوز جمع المثنى فيالتمييز إذا لم يلبس : إذا كان الظاهر أن يقال : وقر منه عينين أو عيناً . لكنه جمع لعدم اللبس ولأن أقل الجمع اثنان على رأي .
وهذا البيت أحد أبيات خمسة لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم . وهي :
____________________

( والله لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسد في التراب دفينا ) ( فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ** وابشر بذاك وقر منه عيونا ) ( ودعوتني وزعمت أنك ناصح ** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا ) ( لولا الملامة أو حذار مسبة ** لوجدتني سمحاً بذاك مبينا ) قال السيوطي في شرح شواهد المغني : أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس : أن قريشاً أتت أبا طالب فكلمته في النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إليه فقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه وأنه خاذله فقال : يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ من الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن أخي امض على أمرك وافعل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً . وقال أبو طالب في ذلك هذه الأبيات انتهى .
وقد أنشد الزمخشري هذه الأبيات عند قوله تعالى وهم ينهون عنه وينأون عنه من سورة الأنعام بناءً على القول بأنها نزلت في أبي طالب .
____________________


وقوله : والله لن يصلوا إليك الخ أنشد هذا البيت ابن هشام في المغني على أن القسم قد يلقى بلن نادراً . ونازعه الدماميني في الحاشية الهندية بأنه يحتمل أن يكون مما حذف فيه الجواب لدلالة ما بعده عليه تقديره : والله إنك لآمن على نفسك فيكون قوله : لن يصلوا إليك الخ جملة مستأنفة لا جواب القسم . وأوسد بالبناء للمفعول : من وسدته الشيء : إذا جعلته تحت رأسه وسادة . ودفينا : حال من ضمير أوسد بمعنى مدفون . )
وقوله فاصدع بأمرك الخ يقال : صدعت بالحق إذا تكلمت به جهاراً . وقيل في قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر أي : شق جماعاتهم بالتوحيد وقيل : افرق بذلك بين الحق والباطل وقيل : أظهر ذلك . وهو مأخوذ من قولهم : صدعت القوم صدعاً فتصدعوا أي : فرقتهم فتفرقوا .
وأصل الصدع الشق . وروي فانفذ بأمرك . والغضاضة قال في الصحاح : يقال ليس عليك في هذا الأمر غضاضة أي : ذلة ومنقصة . وفي المصباح : غض الرجل صوته وطرفه ومن طرفه وصوته غضاً من باب قتل : خفض ومنه يقال غض من فلان غضاً وغضاضة : إذا تنقصه .
وقوله : وابشر بذاك أي : بعدم وصولهم إليك أو بظهور أمرك أو بانتفاء الغضاضة عنك أو بالمجموع ويكون ذلك إشارة إلى ما ذكر . وابشر بفتح الشين لأنه يقال بشر بكذا يبشر مثل فرح يفرح وزناً ومعنى وهو الاستبشار أيضاً والمصدر البشور ويتعدى بالحركة فيقال بشرته أبشره من باب قتل في لغة تهامة وما والاها والاسم منه البشر بضم الباء والتعدية بالتثقيل لغة عامة العرب كذا في المصباح .
وقوله : وقر منه عيوناً أي : من أجله . قال الطيبي : وإنما جمع العين لأن المراد عيون المسلمين لأن قرة عينه عليه الصلاة والسلام قرة لأعينهم . وهذا المعنى صحيح إلا أن اللفظ لا يساعد . وهو تمييز محول عن الفاعل . قال ثعلب في
____________________

فصيحه : وقررت به عيناً أقر بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل ومصدر الأول القر والقرور بضم أولهما ومصدر الثاني القرار والقر بفتحهما . قال شارحه أبو سهل الهروي : قولهم : أقر الله عينك معناه لا أبكاك الله فتسخن بالدمع عينك فكأنه قال : سرك الله و يجوز أن يكون صادفت ما يرضيك لتقر عينك من النظر إلى غيره . وأما قول بعضهم : معناه برد الله دمعتها لأن الدمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة فإنه خطأ لأن الدمع كله حار .
وقوله : ودعوتني أي : إلى الإيمان . وزعمت أي : قلت فإن الزعم أحد معانيه القول وروي بدله . وعلمت فهو بضم التاء وثم بفتح الثاء إشارة إلى مقام القول والنصح أو الدعوة وروي بدله : قبل بضم اللام أي : قبل هذا .
وقوله : وعرضت الخ من زائدة على رأي من يقول بزيادتها في الإثبات أو تبعيضية أي : من بعض الأديان الفاضلة . وديناً الثاني إما تمييز وإما تأكيد للأول . وقوله : لولا الملامة أي : لولا ملامة الكفار لي . والحذار بالكسر : المحاذرة . وسمحاً : منقاداً . ومبيناً : مظهراً من الإبانة وهي )
وترجمة أبي طالب تقدمت في الشاهد الحادي والتسعين .
وأنشد بعده وهو الشاهد السادس عشر بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه : ثلاثون للهجر حولاً كميلا
____________________

وهذا عجز وصدره : على أنني بعد ما مضى على أنه فصل بالمجرور ضرورة بين التمييز وهو حولاً وبين المميز وهو ثلاثون .
وأنشده سيبويه في باب كم مع بيت بعده وهو : ( يذكرنيك حنين العجول ** ونوح الحمامة تدعو هديلا ) قال الأعلم في شرح أبياته : الشاهد في فصله بين الثلاثين والحول بالمجرور ضرورة . فجعل سيبويه هذا تقوية لما يجوز في كم من الفصل عوضاً لما منعته من التصرف في الكلام بالتقدير والتأخير لتضمنها معنى الاستفهام والتصدر بها لذلك . والثلاثون ونحوها من العدد لا تمتنع من التقديم والتأخير لأنها لم تتضمن معنى يجب لها به التصدر فعملت في المميز متصلاً بها على ما يجب وقوله : على أنني متعلق بما قبله من الأبيات لا بقوله يذكرنيك كما زعمه شارح شواهد المغني فإن يذكرنيك خبر أنني . والحول : العا وقال صاحب المصباح : حال حولاً من باب قال : إذا مضى ومنه قيل للعام حول وإن لم يمض لأنه سيكون حولاً تسميةً بالمصدر والجمع أحوال .
والكميل : الكامل . وثلاثون فاعل مضى . والذكر متعد لمفعول واحد يقال : ذكرته بلساني وبقلبي والاسم ذكر بالضم والكسر نص عليه جماعةً منهم أبو عبيدة وابن قتيبة وأنكر الفراء الكسر في القلب وقال : اجعلني على ذكر منك بالضم لا غير . ويتعدى إلى مفعولين بالألف والتضعيف كما هنا فإن الياء مفعول أول والكاف مفعول ثان . وحنين فاعله . ونوح معطوف عليه . والحنين : ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها هذا أصله ومنه معنى الاشتياق . والعجول من الإبل : الواله التي فقدت ولدها بذبح أو موت أو هبة وقيل : الناقة التي ألقت ولدها قبل أن يتم بشهر أو بشهرين . )
____________________


ونوح الحمامة : صوت تستقبل به صاحبها لأن أصل النوح المقابلة وجملة تدعو حالم ن الحمامة . زالهديل قال ابن قتيبة في أدب الكاتب : العرب تجعله الهديل مرة فرخاً تزعم الأعراب أنه كان على عهد نوح عليه السلام فصاده جارج من جوارح الطير قالوا : فليس من فعلى الأول هو مفعول تدعو بمعنى تبكيه وترثيه وكذلك على الثاني بمعنى تطلبه ليسافدها لأنه بمعنى الذكر . قال في العباب : الهديل : الذكر من الحمام وقيل الحمام الوحشي كالقماري والدباسي . وعلى الثالث مفعول مطلق وناصبه إما تدعو بمعنى تهدل وإما فعل مقدر من لفظه أي : تهدل هديلاً مثل : هدر يهدر هديراً .
وقال الجاحظ : يقال في الحمام الوحشي من القماري والفواخت والدباسي وما أشبه ذلك : هدل يهدل هديلاً ويقال هدر الحمام يهدر . وقال أبو زيد : الجمل يهدر ولا يقال باللام . ولا يجوز على هذا أن ينتصب هديلاً على الحال من ضمير تدعو لأن مجيء المصدر حالاً سماعي ولا ضرورة هنا تدعو إليه .
ومعنى البيتين : لم أنس عهدك على بعده وكلما حنت عجول أو صاحت حمامة وقت نفسي فذكرتك .
وهما من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل . ونقل العيني عن الموعب أنهما للعباس بن مرداس الصحابي والله أعلم وتقدمت ترجمة العباس في الشاهد السابع عشر وكذا رأيته أنا في شرح ابن يسعون على شواهد
____________________

الإيضاح لأبي علي الفارسي منسوباً إلى العباس بن مرداس .
الشاهد السابع عشر بعد المائتين وهو من شواهد س : ( تقول ابنتي حين جد الرحي ** ل أبرحت رباً وأبرحت جارا ) على أن رباً وجاراً تمييزان . قال ابن السراج في الأصول : وأما الذي ينتصب انتصاب الاسم بعد المقادير فقوله : ويحه رجلاً ولله دره رجلاً وحسبك به رجلاً قال عباس بن مرداس : ( ومرة يجمعهم إذا ما تبددوا ** ويطعنهم شزراً فأبرحت فارساً ) قال سيبويه : كأنه قال : فكفى بك فارساً وإنما يريد كغيت فارساً ودخلت هذه الباء توكيداً . ومنه قول الآعشى : فأبرحت رباً وأبرحت جاراً وهذا البيت من قصيدة للأعشى مدح بها قيس بن معد يكرب الكندي وكان الأعشى مدحه بقصيدة دالية فقال له قيس : إنك تسرق الشعر فقال له الأعشى :
____________________

قيدني في بيت حتى أقول لك شعراً . فحبسه وقيده . فقال عند ذلك هذه القصيدة . وزعم ابن قتيبة أن القائل له إنما هو النعمان بن المنذر وهذا غير صحيح بدليل قوله فيها : ( إلى المرء قيس نطيل السرى ** ونطوي من الأرض تيهاً قفارا ) ( أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ** وشطت على ذي هوى أن تزارا ) إلى أن قال بعد ثلاثة أبيات : ( وشوق علوق تناسيته ** بزيافة تستخف الضفارا ) ( بقية خمس من الراسما ** ت بيض تشبههن الصوارا ) ( دفعن إلى اثنين عند الخصوص ** وقد حبسا بينهن الإصارا ) ( فهذا يعد لهن الخلا ** وينقل ذا بينهن الحضارا ) ( فكانت بقيتهن التي ** تروق العيون وتقضي السفارا ) ( فأبقى رواحي وسير الغدو ** منها ذؤاب جداء صغارا ) ( أقول لها حين جد الرحي ** ل أبرحت جداً وأبرحت جارا ) ( إلى المرء قيس نطيل السرى ** ونطوي من الأرض تيهاً قفارا ) ( فلا تشتكن إلي السفار ** وطول العنا واجعليه اصطبارا ) ) ( رواح العشي وسير الغدو ** يد الدهر حتى تلاقي الخيارا ) ( تلاقين قيساً وأشياعه ** يسعر للحرب ناراً فنارا )
____________________

قوله : وشوق علوق أي : رب شوق وهو مضاف إلى علوق . والعلوق بفتح المهملة : الناقة التي تعطف على غير ولدها فلا ترأمه وإنما تشمه بأنفها وتمنع لبنها . والعلوق أيضاً من النساء : التي لا تحب غير زوجها ومن النوق : التي لا تألف الفحل ولا ترأم الولد . والزيافة : الناقة المسرعة وقيل المتبخترة من زاف يزيف زيفاً : إذا تبختر في مشيته . والضفار جمع ضفرة وضفيره بالضاد المعجمة والفاء وهي البطان المعرض والبطان بالكسر هو للقتب الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير وهو بمنزلة التصدير للرحل .
وقوله : بقية خمس أي : تلك الزيافة بقية نوق خمس . والراسمات من الرسيم وهو ضرب من سير الإبل السريع وقد رسم يرسم رسيماً . وبيض : جمع بيضاء أي : كريمة . والصوار بضم الصاد وكسرها : القطيع من بقر الوحش والجمع صيران .
وقوله : دفعن إلى اثنين اخ أي : دفع قرينه تلك النوق الخمس إلى رجلين عند الخصوص وهو موضع قرب الكوفة . والإصار بكسر الهمزة قال الصاغاني في العباب : والإصار والأيصر : حبل قصير يشد به في أسفل الخباء إلى وتد وكل حبس يحبس به شيء أو يشد به فهو إصار قال الأعشى يصف النوق . . وأنشد هذا البيت .
وقوله : فهذا يعد أي : يهيئ . والخلا بفتح الخاء المعجمة : الحشيش الرطب . والحضار بفتح المهملة وكسرها وبعدها ضاد معجمة : الكرائم من الإبل كالهجان : واحده وجمعه سواء .
وقوله : فأبقى رواحي الخ الرواح : مصدر راح يروح وهو نقيض غدا يغدو غدواً . والذؤاب : جمع ذؤابة بذال مضمومة بعدها همزة فموحدة وهي الجلدة التي تعلق على آخرة الرحل .
والجداء : جمع جدية بالجيم وهي شيء يحشى تحت دفتي السرج والرحل . أراد أنها لم يبق من ظهرها شيء من كثرة السير . ثم بعد وصف ضمرها ببيتين آخرين قال : أقول لها حين جد الرحيل
____________________

أي : أقول لتلك الزيافة . وجد بمعنى اشتد . وأبرحت بكسر التاء خطاب للزيافة .
قال أبو عبيد في الغريب المصنف : ما أبرح هذا الأمر : ما أعجبه . وأنشد هذا البيت .
قال شارح أبياته ابن السيرافي : المعنى اخترت ربّاً وهو الملك وجاراً عظيم القدر . وقيل )
أبرحت أعجبت قال صاحب الصحاح وتبعه صاحب العباب : وأبرحه أي : أعجبه .
وأنشد هذا البيت وقال : أي : أعجبت وبالغت . وأبرحه أيضاً بمعنى أكرمه وعظّمه . . وعلى هذا ف ربّاً مفعول به وهو بمعنى المالك والسيد والمراد به نفس الشاعر أو ممدوحه . وهذا هو الظاهر المتبادر من سوق الكلام .
وقال صاحب العباب : ويروى : تقول له حين حان الرحيل أبرحت أي : تقول للأعشى الناقة : أبرحت بي في طلب ربك هذا الذي طلبته وعذّبتني وحسرتني انتهى .
وعلى هذا فأبرحت معناه أصبتني بالبرح وهو الشدة والعذاب ويكون رباً أصله في طلب ربك . ولا يخفى هذا التعسف مع أن هذه الرواية غير ثابتة وغير منسجمة مع ضمير الغائب .
وقال ابن حبيب : يريد : تقول له ناقته : أعظمت وأكرمت أي : اخترت رباً كريماً وجاراً عظيم القدر يبرح بمن طلب شأوه . وروي أيضاً كما في الشرح : تقول ابنتي حين جدّ الرحيل وإنما روي في كتاب س وفي نوادر أبي زيد العجز مقروناً بالفاء هكذا : فأبرحت ربّاً وأبرحت جارا
____________________

وتمّمه شراح شواهده بما ذكره الشارح . وهذه الرواية لا ارتباط لها بما بعدها كما هو الظاهر . قال أبو عبيدة كما في النوادر : أبرحت في معنى صادفت كريماً . وقال غيره : أبرحت بمن أراد اللحاق بك تبرح به فيلقى دون ذلك شدة . والبرح : العذاب والشدة ومن ذلك برّحت بفلان انتهى .
فالرب على الأول الممدوح وعلى الثاني الصاحب . وقال النحاس : قال الأصمعي : أبرحت ربّاً أي : أبلغت . وقال الأسعدي : أبرح فلان رجلاً : إذا فضله . وهذا كله على أن ربّاً مفعول به لا تمييز .
وقال الأعلم : قوله : فأبرحت ربا الخ الشاهد فيه نصب ربّ ودار على التمييز . والمعنى أبرحت من ربّ ومن جار أي : بلغت غاية الفضل في هذا النوع . وصدر البيت : تقول ابنتي حين جدّ الرحيل أبرحت ربّاً )
والمعنى على هذا . أبرح ربك وأبرح جارك . ثم جعل الفعل لغير الرب والجار كما تقول : طبت نفساً أي : طابت نفسك . وهذا أبين من التفسير الأول وعليه يدل صدر البيت . وأراد بالرب الملك الممدوح . وكل من ملك شيئاً فهو ربه . انتهى .
وقال الشارح المحقق : أبرحت أي : جئت بالبرح وصرت ذا برح والبرح : الشدة . فمعنى أبرحت صرت ذا شدة وكمال أي : بالغت وكملت رباً . فهو نحو كفى زيد رجلاً أي : أبرح جار هو أنت . . فالرب على قول الأعلم الممدوح وعلى قول الشارح نفس الشاعر ومعنى البيت على هذا إنما هو بقطع
____________________

النظر عما بعده وقبله وإلا فلا يناسب السياق . والمقدار الذي أورده س عجز للصدر الذي هو : أقول لها حين جد الرحيل والفاء من تصرف النسّاخ فتكون التاء مكسورة والمعنى على ما ذكره الأعلم والله أعلم وأورد قبله قول العباس بن مرداس السلمي : ( ومرة يحميهم إذا ما تبددوا ** ويطعنهم شزراً فأبرحت فارساً ) قال الأعلم : المعنى فأبرحت من فارس أي : بالغت وتناهيت في الفروسية وأصل أبرحت من البراح وهو المتسع من الأرض المنكشف أي : تبين فضلك تبين البراح من الأرض .
وترجمة الأعشى ميمون تقدمت في الشاهد الثالث والعشرين وترجمة قيس أيضاً تقدمت في الشاهد الثاني بعد المائتين .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الثامن عشر بعد المائتين يا جارتا ما أنت جاره على أن جارة تمييز لأن ما الاستفهامية تفيد التفخيم أي : كملت جارة . وهذا المصراع عجز وصدره : بانت لتحزننا عفاره
____________________

والبيت مطلع قصيدة للأعشى ميمون . . قال الشاطبي في شرح الألفية : أجاز الفارسي أن تكون جارة في هذا البيت تمييزاً لجواز دخول من عليها لأن ما استفهام على معنى التعجب فجارة يصح أن يقال فيها : ما أنت من جارة كما قال الآخر : ( يا سيداً ما أنت من سيد ** موطّأ الأكتاف رحب الذّراع ) وروى أوله أبو علي في إيضاح الشعر : ( بانت لطيّتها عراره ** يا جارة ما أنت جاره ) والطية بالكسر وتشديد الياء التحتية : النية والقصد . وعرارة : امرأة وقال قبله في قول الشاعر : وأنت ما أنت في غبراء مظلمة الظرف حال والعامل ما في قوله : ما أنت من معنى المدح والتعظيم كأنه قال : عظمت حالاً في غبراء . وليس في الكلام ما يصح أن يكون عاملاً في الظرف غير ما ذكرنا وإذا صح معنى الفعل وذلك من حيث ذكرنا كان قول الأعشى : جارة في موضع نصب بما في ما أنت كما ذكرنا . انتهى .
ولا يصح أن تكون ما نافية كما زعمه العيني لأن نصب جارة على التمييز إنما هو من الاستفهام التعجبي . وهذه عبارته : ما نافية وأنت مبتدأ وجارة خبر . ويروى : ما كنت جاره فهذا يؤكد معنى النفي . ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع الرفع على الابتداء وأنت ولا يخفى أن المعنى ليس على النفي وإنما هو على التعجب كما ذكره الجماعة . و بانت : من البين وهو الفراق . وقوله : لتحزننا يجوز فتح التاء وضمها
____________________

فإنه يقال حزنه يحزنه وهي لغة قريش وأحزنه يحزنه وهي لغة تميم وقد قرىء بهما . وحزن يأتي لازماً أيضاً يقال : حزن الرجل فهو حزن وحزين من باب فرح يفرح . و عفارة بفتح العين المهملة : اسم امرأة وهي فاعل لأحد الفعلين على سبيل التنازع . )
وقوله : يا جارتا الخ هو التفات من الغيبة إلى الخطاب . وجارة الرجل : امرأته التي تجاوره في المنزل . . و ما : اسم استفهام مبتدأ عند س وأنت الخبر وعند الأخفش بالعكس . وقال العيني : عفارة : امرأة يحتمل أن تكون هي الجارة أو غيرها فإن كانت عينها فقد اتنقل من الإخبار إلى الخطاب والجارة هنا زوجته انتهى .
والظاهر أن الجارة عي عفارة وأنها عشيقته فتأمل . ثم رأيت في شرح شواهد الإيضاح لأبي علي الفارسي لابن بري قال وأنشد : يا جارتا ما أنت جاره وقبله : بانت لتحزننا عفاره بانت لطيتها عفارة هو لأعشى بني قيس و الجارة هنا زوجه قال ابن دريد و الطية : المنزل الذي تنويه . وعفارة اسم امرأة ويحتمل أن تكون هي الجارة وغيرها فإن كانت الجارة فقد انتقل من الإخبار إلى الخطاب . وقوله : يا جارتا يريد يا جارتي فأبدل من الكسرة فتحة فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ويجوز أن تكون ألف الندبة لما وصلها حذف الهاء كأنه لما فقدها ندبها .
وقوله : ما أنت جاره ما نافية و أنت مبتدأ أو اسم ما و جارة إما في موضع نصب خبر لما وإما في موضع رفع خبر أنت . ويروى : ما كنت
____________________

فهذا يؤكد النفي كما قال تعالى ما هذا بشراً ويجوز أن تكون ما استفهاماً في موضع رفع بأنها خبر أنت وجارة في موضع نصب على التغيير أي : ما أنت من جاره .
ويجوز أن تكون حالاً والعامل فيها معنى الكلام أي : كرمت جارة أو نبلت جارة . ويجوز أن تكون ما مبتدأ وإن كانت نكرة لما فيها من معنى التفخيم والتعجب ولأنها تقع صدراً غير أنه أوقعها على من يعقل فكان الوجه ما بدأنا به .
هذا كلامه برمته وتعسفه ظاهر .
وقال شارح آخر لأبيات الإيضاح : جلبه أبو علي شاهداً على أن جارة الموقوف عليها يحتمل أن تكون تمييزاً لإمكان إدخال من عليها . ويحتمل أن تكون حالاً . ثم إنه أخذ جميع الكلام الذي نقلناه من ابن بري . )
وترجمة الأعشى تقدمت الحوالة عليها في البيت الذي قبل هذا . وبعد هذا البيت : ( أرضتك من حسن ومن ** دلّ تخالطه غراره ) ( وسبتك حين تبسمت ** بين الأريكة والستاره ) و الغرارة بفتح المعجمة : الغفلى كالغرة بالكسر . و الأريكة : السرير المزين والجمع أرائك .
____________________

( باب المستثنى ) أنشد فيه وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائتين ( وبلدة ليس بها طوريّ ** ولا خلا الجن بها إنسي ) على أن تقدم المستثنى على المنسوب والمنسوب إليه شاذ . والأصل : ولا بها إنسي خلا الجن .
قال ابن الأنباري في الإنصاف : ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم حرف الاستثناء في أول الكلام نحو إلا طعامك ما أكل زيد نص عليه الكسائي وإليه ذهب الزّجّاج في بعض المواضع واستدلوا بهذا البيت ونحوه . ومنعه البصريون وأجابوا عن البيت بأن تقديره : وبلدة ليس بها طوري ولا إنسي ما خلا الجن . فحذف إنسياً وأضمر المستثنى منه وما أظهره تفسير لما أضمره . وقيل : تقديره : ولا بها إنسي خلا الجن . فيها مقدرة بعد لا وتقديم المستثنى فيه للضرورة فلا يكون فيه حجة .
وهذان البيتان من أرجوزة للعجاج . وقوله : وبلدة الواو فيه واو ربّ
____________________

والبلدة : الأرض يقال : هذه بلدتنا أي : أرضنا . وروى أبو عبيد البكري في شرح نوادر القالي والصاغاني في العباب : بفتح الخاء المعجمة والفاء والقاف وقال : الخفقة : المفازة الملساء ذات آل .
قال أبو عبيد : هذا صحة إنشاده لأن قبله : وبلدة نياطها نطيّ أي : بعيد . وبعده : للريح في أقرابها هويّ والأقراب : الجوانب . وجملة : ليس بها طوري صفة بلدة . و طوري بمعنى أحد لا يكون إلا مع النفي كما هنا وهو في الأصل منسوب إلى طور الدار قال شارح النوابغ الزمخشرية : طور الدار بالضم هو ما يمتد معها من فنائها وحدودها تقول : أنا لا أطور بفلان ولا أطور طوره )
أي : لا أدور حوله ولا أدنو منه انتهى .
ولا وجه لقول أبي علي القالي في أماليه : إن طورياً منسوب إلى الطورة وهي في بعض اللغات الطّيرة على وزن العنبة وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء . وقد رواه أبو زيد في نوادره بهذا اللفظ . وكذلك صاحب الصحاح و العباب وغيرهم . ورواه أبو علي القالي في أماليه طوئي على وزن طوعي قال : أنشدني أبو بكر بن الأنباري وأبو بكر بن دريد للعجّاج : وبلدة ليس بها طوئيّ وهو بمعنى طوري . وزاد فيها لغتين أيضاً قال : يقال : ما بها طؤويّ على مثال طعويّ وما بها طاويّ غير مهموز . وأورد فيها كلمات كثيرة في هذا المعنى
____________________

تلازم النفي كقولهم : ما في الدار أحد وما بها عريب وما بها ديّار . وكأنه والله أعلم استقصى فيها جميع هذه الألفاظ .
وقوله : ولا الخ الواو عطفت جملة بها إنسي على جملة بها طوري المنفية بليس و لا لتأكيد النفي إلا أنه فصل بين العاطف والمعطوف بجملة خلا الجن لضرورة الشعر . قال ابن السرّاج في الأصول : وحكى عن الأحمر أنه كان يجيز : ما قام صغير ولا خلا أخاك كبير . وإنما قاسه على قوله : ( وبلدة ليس بها طوري ** ولا خلا الجن ولا إنسي ) وليس كما ظن أداة استثناء ومثلها عدا يكونان فعلين وينصب ما بعدهما على المفعول به لأن معناهما عند سيبويه جاوز وفاعلهما ضمير مصدر الفعل المتقدم على قول ومنه في خلا ما أنشده ابن خروف وغيره : ولا خلا الجن بالنصب . ويكونان حرفين وينجرّ ما بعدهما على أنهما حرفا جر ومنه في خلا قول الأعشى : ( خلا الله ما أرجو سواك وإنما ** أعدّ عيالي شعبة من عيالكما ) وهذا كله ما لم تتصل بهما ما المصدرية . فإن اتصلت بهما فإن المختار النصب والجر قليل وتكون ما مع ما بعدها في تأويل مصدر منصوب نصب غير وسوى عند ابن خروف ومصدر في موضع الحال عند السيرافي .
وإنسي : واحد الإنس بالكسر وهو البشر يفرق بينه وبين واحد بياء النسبة كروم وروميّ .
فقوله : خلا الجن استثناء منقطع لأنه من غير جنس المستثنى منه .
وترجمة العجّاج تقدمت في الشاهد الحادي والعشرين . )
____________________


وأنشد بعده وهو الشاهد العشرون بعد المائتين وهو من شواهد س : ( فإن تمس في غار برهوة ثاوياً ** أنيسك أصداء القبور تصيح ) على أنه جعل الأصداء أنيساً مجازاً واتساعاً . لأنها تقوم في استقرارها بالمكان وعمارته له مقام الأناسي .
وقوى سيبويه بهذا مذهب بني تميم في إبدال ما لا يعقل ممن يعقل إذ قالوا : ما في الدار أحد إلا حمار فجعلوه بمنزلة ما في الدار أحد إلا فلان .
وهذا البيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي رصى بها ابن عمّ له قتل . مطلعها : ( وإن دموعي إثره لكثيرة ** لو أن الدموع والزفير يريح ) ( فو الله لا أنسى ابن عم كأنه ** نشيبة ما دام الحمام ينوح ) إلى أن قال بعد أبيات ثلاثة : ( فإن تمس في رمس برهوة ثاوياً ** أنيسك أصداء القبور تصيح ) ( على الكره مني ما أكفكف عبرة ** ولكن أخلّي سربها فتسيح ) ( فما لك جيران وما لك ناصر ** ولا لطف يبكي عليك نصيح ) قوله : فإن تمس يقال أمسى : إذا دخل في المساء وهو خلاف أصبح : إذا دخل في الصباح . قال ابن القوطية : المساء ما بين الظهر إلى المغرب . والرمس : القبر قال في المصباح : رمست الميت رمساً من باب قتل : دفنته . والرمس :
____________________

التراب تسمية بالمصدر ثم سمي القبر به والجمع رموس . وأرمسته بالألف لغة . ورهوة : مكان قال ياقوت في معجم البلدان : قال أبو عبيد : الرهوة : الجوبه تكون في محلة القوم يسيل إليها ماء المطر .
وقال أبو سعيد : الرهو : ما اطمأن من الأرض وارتفع ما حوله قال : ولا رهوة شبه تلّ يكون في متون الأرض على رؤوس الجبال ومساقط الطيور والصقور والعقبان . ورهوة طريق بالطائف وقيل هو جبل في شعر خفاف بن ندبة وقيل عقبة في مكان يعرف . وقال الأصمعي : رهوة في وثاويا خبر قوله : تمس وهو متعلق برهوة يقال ثوى بالمكان وفيه : إذا أقام . وأنيسك مبتدأ وأصداء خبره والجملة حال من ضمير صاويا . وجملة تصيح صفة لأصداء ولا يضر إضافته )
إلى المعرف باللام لأن اللام للجنس ومدخلها قريب من النكرة . والأنيس : المؤانس وفعله أنست به إنساً من باب علم وفي لغة من باب ضرب والأنس بالضم اسم منه واستأنست به وتأنست به : إذا سكن القلب ولم ينفر كذا في المصباح : والأصداء : جمع صدى بالقصر وهو ذكر البوم وهو يسكن في القبور وقال الأعلم : هو طائر يقال له الهامة يزعم الأعراب أنه يخرج من رأس القتيل إذا لم يدرك بثأره فيقول : اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره . وهذا مثل وإنما يراد به تحريض وليّ المقتول على طلب دمه . فجعله جهلة العرب حقيقة . انتهى .
وقوله : على الكره مني متعلق بقوله : أكفكف يقال : كفكفت الدمع والرجل : إذا كففته ومنعته .
والعبرة بالفتح : الدمعة وفعله عبرت عينه كفرحت والسرب بفتح السين وسكون الراء المهملتين : الطريق يقال خلّ له سربه .
وقوله : فما لك جيران الخ هذه الجملة جواب قوله فإن تمس . وجيران : جمع جار . ولطف بفتح اللام والطاء المهملة هو الرقيق والملاطف . وهذا الكلام منه على طريق التحزن والتحسر .
____________________


وقد تقدمت ترجمة أبي ذؤيب في الشاهد السابع والستين والله أعلم .
الشاهد الحادي والعشرون بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه : ( والحرب لا يبقى لجا ** حمها التخيل والمراح ) ( إلا الفتى الصبار في النج ** دات والفرس الوقاح ) على أن الفتى وما بعده استثناء منقطع بدل من قوله : التخيل والمراح . والجاحم بتقديم الجيم على الحاء المهملة : المكان الشديد الحرّ من جحمت النار فهي جاحمة : إذا اضطرمت ومنه الجحيم . والتخيل : التكبر من الخيلاء . يقول : إن الحرب تزيل نخوة المنخو .
وذلك أن أصحاب الغناء يتكرمون عن الخيلاء ويختال المتشبع فإذا جرّب فلم يحمد افتضح وسقط والمراح بالكسر : النشاط . أي : أنها تكفّ حدة البطر النشيط والصبار : مبالغة صابر .
والنجدة : الشدة والبأس . والوقاح بالفتح : الفرس الذي حافره صلب شديد ومنه الوقاحة .
وهذان البيتان قد تقدم شرحهما مفصّلاً في الشاهد الحادي والثمانين في اسم ما
____________________

ولا المشبهتين بليس .
وأنشد بعده وهو )
الشاهد الثاني والعشرون بعد المائتين ( عشية لا تغني الرماح مكانها ** ولا النبل إلا المشرفي المصمم ) على أن ما بعد إلا وهو المشرفي بدل من الرماح والنبل والاستثناء منقطع .
وأورده صاحب الكشاف أيضاً شاهداً على رفع الاسم الكريم في قوله تعالى : قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وإنما رفع على لغة تميم . والحجازيون ينصبونه مطلقاً .
وقد جاء هذا البيت في شعرين قافية أحدهما مرفوعة وقافية الآخر منصوبة . والأول هو الشائع المستشهد به وقد ورد في كتاب سيبويه مغفلاً ولم ينسبه أكثر شراح شواهده .
والمنصوب جاء في قصيدة للحصين بن الحمام المري . أما الأول فهو لضرار بن الأزور الصحابي من قصيدة قالها في يوم الردة : قال أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب : أكتبنا أبو الندى : قال ضرار بن الأزور وهو فارس المحبّر في الردة لبني خزيمة وكان خالد بن الوليد بعثه في خيل على البعوضة : أرض لبني تميم فقتل عليها مالك بن نويرة فارس بني يربوع وبنو تميم تدعي أنه آمنه . فقاتل يومئذ ضرار
____________________

بن الأزور قتالاً شديداً فقال في ذلك وبلغه ارتداد قومه من بني أسد : ( بني أسد قد ساءني ما صنعتم ** وليس لقوم حاربوا الله محرم ) ( وأعلم حقاً أنكم قد غويتم ** بني أسد فاستأخروا أو تقدموا ) ( عصيتم ذوي أحلامكم وأطعتم ** ضجيماً وأمر ابن اللقيطة أشأم ) ( وقد بعثوا وفداً إلى أهل دومة ** فقبح من وفد ومن يتيمم ) ( ولو سألت عنا جنوب لخبّرت ** عشية سالت عقرباء بها الدم ) ( عشية لا تغني الرماح مكانها ** ولا النبل إلا المشرفي المصمم ) ( فإن تبتغي الكفار غير منيبة ** جنوب فإني تابع الدين فاعلموا ) ( أقاتل إذ كان القتال غنيمة ** ولله بالعبد المجاهد أعلم ) ضجيم هو طليحة بن خويلد وكانت أمه حميرية أخيذة . وابن اللقيطة : عيينة بن حصن .
وقوله : يا آل ثعلبة أراد ثعلبة الحلاف بن دودان بن أسد . وقال لنا أبو الندى : عقرباء بالباء : أرض باليمامة . قال : وعقر ما بالميم باليمن وأتنشد لرجل من جعفي في قتل مالم بنمازن أحد بني ربيعة بن الحارث : )
____________________

( جدعتم بأفعى بالذهاب أنوفنا ** فملنا بأنفيكم فأصبح أصلما ) ( فمن كان محزوناً بمقتل مالك ** فإنا تركناه صريعاً بعقرما ا . هـ ) وقوله : عشية سالت هو بتقدير مضاف أي : لخبّرت خبر عشية سالت . وعشية الثانية بدل منها . وجنول فيما بعد هذا منادى وهي امرأة .
والعشية واحدة العشي قال في المصباح : العشي قيل ما بين الزوال إلى الغروب ومنه يقال للظهر والعصر صلاتا العشيّ وقيل هو آخر النهار وقيل العشي من الزوال إلى الصباح وقيل العشي والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة . وجملة لا تغني الرماح الخ في محل جر بإضافة عشية إليها . ومكانها ظرف لقوله لا تغني وهو العامل فيه . قال العيني : الضمير في مكانها للحرب يدلّ عليه لفظ الجهاد لأنه لا يكون إلا بمكان الحروب . وأغنيت عنك بالألف مغني فلان : إذا أجزأت عنه وقمت مقامه .
وحكى الأزهري : ما أغنى فلان شيئاً بالغين والعين أي : لم ينفع في مهم ولم يكف مؤنة . وقوله : ولا النبل بالرفع عطفاً على الرماح . والنبل بالفتح : السهام العربية وهي مؤنثة ولا واحد لها من لفظها بل الواحد سهم . وقوله : إلا المشرفي بالرفع على لغة تميم بدل من الرماح والنبل وإن لم يكن من جنسهما مجازاً على ما تقدم قبله . ولا وجه لما نقله ابن الأنباري عن بعضهم : من أن نصب المشرفي على المعنى قال : كأنه أرادبقوله : لا تغني الرماح أي : لا تستعملها ولا تستعمل إلا المشرفي . وهذا تعسف ظاهر . والمشرفي بفتح الميم هو السيف النمسوب إلى مشارف قال البكري في معجم ما استعجم : قال الحربي : والمشارف قرى من قرى العرب تدنو من الريف أحدها مشرف . وقال في موضع آخر : وهي مثل خيبر ودومة الجندل وذي المروة والرحبة .
____________________


وقال البكري في مؤتة أيضاً : وكان لقاؤهم يعني المسلمين الروم في قرية يقال لها مشارف من تخوم البلقاء ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة وهو موضع من أرض الشام من عمل البلقاء .
فالسيف المشرفي إن كان منسوباً إلى الأول فالنسبة على القياس لأن الجمع يردّ إلى الواحد فينسب إليه وإن كان منسوباً إلى الثاني فالنسبة على خلاف القياس .
وبهذا التحقيق يعرف ما في قول الصاغاني وغيره : والسيوف المشرفية منسوبة إلى مشارف الشام قال أبو عبيدة : هي قرى من أرض العرب تدنو من الريف يقال : سيف مشرفي ولا يقال مشارفي لأن الجمع لا ينسب إليه إذا كان على هذا الوزن . انتهى . )
وقال صاحب المصباح بعد أن نقل هذا وقيل هذا خطأ بل هي نسبة إلى موضع من اليمن . وقا لابن الأنباري فيشرح المفضليات عند الكلام على هذا البيت : والمشرفي منسوب إلى المشارف وهي قرى للعرب تدنو من الريف ويقال : بل هي منسوبة إلى مشرف رجل من ثقيف فالقول الأول هو القول الأول من كلام البكري ويدل على الجمعية دخول اللام عليها في كلامهما . والمصمم : اسم فاعل من صمم قال صاحب الصحاح : وصمم السيف : إذا مضى في العظم وقطعه فإذا أصاب المفصل وقطعه . يقال : طبّق . قال الشاعر يصف سيفاً : يصمّم أحياناً وحيناً يطبق ومثله قول ابن النباري : والمصمم الذي يبري العظم برياً حتى كأنه وقع في المفصل من سرعة مضائه . والمطبق الذي يقع على المفصل ومنه قول الكميت يصف
____________________

رجلاً شبهه بالسيف : ( فأراك حين تهز عند ضريبة ** في النائبات مصمماً كمطبق ) أي : هو يمضي في نفس العظم ويبريه وكأنه إنما طبق أي وقع على المفصل . فهذا الرجل حين يهز لما ينوب من الخطوب كهذا السيف في مضائه أي : يركب معالي الأمور وشدادها ولا يثنيه شيء كهذا السيف . وإنما كانت الرماح والنبل لا تغني لأن الحرب إذا كانت بالليل لا تغني إلا السيوف لاختلاط القوم ومواجهة بعضهم بعضاً كذا قال العيني . وهذا من تفسير العشية بالليل . وليس كذلك بل هو من شدة المحاربة حيث استقل عملهما فنازل بالسيف : وذلك أن أول الحرب المناضلة بالسهام فإذا تقاربوا فالتراشق بالرماح فإذا التقوا فالمجالدة بالسيوف .
فالشاعر يصف شدة المحاربة بالتقاء الفريقين فلم يفد حينئذ إلا التضارب بالسيوف .
وأما الثاني وهو الشعر المنصوب فمطلع القصيدة : ( جزى الله أفناء العشيرة كلها ** بدارة موضوع عقوقاً ومأثما ) ( بني عمنا الأدنين منهم ورهطنا ** فزارة إذ رامت بنا الحرب معظما ) ( ولما رأيت الودّ ليس بنافعي ** وإن كان يوماً ذا كواكب مظلما ) ( يفلقن هاماً من رجال أعزة ** علينا وهم كانوا أعق وأظلما ) ( فليت أبا شبل رأى كرّ خيلنا ** وخيلهم بين الستار فأظلما ) ( نطاردهم نستنقذ الجرد كالقنا ** ويستنقذون السمهري المقوّما ) ( عشية لا تغني الرماح مكانها ** ولا النبل إلى المشرفي المصمما ) ) ( لدن غدوة حتى إذا الليل ما ترى ** من الخيل إلا خارجيا مسوما )
____________________

وهذه القصيدة مسطورة في المفضليات وعدتها واحد وأربعون بيتاً .
وأفناء العشيرة : أوباشهم يقال : هو من أفناء الناس : إذا لم يعلم ممن هو . و دارة موضوع : اسم مكان وكذلك الستار وأظلم موضعان . وقوله : نطاردهم الخ هذا هو العامل في عشية .
وروي : ( نقاتلهم نستنقذ الجرد كالقنا ** ويستودعون السمهري المقوّما ) وروى ابن قتيبة : ( نحاربهم نستودع البيض هامهم ** ويستودعون السمهري المقوّما ) والجرد : الخيل القصيرة الشعور وذلك مدح لها . والسمهري : القنا . والقوّم : المعدل المثقف .
يقول : نحن نستنقذ الخيل الجرد منهم وهم يستنقذون الرماح منا بأن نطعنهم بها ونتركها فيهم .
وقوله : لدن غدوة الخ ظرف لنطاردهم أيضاً . والخارجي من الخيل : الجواد في غير نسب تقدم له كأنه نبغ بالجودة وكذلك الخارجي من كل شيء . والمسوّم : المعلم للحرب . يقول : إن الناس انكشفوا في هذه الحرب فلم يبق إلا أهل هذه الخيل الأشداء الذين سوّموا أنفسهم وخيلهم شجاعة وجراءة لأنه لا يثبت عند انهزام الناس إلا الأبطال .
وفي هذه القصيدة بيت من شواه سيبويه وأورده المرادي في باب إعراب الفعل من شرح الألفية : ( ولولا رجال من رزام بن مازن ** وآل سبيع أو أسوءك علقما ) ( لأقسمت لا تنفك مني محارب ** على آلة حدباء حتى تندّما ) أورده شاهداً على نصب أسوءك بإضمار أن بعد أو . ورزام هو رزام بن مازن ثعلبة بن سعد بن ذبيان . ووهم العيني فزعم أنه أبو حي من تميم قال : وهو رزام بن
____________________

مالك بن عمرو بن تميم . وسبيع بالتصغير هو سبيع بن عمرو بن فتية مصغر فتاة بن أمة بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان . وكان سبيع شريفاً وهو صاحب الرهن التي وضعت على يديه في حرب عبس وذبيان ولما حضره الموت قال لابنه مالك بن سبيع : إن عندي مكرمة لا تبيد أبداً إن احتفظت بهذه الأغيلمة . . وعلقم منادى مرخّم علقمة وهو علقمة بن عبيد بن عبد بن فتية المذكور . . وآل سبيع بالجر عطفاً على مجرور من . وأسوءك مؤول بمصدر معطوف على وقوله : لأقسمت لا تنفك الخ هو جواب لولا . وقوله : لا تنفك الخ جواب القسم . ومحارب : )
قبيلة وهو محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان . والآلة : الحالة والحدباء بالحاء المهملة : الصعبة . والمعنى : لولا أن هؤلاء الرجال أو مساءتك لحملت على أمر عظيم صعب لا تطمئن عليه إذا ركبته . وتندّم أصله تتندم بتاءين فحذف إحداهما .
وأما ضرار بن الأزور فهو مالك بن أوس بن جذيمة بن ربيعة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي . الفارس الشاعر الصحابي . أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأنشده : ( خلعت القداح وعفت القيا ** ن والخمر تقلية واستهالا )
____________________

( وكرّي المحبر في غمرة ** وجهدي على المسلمين القتالا ) ( فيا ربّ لا أغبنن بيعتي ** فقد بعت أهلي ومالي بدالا ) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ربح البيع .
قال ابغوي : ولا أعلم لضرار غيرها ويقال : إنه كان له ألف بعير برعاتها فترك جميع ذلك وحضر وقعة اليرموك وفتح الشام . وكان خالد بن الوليد بعثه في سرية فأغار على حي من أسد فأخذوا امرأة جميلة فسأل ضرار أصحابه أن يهبوها له ففعلوا فوطئها ثم ندم فذكر ذلك لخالد فكتب إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه : أن أرضخه بالحجارة فجاء الكتاب وقد مات ضرار . وقيل : إنه ممن شرب الخمر مع أبي جندل فكتب فيهم أبو عبيدة إلى عمر فكتب إليه عمر : أن ادعهم فسائلهم فإن قالوا إنها حلال فاقتلهم وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ففعل فقالوا : إنها حرام فجلدهم .
وضرار هو الذي قتل مالك بن نويرة بأمر خالد بن الوليد كما تقدم شرحه مفصّلاً في الشاهد السادس والثماني واختلف في وفاة ضرار فقال الواقدي : استشهد باليمامة . وقال موسى بن عقبة : بأجنادين . وقيل : نزل حران فمات بها . والله أعلم .
وأما الحصين بن الحمام المري فهو جاهلي . وهو بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين . والحمام بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم . وهو فارس شاعر .
قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء : هو من بني مرة جاهلي يعد من أوفياء العرب . قال أبو عبيدة : اتفقوا على أن أشعر المقلّين ثلاثة : المسيب بن علس والحصين بن الحمام والمتلمّس .
____________________


وهذه نسبته كما في الجمهرة وشرح المفضليات : الحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب بضم )
الميم وتخفيف السين بن حرام بن وائلة بن سهم بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار .
الشاهد الثالث والعشرون بعد المائتين وهو من شواهد س : ( ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ** بهن فلول من قراع الكتائب ) على انه عند سيبويه استثناء منقطع جعل كالمتصل لصحة دخول البدل في المبدل منه . وبينه الشارح المحقق أحسن بيان .
وقوله : أن سيوفهم الخ مؤول بمصدر مجرور أي : غير كون سيوفهم بها فلول الخ . والفلول : جمع فلّ بفتح الفاء وهو كسر في حدّ السيف وسيف أفلّ بين الفلل يقال : فلّه فانفلّ أي : كسره فانكسر وفللت الجيش أي هزمتهم . والقراع : المضاربة مصدر قارعه يقال قرعته بالمقرعة : إذا ضربته بها وقرعت الباب : إذا طرقته . والكتائب : جمع كتيبة وهي الطائفة المجتمعة من الجيش .
وهذا البيت مشهور قد تداوله العلماء في تصانيفهم وقد أورده علماء البديع
____________________

شاهداً لتأكيد المدح بما يشبه الذمّ فإنه نفى العيب عن هؤلاء القوم على جهة الاستغراق ثم أثبت لهم عيباً وهو تثلم سيوفهم من مضاربة الجيوش . وهذا ليس بعيب بل هو غاية المدح فقد أكد المدح بما يشبه الذم . وأورده صاحب الكشاف أيضاً عند قوله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة على أن الآية أشبه بتأكيد الذم بما يشبه المدح : عكس البيت فإن إطلاق الحجة على قول الذين ظلموا ذم في صورة مدح لا أنه مدح في صورة ذم .
وأورده سيبويه في باب ما لايكون إلا على معنى ولكن . قال النحاس : فرق سيبويه بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله لأن الذي قبله يجوز فيه الرفع والنصب والنصب أجود وهذا الباب لا يجوز فيه عنده غلا النصب لنه ليس من الأول في شيء . وأجاز المبرد في جميع ما في هذا الباب الرفع وكذا في : لا عيب فيهم غير أن سيوفهم انتهى .
وعلى قول المبرد فتكون غير بدلاً من الضمير المستقر في الظرف .
وهذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر ملوك الشام الغسانيين وذلك لما هرب من النعمان بن المنذر اللخمي من )
ملوك الحيرة . وليس الممدوح بها النعمان بن الحارث كما وهم شارح شواهد المغني لتصريح الممدوح بها في القصيدة كما سيأتي . ومطلع القصيدة : ( كليني لهمّ يا أميمة ناصب ** وليل أقاسيه بطيء الكواكب ) وتقدم شرح هذا البيت وسبب هروبه في الشاهد السابع والثلاثين بعد المائة
____________________

مفصلاً . وقال بعد ثلاثة أبيات شرحت هناك : ( لئن كان للقبرين قبر بجلّق ** وقبر بصيداء التي عند حارب ) ( وللحارث الجفنيّ سيد قومه ** ليلتمسن بالجمع أرض المحارب ) البيت الأول من شواهد سيبويه أورده بنصب ما بعد إلا على الاستثناء المنقطع لأن حسن الظن ليس من العلم . ورفعه جائز على البدل من موضع العلم وإقامة الظن مقام العلم اتساعاً ومجازاً . وقوله : غير ذي مثنوية هو مصدر بمعنى الاستثناء في اليمين أي : حلفت غير مستثن في يميني ثقة بفعل هذا الممدوح وحسن ظن به .
وروى أبو عبيدة : وما ذاك إلا حسن ظن بصاحب وعليه فلا شاهد فيه والإشارة لليمين . . وجملة المصراع الثاني على الروايتين معترضة بين القسم وجوابه . وقوله : لئن كان للقبرين الخ اللام الداخلة على إن موطئة للقسم أي : وطأت أن الجواب الذي بعد الشرط للقسم فجملة قوله الآتي : ليلتمسن بالجمع الخ جواب القسم . وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم واسم كان ضمير عمرو الممدوح المتقدم في قوله : ( علي لعمرو نعمة بعد نعمة ** لوالده ليست بذات عقارب ) وأراد بالقبرين المقبورين : الحارث الأعرج ابن الحارث الأكبر وهو الجفني الآتي ذكره . يقول : لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين المقبورين في هذين المكانين ليمضينّ أمره وليلتمسن أرض من حاربه . وجلّق بكسر الجيم واللام المشددة هي الشام . وصيداء مدينة بالشام بالساحل .
وحارب : موضع وقيل اسم رجل .
____________________


وقوله : للحارث الجفني الخ بفتح الجيم وهو جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء وهم الملوك الذين كانوا بالشام . وقوله : ليلتمسن هذا جواب القسم مؤكد بالنون الخفيفة . وقوله : بالجمع أي : بجموع العساكر والجيوش . )
وقال بعدما ذكر : ( لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ** من الناس والأحلام غير عوازب ) ( مجلتهم ذات الإله ودينهم ** قويم فما يرجون غير العواقب ) والشيمة : الطبيعة . وقوله : والأحلام الخ أي : لا تعزب عقولهم عنهم كما تعزب الماشية عن أهلها أي : لا تغيب . وقوله : مجلتهم ذات الإله المجلة بفتح الميم والجيم : الكتاب لأنه يجلّ ويعظّم وأراد به الإنجيل لأنهم كانوا نصارى . قال العسكري في كتاب التصحيف : قرأته على ابن دريد : مجلتهم بالجيم وقال لي : سمعت أبا حاتم يقول : رواية الأصمعي بالجيم قال : وهو كتاب النصارى .
وكذا كل كتاب جمع حكمة وأمثالاً فهو عند العرب مجلة ومن هذا سمى أبو عبيدة كتابه الذي جمع فيه أمثال العرب المجلة . وروى أيضاً : محلتهم بالحاء المهملة أي : منزلتهم بيت المقدس وأرض الشام ومنازل الأنبياء وهي القدس . وروى ابن السكيت : مخافتهم يريد يخافون أمر الله . وذات الإله : كتابه . وقويم : مستقيم . وقوله : فما يرجون الخ قال الأصمعي : أي : ما يطلبون إلا عواقب أمورهم فليس يرجون شيئاً من أمر الدنيا وإنما يرجون ما بعد الموت .
____________________


وبعد البيت المستشهد به أعني قوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ( تخيّرن من أزمان يوم حليمة ** إلى اليوم قد جرّبن كل التجارب ) وأورده ابن هشام ف يالمغني على أن من تأتي لابتداء الغاية في الزمان أيضاً وهو مذهب الكوفيين والأخفش والمبرد وابن درستويه بدليل : من أول يوم .
وفي الحديث : فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة . وهذا البيت . وقيل : التقدير : من مضي أزمان ومن تأسيس أول يوم . وردّه السهيلي بأنه لو كان هكذا لاحتيج إلى تقدير الزمان وتخيرن وجربن كلاهما بالبناء للمفعول والنون ضمير السيوف . والتجارب : جمع تجربة . وكل منصوب على المصدر . وإلى متعلقة بقوله تخيّرن .
ويوم حليمة قال العسكري ف يالتصحيف : هو يوم كان بين ملوك الشام من الغسانيين وملوك العراق قتل فيه المنذر غما جد النعمان أو أبوه وقيل في هذا اليوم ما يوم حليمة بسرّ انتهى . )
وفي الدرة الفاخرة لحمزة الأصبهاني وهي الأمثال التي جاءت على وزن أفعل التفضيل وكذلك في مستقصى الأمثال للزمخشري واللفظ للأول : أعز من حليمة هي بنت الحارث بن أبي شمر الغساني الأعرج ملك عرب الشام وفيها
____________________

سار المثل فقيل : ما يوم حليمة بسر أي : خفي .
وهذا اليوم هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن المنذر ملك عرب العراق فسار بعربها إلى الحارث الأعرج الغساني وهو ابن الحارث الأكبر وكان في عرب الشام وهو أشهر أيام العرب . وإنما نسب هذا اليوم إلى حليمة لأنها حضرت المعركة محضضة لعسكر أبيها فتزعم العرب أن الغبار ارتفع في يوم حليمة حتى سدّ عين الشمس وظهرت الكواكب المتباعدة من مطلع الشمس فسار المثل بهذا اليوم قالوا : لأرينك الكواكب ظهرا . وأخذه طرفة فقال : ( إن تنوّله فقد تمنعه ** وتريه النجم يجري بالظهر اه ) وفي شرح ديوان النابغة : سبب ذلك أن الملك كان في الضجاعم فأتى رجل منهم رجلاً من غسان يقال له جذع فسأله الخراج فأعطاه ديناراً فقال : هات آخر وشدد عليه فاستأجله فلم يفعل فلما ضيق عليه دخل جذع منزله فالتحف على سيفه ثم خرج فضرب به الضجعمي فقتله .
فقال القاتل : خذ من جذع ما أعطاك . ووثبت غسان ورأسوا عليهم رجلاً ثم أوقعوا بالضجاعم فغلبتهم غسان وأخذت الملك منهم . . وأما حليمة فهي ابنة الغساني الذي رئس عليهم وكانت من اجمل النساء فأعطاها طيباً وأمرها أن تطيّب من مرّ بها من جنده فجعلوا يمرون بها وتطيبهم فمر بها شاب فلما طيبته تناولها فقبلها فصاحت وشكت ذلك إلى أبيها فال : اسكتي فما في القوم أجلد منه حين فعل هذا بك واجترأ عليك فإنه إما أن يبلي بلاء حسناً فأنت امرأته وإما أن يقتل فذاك أشد عليه مما تريدين به من العقوبة فأبلى الفتى ثم رجع فزوّجه ابنته حليمة انتهى .
وفي القاموس : وحليمة بنت الحارث بن أبي شمر وجه أبوها جيشاً إلى المنذر بن ماء السماء فأخرجت لهم مركناً من طيب وطيبتهم منه والمركن
____________________

بكسر الميم : الإجانة التي تغسل فيها الثياب وسببه : أن غسان كانت تؤدي كل سنة إلى ملك سليح دينارين من كل رجل وكان يلي ذلك سبطة بن المنذر السليحي فجاء سبطة يسأل الدينارين من جذع بن عمرو الغساني فدخل جذع منزله فخرج مشتملاً بسيفه فضرب به سبطة حتى برد وقال : خذ من جذع ما )
أعطاك . يضرب في اغتنام ما يجود به البخيل . وسليح كجريح : قبيلة باليمن . وجذع بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة ثم إن جيش الحارث توجه إلى المنذر فقالوا : أتينا من عند صاحبنا وهو يدين لك ويعطيك حاجتك فتباشر هو وأصحابه وغفلوا بعض الغفلة فحمل ذلك الجيش على المنذر فقتلوه . فقيل في ذلك اليوم : ما يوم حليمة بسر أي : بخفي . فصار يضرب لكل أمر مشهور .
وترجمة النابغة تقدمت في الشاهد الرابع بعد المائة .
وانشد بعده وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه : ( فتىً كملت أخلاقه غير أنه ** جواد فما يبقي من لمال باقيا ) لما تقدم بله . قال ابن جني في إعراب الحماسة : أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن قراءة عليه عن أحمد بن يحيى قال : لما أنشدته يعني ابن الأعرابي قول الشاعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
____________________

قال : هذا استثناء قيس يقولون : غير أن هذا أشرف من هذا وهذا أطرف من هذا . يكون ( فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ** على أن فيه ما يسوء الأعاديا ) انقضت الحكاية . وهذا الاستثناء على إغرابه جار مجرى الاستثناء المعهود ألا ترى أنه إذا قال : فتىً تمّ فيه ما يسر صديقه جاز أن يظن أنه مقصور على هذا وحده فإذا قال : على أن فيه ما يسوء عاديا أزال هذا الظن وصار معناه أن فيه مسرة لأوليائه ومساءة لأعدائه وليس مقصوراً على أحد الأمرين . فهو إخراج شيء من شيء لخلاف الثاني الأول . وكذلك : فتى كملت أخلاقه . . البيت لما كان إتلافه للمال عيباً عند كثير من الناس استثنى هذه الحالة فأخرجها من جملة خلال المدح لمخالفتها إياها عندهم وعلى مذهبهم . وليس شيء يعقد على أصله فيخرج عنه شيء منه في الظاهر إلا وهو عائد إليه وداخل فيه في الباطن مع التأمل .
انتهى كلامه .
وأورده علماء البديع أيضاً في باب تأكيد المدح بما يشبه الذم .
وهذا البيت من أبيات للنابغة الجعدي رثى بها أخاه . وقد أوردها أبو تمام في باب المراثي من )
الحماسة وهي من قصيدة . . وقبله : ( ألم تعلمي أني رزئت محارباً ** فما لك منه اليوم شيء ولا ليا )
____________________

( ومن قبله ما قد رزئت بوحوح ** وكان ابن أمي والخليل المصافيا ) ( فتى تم فيه مايسر صديقه ** على أن فيه ما يسوء الأعاديا ) ( يقول لمن يلحاه في بذل ماله ** أأنفق أيامي وأترك ماليا ) ( يدر العروق بالسنان ويشتري ** من الحمد ما يبقى وإن كان غاليا ) قوله : ألم تعلمي الخ يخاطب امرأته . ومحارب قال أبو عبيد البكري في شرح نوادر القالي : هو محارب بن قيس بن عدس من أشراف قومه . وهو تفجع وتوجع .
يقول : قد فجعنا به فأصبحنا لا نستمتع به ولا ننتفع بمكانه . ثم ذكر أنه قد فجع قبله بأخيه وحوح وهو مأخوذ من قولهم وحوح الرجل : إذا ردد صوتاً في صدره وهو نحو النحنحة .
وقوله : فتىً كملت الخ روي أيضاً : فتى كملت فيه المروءة ويجوز أن يحمل الفتى على ابنه وعلى أخيه . . . قال المرزباني في الموشح : أخبرني الصولي عن أبي العيناء عن الأصمعي قال : أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدي من قصيدته الطويلة : فتى تم فيه ما يسر صديقه فتى كملت أعراقه غير أنه ( أشم طويل الساعدين سميدع ** إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا ) فقال الرشيد : ويله لم لم يروحه في المجد كما أغداه ألا قال :
____________________

فقلت : أنت والله يا أمير المؤمنين في هذا أعلم منه بالشعر .
ومن أبيات الغزل في هذه القصيدة ( بدت فعل ود فلما تبعتها ** تولت وبقت حاجتي في فؤاديا ) ( وحلت سواد القلب لا أنا باغياً ** سواها ولا في حبها متراخيا ) قال شارح أبيات الموشح : قوله فعل ذي ود إما مصدر لبدت لأن المصادر وما يشتق منها يعبر عنها بلف الفعل قال تعالى : والذين هم للزكاة فاعلون أو لفعل محذوف أي : بدت وفعلت فعل ذي ود أي فاعلةً فعله . وقال العيني : هو بتقدير : كفعل ذي ود والمعنى : فعلت معي فعل ذي محبة . . . )
وقوله : وحلت سواد القلب هذا البيت من شواهد النحاة أوردوه شاهداً على عمل لا عمل ليس في المعرفة وهو شاذ . وأجيب عنه بوجهين : أحدهما : أن الأصل لا أرى باغياً فلما حذف الفعل برز الضمير فباغياً حال . والثاني : أن أنا مبتدأ والفعل المقدر المذكور خبره .
وروي : لا أنا مبتغ سواها وعليه لا شاهد فيه .
وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائتين
____________________

على أن ليس ولا يكون وخلا وعدا لا يستعملن في الاستثناء المفرغ وقد جاء التفريغ في ليس كما في البيت فإن المستثنى منه محذوف أي : ما ترك الصنع شيئاً إلا جلداً وأعظماً .
فالمنصوب بعد ليس خبرها واسمها قد بينه الشارح . والرواية إنما هي فما ترك الصنع الذي قد صنعته بالخطاب مع عمر بن عبد العزيز أراد بصنعه تقريب ضده : زيد بن أسلم وما عامل به الأحوص من الجفاء . وقوله : ولا الغيظ عطف على الصنع . ثم ذكر الشارح أن هذه الأفعال لم تستعمل إلا في الاستثناء المتصل . . أقول : قد وردت خلا في الاستثناء المنقطع كقول العجاج وهو من أبياته كما مر شرحه : ( وبلدة ليس بها طوري ** ولا خلا الجن بها إنسي ) فإن قوله إنسي هو المستثنى منه والجن هو المستثنى وجنس كل منهما مغاير لجنس الآخر .
والبيت من قصيدة للأحوص الأنصاري وتقدمت ترجمته في الشاهد الخامس والثمانين روى صاحب الأغاني بسنده : أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة أدنى زيد بن أسلم وجفا الأحوص فقال له الأحوص :
____________________

( ألست أبا حفص هديت مخبري ** أفي الحق أن أقصى وتدني ابن أسلما ) فقال عمر ذلك هو الحق قال الزبير وأنشدنيها عبد الملك ابن الماجشون ( ألا صلة الأرحام أقرب للتقى ** وأظهر في أكفائه لو تكرما ) ( فما ترك الصنع الذي قد صنعته ** ولا الغيظ مني ليس جلداً وأعظما ) ( وكنا ذوي قربى إليك فأصبحت ** قرابتنا ثدياً أجد مصرما ) ( وكنت لما أرجوه منك كبارق ** لوى قطره من بعد ما كان غيما ) ( وقد كنت أرجى الناس عندي مودة ** ليالي كان الظن غيباً مرجما ) ) ( أعدك حرزاً إن جنيت ظلامة ** ومالاً ثرياً حين أحمل مغرما ) ( تدارك بعتبى عاتباً ذا قرابة ** طوى الغيظ لم يفتح بسخط له فما ) وهذه القصيدة أرسلها إلى عمر وهو منفي بدهلك كان سليمان بن عبد الملك قد نفاه لما تقدم في ترجمته فبقي هناك محبوساً مدة سليمان ثم ولي عمر بن عبد العزيز فكتب إليه يستأذنه في القدوم ويمدحه فأبى أن يأذن له . وكان فيما كتب إليه : ( أيا راكباً إما عرضت فبلغن ** هديت أمير المؤمنين رسائلي ) ( وقل لأبي حفص إذا ما لقيته ** لقد كنت نفاعاً قليل الغوائل ) ( فكيف ترى للعيش طيباً ولذة ** وخالك أمسى موثقاً في الحبائل )
____________________

وأنشد بعده وهو ( وكل أبي باسل غير أنني ** إذا عرضت أولى الطرائد أبسل ) على أن غيراً تستعمل في الاستثناء المتصل . وقد مر مافيه آنفاً .
وهذا البيت من قصيدة مشهورة للشنفرى تسمى لامية العرب مطلعها : ( أقيموا بني أمي صدور مطيكم ** فإني إلى قوم سواكم لأميل ) ( فقد حمت الحاجات والليل مقمر ** وشدت لطيات مطايا وأرحل ) ( وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ** وفيها لمن خاف القلى متغزل ) ( لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ** سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل ) ( ولي دونكم أهلون : سيد عملس ** وأرقط زهلول وعرفاء جيال ) ( هم الأهل لا مستودع السر ذائع ** لديهم ولا الجاني بما جر يخذل ) وكل أبي باسل غير أنني ( وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ** بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل )
____________________

( وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ** عليهم وكان الأفضل المتفضل ) وهذه القصيدة قد شرحها جماعة منهم الخطيب التبريزي والزمخشري وابن الشجري وابن أكرم . ولم يحضرني الآن غير الأول والثاني : قال القالي في أماليه : إن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها : أقيموا بني أمي صدور مطيكم له هي من المقدمات في الحسن والفصاحة والطول . وكان أقدر الناس على قافية . انتهى . )
وعدتها ثمانية وستون بيتاً وقد استشهد الشارح منها بستة أبيات أخر في باب الجمع وفي الأفعال الناقصة وفي رب من حروف الجر وفي حروف الشرط . وقوله : أقيموا بني أمي الخ يقال : أقام صدر مطيته . إذا جد في السير وكذلك إذا جد في أمر كان . يؤذن قومه بالرحيل وأن غفلتهم عنه توجب مفارقتهم . و بني أمي : منادى وأضاف الأبناء إلى الأم لأنها أشد شفقة كما قيل في قوله تعالى حكاية عن هرون : يا ابن أم . و أميل هنا بمعنى مائل ونظيره كثير نحو أكبر وأوحد .
وقوله : فقد حمت الحاجات الخ يريد تنبهوا من رقدتكم فهذا وقت الحاجة ولا عذر لكم فإن الليل كالنهار في الضوء والآلة حاضرة . و حمت بضم الحاء المهملة يقال : حم الشيء بالبناء للمفعول أي : قدر وهيئ .
وأقمر الليل أي : أضاء . و الطية بكسر الطاء المهملة قال صاحب الصحاح : الطية النية قال الخليل : الطية تكون منزلاً وتكون منتأى تقول : مضى لطيته أي : لنيته التي انتواها وبعدت عنا طيته وهو المنزل الذي انتواه ومضى لطيته وطية بعيدة : أي شاسعة .
____________________


وقوله : وفي الأرض منأى الخ المنأى : اسم مكان من نأى أي : بعد وهو متعلق قوله عن الأذى . و القلى بكسر القاف : البغض وإن فتحتها مددت . ومتعزل بفتح الزاء : اسم مكان من تعزله بمعنى اعتزله .
وقوله : ولي دونكم الخ أورد الشارح هذا البيت في باب الجمع . ودون هنا بمعنى غير . و السيد بكسر السين : الذئب والأنثى سيدة وربما سمي به الأسد . و العملس بفتح العين والميم واللام المشددة : القوي على السير السريع . وأراد بالأرقط النمر وهو ما فيه سواد يشوبه نقط بيض . و الزهلول بضم الزاي : الأملس وفي العباب : يقال للضبع عرفاء لكثرة شعر رقبتها . وأنشد هذا البيت . و جيأل على وزن فيعل : اسم للضبع معرفة وتكون بدلاً من عرفاء وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث .
وقوله : هم الأهل الخ أي : ما ذكرته من الوحوش هم الأهل لا غيرهم . وبين وجه انحصار الأهلية فيهم دون من عداهم من الإنس بقوله : لا مستودع السر إلى آخره أي : السر المستودع عندهم غير ذائع . والجاني : اسم فاعل من جنى عليه جناية أي : أذنب . والباء سببية . وجر بمعنى جنى يقال : جر عليهم جريرةً أي : جنى عليهم جناية ويخذل بالبناء للمفعول من خذلته )
وخذلت عنه من باب قتل والاسم الخذلان : إذا تركت نصرته وإعانته وتأخرت عنه .
فهو آب وأبي .
والباسل : الجريء الشجيع من بسل بسالة مثل ضخم ضخامة بمعنى شجع فهو باسل .
وقوله : غير أنني الخ استثناء منقطع . وعرضت من عرض له كذا من باب ضرب : أي : ظهر .
وأولى : مؤنث الأول . والطريدة : ما طردت من صيد وغيره والمراد هنا الفرسان ومطاردة الأقران في الحرب إذا حمل بعضهم على بعض يقال : هم فرسان الطراد . وأبسل : أفعل تفضيل .
وقوله : وإن مدت الأيدي الخ وصف عدم شرهه على الطعام وصبره على الجوع . وهذا مدح عند العرب . والزاد : ما يؤكل وأصله الطعام المتخذ
____________________

للسفر . والباء في قوله : بأعجلهم زائدة دخلت في خبر الكون المنفي . وقد استشهد له شراح الألفية بهذا البيت . وأجشع : أفعل تفضيل من الجشع بفتحتين وهو أشد الحرص وفعله من باب فرح . وأعجل الأول بمعنى عجل بفتح فكسر لا أنه أفعل تفضيل كالثاني لأن مراده أن ينفي العجلة كبير مدح . والشرط والجواب هنا كلهما حكاية حال ماضية ولذلك صح وقوع لم في جواب الشرط .
وقوله : وما ذاك إلا بسطة الخ الإشارة راجعة إلى عدم مد يده إلى الزاد مستعجلاً وقيل راجعة إلى مجموع ما مدح به نفسه . والبسطة : السعة . والتفضل : الإنعام يقال : تفضل عليه وأفضل إفضالاً بمعنى . والأفضل خبر كان تقدم على اسمها وهو المتفضل .
والشنفرى شاعر جاهلي قحطاني من الأزد . وهو كما في الجمهرة وغيرها من بني الحارث بن ربيعة بن الأواس بن الحجر بن الهنء بن الأزد . وهو بفتح الشين وآخره ألف مقصورة وهو اسمه .
والأواس بفتح الهمزة . والحجر بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم . والهنء بتثليث الهاء وسكون النون وبعدها همزة .
وزعم بعضهم أن الشنفرى لقبه ومعناه عظيم الشفة وأن اسمه ثابت بن جابر . وهذه غلظ كما غلظ العيني في زعمه أن اسمه عمرو بن براق بفتح الباء وتشديد الراء المهملة بل هما صاحباه في التلصص وكان الثلاثة أعدى العدائين في العرب لم تلحقهم الخيل ولكن جرى المثل بالشنفرى فقيل : أعدى من الشنفرى .
ومن حديثه ما ذكره أبو عمرو الشيباني كما نقله ابن الأنباري في شرح
____________________

المفضليات وحمزة الأصبهاني في الدرة الفاخرة قال : أغار تأبط شراً وهو ثابت بن جابر والشنفرى )
الأزدي وعمرو بن براق على بجيلة بفتح الباء وكسر الجيم . فوجدوا بجيلة قد أقعدوا لهم على الماء رصداً فلما مالوا له في جوف الليل قال لهم تأبط شراً : إن بالماء رصداً . وإني لأسمع وجيب قلوب القوم أي : اضطراب قلوبهم قالوا : والله ما نسمع شيئاً ولا هو إلا قلبك يجب فوضع يده على قلبه فقال : والله ما يجب وما كان وجاباً قالوا : فلا والله ما لنا بد من ورود الماء فخرج الشنفرى فلما رآه الرصد عرفوه فتركوه فشرب ثم رجع إلى أصحابه فقال : والله ما بالماء أحد ولقد شربت من الحوض فقال تأبط شراً : بلى لا يريدونك ولكن يريدونني .
ثم ذهب ابن براق فشرب ثم رجع فلم يعرضوا له فقال : ليس بالماء أحد فقال تأبط شراً : بلى لا يريدونك ولكن يريدونني ثم قال للشنفرى : إذا أنا كرعت في الحوض فإن القوم سيشدون علي فيأسرونني فاذهب كأنك تهرب ثم ارجع فكن في أصل ذلك القرن فإذا سمعتني أقول : خذوا خذوا فتعال فاطلقني . وقال لابن براق : إني سآمرك إن تستأسر للقوم فلا تبعد منهم ولا تمكنهم من نفسك .
ثم أقبل تأبط شراً حتى ورد الماء فلما كرع في الحوض شدوا عليه فأخذوه وكتفوه بوتر وطار الشنفرى فأتى حيث أمره وانحاز ابن براق حيث يرونه فقال تأبط شراً : يا بجيلة هل لكم في خير هل لكم أن تياسرونا في الفداء ويستأسر لكم ابن براق فقالوا : نعم ويلك يا ابن براق إن الشنفرى قد طار فهو يصطلي نار بني فلان وقد علمت الذي بيننا وبين أهلك فهل لك أن تستأسر ويياسرونا في الفداء فقال : أما والله حتى أروز نفسي شوطاً أو شوطين .
فجعل يعدو في قبل الجبل ثم يرجع حتى إذا رأوا أنه قد أعيا وطمعوا فيه اتبعوه ونادى تأبط شراً : خذوا خذوا فذهبوا يسعون في أثره فجعل يطعمهم ويبعد عنهم ورجع الشنفرى إلى تأبط شراً فقطع وثاقه فلما رآه ابن براق قد قطع عنه انطلق وكر إلى تأبط شراً فإذا هو قائم فقال : أعجبكم يا معشر بجيلة عدو
____________________

ابن براق أما والله لأعدون لكم عدواً أنسيكموه ثم انطلق هو والشنفرى . انتهى .
ومن المشهورين في العدو السليك بن السلكة وهو تميمي من بني سعد . والسليك بالتصغير : فرخ الحجلة والنثى سلكة بضم السين وفتح اللام وهي اسم أمه وكانت سوداء وإليها نسب .
وذكر أبو عبيدة السليك في العدائين مع المنتشر بن وهب الباهلي وأوفى بن مطر المازني . )
والمثل للسليك من بينهم فقيل : أعدى من السليك .
ومن حديثه فيما ذكره أبو عبيدة كما نقله حمزة الأصبهاني في الدرة الفاخرة : أن السليك رأته طلائع لجيش بكر بن وائل جاؤوا متجردين ليغيروا على بني تميم ولا يعلم بهم فقالوا : إن علم بنا السليك أنذر قومه فبعثوا إليه فارسين على جوادين فلما هايجاه خرج يعدو كأنه ظبي فطارداه يوماً أجمع ثم قالا : إذا كان الليل أعيا فيسقط فنأخذه .
فلما أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة وقد وثب وانحطمت قوسه فوجدا قطعة منها قد ارتزت بالأرض فقالا : لعل هذا كان من أول الليل ثم فتر فتبعاه فإذا أثره متفاجاً قد بال في الأرض وخدها فقالا : ماله قاتله الله ما أشد متنه والله لا نتبعه فانصرفا . ووصل السليك إلى قومه فأنذرهم فكذبوه لبعد الغاية وجاء الجيش فأغاروا عليهم .
رجعنا إلى حديث الشنفرى . روى الأصبهاني في الأغاني وابن الأنباري في شرح المفضليات : أن الشنفرى أسرته بنو شبابة وهم حي من فهم بن عمرو بن قيس عيلان وهو غلام صغير فلم يزل فيهم حتى أسرت بنو سلامان بن
____________________

مفرج بسكون الفاء وآخره جيم رجلاً من فهم ثم أحد بني شبابة بفتح الشين المعجمة ففدته بنو شبابة بالشنفرى فكان الشنفرى في بني سلامان بفتح المهملة يظن أنه أحدهم حتى نازعته ابنة الرجل الذي كان في حجره وكان قد اتخذه ابناً فقال لها : اغسلي رأسي يا أخية فأنكرت أن يكون أخاها فلطمته فذهب مغاضباً إلى الذي هو في حجره فقال له : أخبرني من أنا فقال له : أنت من الأواس بن الحجر فقال : أما إني سأقتل منكم مائة رجل بما اعتبدتموني ثم إن الشنفرى لزم دار فهم وكان يغير على بني سلامان على رجليه فيمن تبعه من فهم وكان يغير عليهم وحده أكثر وما زال يقتل منهم حتى قتل تسعة وتسعين رجلاً حتى قعد له في مكان أسيد بن جابر السلاماني بفتح الهمزة وكسر السين ومع أسيد ابن أخيه وخازم البقمي وكان الشنفرى قتل أخا أسيد بن جابر فمر عليهم الشنفرى فأبصر السواد بالليل فرماه وكان لا يرى سواداً إلا رماه فشك ذراع ابن أخي أسيد إلى عضده فلم يتكلم وكان خازم منبطحاً يرصده فقطع الشنفرى بضربة أصبعين من أصابع خازم وضبطه خازم حتى لحقه أسيد وابن أخيه فأخذوا سلاح الشنفرى وأسروه وأدوه إلى أهلهم وقالوا له : أنشدنا فقال : إنما النشيد على المسرة فذهبت مثلاً . ثم ضربوا يده فقطعوها ثم قالوا له حين أرادوا قتله أين نقبرك فقال : ) ( لا تقبروني إن قبري محرم ** عليكم ولكن أبشري أم عامر ) ( إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري ** وغودر عند الملتقى ثم سائري ) ( هنالك لا أرجو حياةً تسرني ** سجيس الليالي مبسلاً بالجرائر ) وكانت حلفة الشنفرى على مائة قتيل من بني سلامان فبقي عليه منهم رجل إلى أن قتل . فمر رجل من بني سلامان بجمجمته فضرها برجله فعقرته فتم به عدد
____________________

المائة . . وذرع خطو الشنفرى يوم قتل فوجد أول نزوة نزاها إحدى وعشرين خطوةً والثانية سبع عشرة خطوةً . . .
وكان حرام بن جابر أخو أسيد بن جابر المذكور قتل أبا الشنفرى ولما قدم منى وبها حرام بن جابر فقيل للشنفرى : هذا قاتل أبيك فشد عليه فقتله ثم سبق الناس على رجليه وقال : ( قتلت حراماً مهدياً بملبد ** ببطن منى وسط الحجيج المصوت ) وقيل في سبب قتل الشنفرى غير هذا وهو مسطور في شرح المفضليات والأغاني .
وأنشد بعده وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائتين وهو من شواهد س : ( في ليلة لا نرى بها أحداً ** يحكي علينا إلا كواكبها ) على أن قوله كواكبها بالرفع بدل من الضمير في يحكي الراجع إلى أحد مع أن مرجع الضمير ليس معمولاً للابتداء أو أحد نواسخه . وأما نرى فهي بصرية والمبصر هو أحد وكواكبها لا أنها قلبية فتكون من النواسخ خلافاً لسيبويه فيهما أي : في اشتراط مرجع الضمير أن يكون معمولاً للابتداء أو ناسخه
____________________

وفي جعله نرى قلبية .
هذا محصلما نقله الشارح المحقق عن سيبويه وليس في كلام سيبويه في هذا المقام واحد منهما ولعل ما نقله الشارح ثابت في موضع آخر من كتابه . وأما عبارته هنا فهي هذه : وتقول ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله وما رأيت أحداً يفعل ذلك إلا زيداً . هذا وجه الكلام .
وإن حملته على الإضمار الذي في الفعل فقلت : غلآ زيد فرفعت فعربي قال الشاعر : ( في ليلة لا نرى بها أحداً ** يحكي علينا إلا كواكبها ) وكذلك ما أظن أحداً يقول ذلك إلا زيداً . وإن رفعت فجائز حسن . وإنما اختير النصب ها )
هنا لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه ولا يكون بدلاً إلا من منفي لأن المبدل منه منصوب منفي ومضمره مرفوع فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلاً من أحد لأنه هو المنفي وجعلوا يقول ذلك وصفاً للمنفي . وقد تكلموا بالآخر لأن معناه معنى المنفي إذ كان وصفاً لمنفي . انتهى كلام سيبويه .
وهو صريح في عدم اشتراط واحد منهما يدلك عليه عطف قوله : وكذلك ما أظن أحداً يقول ذلك إلا زيداً على قوله : ما رأيت أحداً يفعل ذلك إلا زيداً فإنه سوى بين الفعل القلبي والفعل البصري وغيرهما .
ومعنى قوله : تكلموا بالآخر أي : تكلموا بالرفع في المستثنى .
وكذلك في شرح أبيات سيبويه للنحاس والأعلم : قال النحاس : قال محمد بن يزيد : أبدل الكواكب من المضمر في يحكي ولو أبدله من أحد لكان أجود لأن أحداً منفي في اللفظ والمعنى والذي في الفعل بعده منفي في المعنى .
قال : ومثل ذلك ما علمت أحداً دخل الدار إلا زيداً وإلا زيد النصب على البدل من أحد وعلى أصل الاستثناء والرفع على البدل من المضمر انتهى .
قال ابن هشام في المغني في القاعدة التي يعطى الشيء فيها حكم ما أشبهه في معناه من الباب الثامن : قولهم إن أحداً لايقول ذلك فأوقع أحد في الإثبات لأنه نفس الضمير المستتر في يقول والضمير في سياق النفي فكأن أحداً كذلك وقال :
____________________

في ليلة لا نرى بها أحداً فرفع كواكبها بدلاً من ضمير يحكي لأنه راجع إلى أحد وهو واقع في سياق غير الإيجاب فكان الضمير كذلك .
وقال أيضاً في باب الاستثناء من الجهة الخامسة من الباب الخامس : إن قلت ما رأيت أحداً يقول ذلك إلا زيد إن رفع زيد فرفعه من وجه وهو كونه بدلاً من ضمير يقول ومنه هذا البيت . وإن نصب فنصبه من وجهين على البدلية من أحد وعلى الاستثناء . فإن قلت : ما أحد يقول ذلك إلا زيد فرفعه من وجهين : كون زيد بدلاً من أحد وهو المختار وكونه بدلاً من ضميره ونصبه من جهة وهو على الاستثناء وسيأتي بيان هذا في الشرح قريباً .
وقد نقل الدماميني هنا ما اعترض به الشارح المحقق على سيبويه ولم يزد عليه بشيء . )
وقال ابن الشجري في أماليه : رفع كواكبها على البدل من المضمر في يحكي ولولا احتياجه إلى تصحيح القافية كان النصب فيها أولى من ثلاثة أوجه : إبدالها من الظاهر الذي تناوله النفي على الحقيقة والثاني : نصبها على أصل باب الاستثناء كقراءة ابن عامر : ما فعلوه إلا قليلاً منهم والثالث : أنه استثناء من غير الجنس كقولك : ما في الدار أحد إلا الخيام . وأهل الحجاز مجمعون فيه على النصب وعلى ذلك أجمع القراء في قوله تعالى : مالهم به من علم إلا اتباع الظن انتهى .
وقوله : يحكي علينا الحكاية بمعنى الرواية . وعلى بمعنى عن وقد يقال ضمن يحكي معنى ينم .
قالهما ابن هشام في الباب الأول من المغني .
وهذا البيت نسبه الشارح المحقق إلى عدي بن زيد موافقة لشراح شواهد سيبويه ولم ينسبه سيبويه في كتابه إلى أحد وإنما أورده غفلاً . وقد تصفحت ديوان عدي بن زيد مرتين فلم أجده فيه وإنما هذا البيت من أبيات لأحيحة بن الجلاح
____________________

الأنصاري أثبتها له الأصبهاني في الأغاني وهي : ( يشتاق قلبي إلى مليكة لو ** أمسى قريباً لمن يطالبها ) ( ما أحسن الجيد من مليكة وال ** لبات إذ زانها ترائبها ) ( يا ليتني ليلة إذا هجع ال ** ناس ونام الكلاب صاحبها ) ( في ليلة لا نرى بها أحداً ** يحكي علينا إلا كواكبها ) ( ولتبكني ناقة إذا رحلت ** وغاب في سربخ مناكبها ) ( ولتبكني عصبة إذا اجتمعت ** لم يعلم الناس ما عواقبها ) وبهذه الأبيات عرف أن القافية مرفوعة .
وقوله : لو أمسى الخ لو للتمني واسم أمسى ضمير القلب ومن موصولة بمعنى : التي . ومليكة بالتصغير : اسم امرأة . وقوله : ما أحسن الجيد ما تعجبية . واللبة بفتح اللام : موضع القلادة من الصدر . والترائب : جمع تريبة وهي عظام الصدر ما بيت الترقوتين إلى الثدي .
وقال ابن الشجري : اللبة : الموضع الذي عليه طرف القلادة . والترائب واحدتها تريبة وقيل تريب وهو الصدر وإنما جمعهما لما حولهما كأنه سمّى ما يجاور اللبة لبّة وما يجاور التربية تربية كما قالوا : شابت مفارقه . وقوله : يا ليتني ليلة الخ صاحبها خبر ليت وليلة ظرف )
لصاحبها وإذا بدل منها بدل اشتمال والمضير مقدّر أي : هجع الناس فيها .
وقوله : في ليلة لا نرى بها . . . الخ في ليلة بدل من قوله إذا وجملة لا نرى بها الخ صفة ليلة ونرى بالنون يوروى بالتاء وهو قريب . وجملة يحكي علينا : صفة أحداً . وروي بدله : يسعى علينا من سعى به إلى الوالي : إذا وشى به ونمّ عليه .
وقوله : تبكني هو أمر الغائب . والقينة بالفتح : الأمة مغنية كانت كما هنا أو غير مغنية .
والمزهر بكسر الميم : العود الذي يضرب به من آلات الملاهي . والقهوة : الخمر . وقوله : إذا رحلت بالبناء للمفعول
____________________

من رحلت البعير رحلاً من باب نفع : إذا شددت عليه رحله وهو أصغر من القتب .
وقوله : وغاب في سربخ الخ السربخ بفتح السين وسكون الراء المهملتين وفتحالموحدة وآخره خاء معجمة : الأرض الواسعة . وقوله : ما عواقبها ما استفهامية مبتدأ وعواقبها الخبر والجملة في موضع مفعولي علم المعلّق عن العمل بالاستفهام .
وقال ابن الشجري في أماليه مشيراً إلى أن هذا البيت لأحيحة بن الجلاح بقوله : والبيت الذي أنشده سيبلويه شاهداً على جواز الرفع من مقطوعة لرجل من الأنصار . وروي أنه لما أدخلت حبابة على يزيد بن عبد الملك دخلت وعليها ثياب معصفرة وبيدها دفّ وهي تصفقه بيدها وتغني بهذه الأبيات : ( ما أحسن الجيد من مليكة وال ** لّبات إذ زانها ترائبها ) ( يا ليتني ليلةً إذا هجع ال ** ناس ونام الكلاب صاحبها ) ( في ليلة لا نرى بها أحداً ** يحكي علينا إلا كواكبها ) ثم قال ابن الشجري : ووقع في أكثر نسخ كتاب سيبويه غير منسوب إلى شاعر مسمّى ووجدته في كتاب لغويّ منسوباً إلى عدي بن زيد وتصفحت نسختين من ديوان شعر عديّ فلم أجد فيهما هذه المقطوعة بل وجدت له قصيدة على هذا الوزن وهذه القافية أولها : ( لم أر مثل الأقوام في غبن الأيام ** ينسون ما عواقبها ) ( يرون إخوانهم ومصرعهم ** وكيف تعتاقهم مخالبها ) ( فما ترجّي النفوس من طلب الخير ** وحب الحياة كاذبها ) ثم قال : قوله : في غبن الأيام يدلّ على أنهم قد استعملوا الغبن المتحرك الأوسط في البيع )
والأشهر غبنه في البيع غبناً بسكون وسطه والأغلب على الغبن المفتوح أن يستعمل في الرأي وفعله غبن يغبن مثل فرح يفرح يقال : غبن رأيه والمعنى : في رأيه . ومفعول الغبن في البيت محذوف أي : في غبن الأيام إياهم . ومما استعمل فيه الغبن المفتوح الأوسط في البيع قول الأعشى :
____________________

( لا يقبل الرشوة في حكمه ** ولا يبالي غبن الخاسر ) وقوله : ما عواقبها ما استفهامية وينسون معلّق كما علّق نقيضه وهو يعلمون والتقدير : ينسون أيّ شيء عواقبها . ومعنى قوله : وحب الحياة كاذبها أن حب النفوس للحياة قد يستحيل بغضاً لما يتكرر عليها من الشدائد والآفات التى يتمنى صاحبها الموت كما قال المتنبي : ( كفى بك داء أن ترى الموت شافياً ** وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا اه ) وبعد أن نسب هذه الأبيات صاحب الأغاني لأحيحة بن الجلاح بيّن منشأها فقال : إن تبّعاً الأخير وهو أبو كرب بن حسان بن تبّع بن أسعد الحميري أقبل من اليمن يريد الشرق كما كانت التبابعة تفعل فمرّ بالمدينة فخلّف بها ابنه ومضى حتى قدم العراق فنزل بالمشقّر فقتل ابنه بالمدينة غيلة فبلغه الخبر فكرّ راجعاً حتى دخل المدينة وهو مجمع على إخرابها وقطع نخلها واستئصال أهلها وسبي الذرّية فنزل بسفح أحد فاحتفر بها بئراً في التي يقال لها إلى اليوم : بئر الملك ثم أرسل إلى أشراف أهل المدينة ليأتوه فكان ممن أرسل إليه زيد بن ضبيعة وابن عمّه زيد بن أمية وابن عمه زيد بن عبيد وكانوا يسمون الأزياد وأحيحة بن الجلاح فلما جاء رسوله قال الأزياد : غنما أرسل إلينا ليملّكنا على أهل يثرب فقال أحيحة : والله ما دعاكم لخير وكان يقال إن مع أحيحة تابعاً من الجن يعلمه الخبر لكثرة صوابه لأنه كان لا يظن شيئاً إلا كان كما يقول فخرجوا إليه وخرج أحيحة ومعه قينة له وخباء وخمر فضرب الخباء وجعل فيه القينة والخمر ثم استأذن على تبّع فأذن له ة وأجلسه على زربيّة تحته وتحدث معه وسأله عن أمواله بالمدينة فجعل يخبره عنها فخرج من عنده فدخل خباءه فشرب الخمر وقرض أبياتاً وامر القينى أن تغنيه بها وجعل تبّع عليه حرساً وكانت قينته تدعى مليكة فقال : الأبيات المتقدمة . فلم تزل القينة تغنيه بذلك يومه وعامّة ليلته فلما نام الحرس
____________________

قال لها : إني ذاهب إلى أهلي فشدّي عليك الخباء فإذا جاء رسول الملك فقولي : هو نائم فإذا أبوا إلا أن يوقظوني فقولي : قد رجع إلى أهله أرسلني إلى الملك برسالة فإن ذهبوا بك إليه فقولي : يقول لك )
أحيحة اغدر بقينة أو دع ثم انطلق فتحصّن في أطمه الضحيان فأرسل تبّع من جوف الليل إلى الأزياد فقتلهم .
وأرسل إلى أحيحة ليقتله فخرجت إليهم القينة فقالت : هو راقد فانصرفوا وترددوا عليها مراراً كل ذلك تقول : هو راقد ثم عادوا فقالوا : لتوقظنّه أو لندخلن عليك قالت : فإنه قد رجع إلى أهله وأرسلني إلى الملك برسالة فذهبوا بها إلى الملك وأبلغته الرسالة فجرّه له كتيبة من خيله ثم أرسلهم في طلبه فوجدوه قد تحصّن في أطمه فحاصروه ثلاثاً فكان يقاتلهم بالنهار ويرميهم بالنبل والحجارة ويرمي إليهم في الليل بالتمر .
فلما مضت الثلاث رجعوا إلى تبع فقالوا : بعثتنا إلى رجل يقاتلنا بالنهار ويضيفنا في الليل فتركه وأمرهم أن يحرقوا نخله وشبّت الحرب بين أهل المدينة : اوسها وخزرجها ويهودها وبين تبّع وتحصنوا في الآطام فخرج رجل من أصحاب تبّع حتى جاء بني عدي بن النجار وهم متحصنون في أطمهم فدخل حديقة من حدائقهم فرقي بها عذقاً منها يجدّها فاطلع إليه رجل من بني عدي من الأطم فنزل إليه فضربه بمنجل حتى قتله ثم ألقاه في بئر فلما انتهى ذلك لى تبّع زاده غيظاً وحنقاً وجرد إلى بني النجار جريدة من خيله فقاتلهم بنو النجار . . . فبينا يريد تبع إخراب المدينة اتاه حبران من اليهود فقالا : أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنها محفوظة وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد يخرج من هذا الحرم . فأعجبه ما سمع منهما وكفّ عن أهلها . انتهى ما نقلته من الأغاني مختصراً .
والأطم قال في الصحاح : هو مثل الأجم يخفف ويثقّل والجمع آطام وهي حصون لأهل المدينة والواحدة أطمة بفتحات . والضحيان بفتح الضاد المعجمة وسكون الحاء المهملة وبعدها ياء مثناة تحتية : اسم حصن لأحيحة
____________________

وقد بينه صاحب الأغاني بعد هذا فقال : وكان لأحيحة أطمان أطم في قومه يقال له المستظل وهو الذي تحصن فيه حين قاتل تبعاً أبا كرب الحميري وأطمه الضحيان بالعصبة في أرضه التي يقال لها الغابة بناه بحجارة . وكانت الآطام عزّهم ومنعتهم وحصونهم التي يتحرزون فيها من عدوهم . انتهى كلامه .
وقد خالف بين كلاميه فقال هناك : تحصّن بأطمه الضحيان . وقال في موضع آخر : تحصن في أطمه المستظل .
وأحيحة هو أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن مالك بن )
وأحيحة بضمّ الهمزة وبالحاءين المهملتين : مصغّر الأحيحة وهو الغيظ وحزازة الغمّ . والجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره حاء مهملة وهو في اللغة السيل الجراف . والحريش بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وآخره شين معجمه وهو نوع من الحيات أرقط . وجحجبى بحاء مهملة ساكنة بين جيمين مفتوحتين وبعد الموحدة ألف مقصورة وهذه المادة غير مذكورة في الصحاح قال صاحب القاموس : جحجب العدو : أهلكه وفي الشيء : تردد وجاء وذهب . وجحجب : اسم . وجحجبى : حي من الأنصار انتهى .
وكلفة بضم الكاف وسكون اللام .
وكان أحيحة سيد الأوس في الجاهلية وكانت أم عبد المطلب بن هاشم تحته . والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة صحابي شهد بدراً وقتل يوم بئر معونة كذا في الجمهرة . وعد عبدان في الصحابة محمد بن عقبة هذا لكنه نسبه إلى جده فقال : محمد بن أحيحة . وقال : بلغني أنه أول من سمي محمداً وأظنه أحد الأربعة الذين سموا محمداً قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم . وأبوه كان زوج سلمى أم عبد المطلب .
قال ابن الأثير : من يكون أبوه تزوج أم عبد المطلب مع طول عمر عبد المطلب كيف تكون له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا بعيد ولعله محمد بن المنذر بن عقبة بن أحيحة الذي ذكروا أباه فيمن شهد بدراً . قال ابن حجر
____________________

في الإصابة : وفيه نظر لأنهم لم يذكروا للمنذر ولداً اسمه محمد انتهى .
والصواب ما في الجمهرة وبه يزول الإشكال .
قال صاحب الأغاني : وكانت عند أحيحة سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش إحدى نساء بني عدي بن النجار له منها عمرو بن أحيحة ثم أخذها هاشم بعد أحيحة فولدت له عبد المطلب بن هاشم وكانت امرأةً شريفة لا تنكح الرجال إلا وأمرها بيدها وإذا كرهت من رجل شيئاً تركته .
وكان أحيحة كثير اللمال شحيحاً عليه يبيع بيع الربا بالمدينة حتى كاد يحيط بأموالهم وكان له تسع وتسعون بئراً كلها ينضح عليها وكان له أطمان : أطم في قومه يقال له المستظل وهو الذي تحصن فيه حين قاتل تبعاً الحميري وأطمه الضحيان بالعصبة في أرضه التي يقال لها الغابة بناه بحجارة سود ويزعمون أنه لما بناه أشرف هو وغلام له ثم قال : لقد بنيت حصناً )
حصيناً ما بنى مثله رجل من العرب أمنع منه ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع وقع جميعاً .
فقال غلامه : أنا أعرفه قال : فأرنيه يا بني قال : هو هذا وصرف إليه رأسه فلما رأى أحيحة أنه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات . وإنما قتله لئلا يعرف ذلك الحجر أحد . فلما بناه قال : ( بنيت بعد مستظل ضاحيا ** بنيته بعصبة من ماليا ) ( للستر مما يتبع القواضيا ** أخشى ركيبا أو رجيلا غاديا ) وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام عليه في شرح شواهد الشافية عند شرح قوله : أخشى ركيباً أو رجيلاً غاديا . فإنه من شواهده وشواهد
____________________

الكشاف أيضاً . ولم يعرف أحد تتمته ولا أصله ممن كتب على الكشاف وغيره .
واعلم أن جملة من سمي بمحمد في الجاهلية ذكرهم ابن حجر في شرح البخاري . وهذا كلامه : قال عياض : حمى الله عز وجل هذا الاسم أن يسمى به أحد قبله وإنما سمى بعض العرب محمداً قرب ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبياً سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمداً فرجوا أن يكونوا هم فسموا أبناءهم بذلك وهم ستة لا سابع لهم . كذا قال .
وقال السهيلي في الروض الأنف : لا يعرف في العرب من تسمى محمداً قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة : محمد بن سفيان بن مجاشع ومحمد بن أحيحة بن الجلاح ومحمد بن حمران بن وسبق السهيلي إلى هذا القول أبو عبد الله بن خالويه في متاب ليس . وهو حصر مردود . وقد جمعت أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد فبلغوا نحو العشرين لكن مع تكرير في بعضهم ووهم في بعض فتلخص منه خمسة عشر نفساً .
وأشهرهم محمد بن عدي بن ربيعة التميمي السعدي . وقد سئل محمد بن ربيعة والسائل ابنه قال له : كيف سماك أبوك في الجاهلية محمداً قال : سألت أبي عما سألتني فقال : خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم وسفيان بن مجاشع ويزيد بن عمرو بن ربيعة وأسامة بن مالك بن حبيب بن العنبر نريد ابن جفنة الغساني بالشام فنزلنا على غدير دير فأشرف علينا الديراني فقال لنا : إنه سيبعث منكم وشيكاً نبي فسارعوا إليه . فقلنا : ما اسمه قال : محمد . )
فلما انصرفنا ولد لكل منا ولد فسماه محمداً .
وقال ابن سعد عن علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن قتادة بن السكن قال : كان في بني تميم محمد بن سفيان بن مجاشع قيل لأبيه : إنه سيكون نبي في العرب اسمه محمد فسمى ابنه محمداً . فهؤلاء الأربعة ليس في السياق ما يشعر بأن فيهم من له صحبة إلا محمد بن عدي .
____________________


قال ابن سعد لما ذكره في الصحابة : عداده في أهل الكوفة . وذكر عبدان المروزي أن محمد بن أحيحة بن الجلاح أول من تسمى محمداً في الجاهلية وكأنه تلقى ذلك من قصة تبع لما حاصر المدينة وخرج إليه أحيحة المذكور هو والحبر الذي كان عندهم بيثرب فأخبره الحبر أن هذا بلد نبي يبعث يسمى محمداً . فسمى ابنه محمداً وذكر البلاذري منهم محمد بن غقبة بن أحيحة فلا أدري : أهما واحد نسب مرةً إلى أبيه ومرةً إلى جده أم هما اثنان . . أقول : الصواب أنهما واحد نسب مرةً إلة أبيه ومرةً إلى جده كما تقدم بيانه .
ثم قال ابن حجر : ومنهم محمد بن براءالبكري ذكره ابن حبيب . وضبط البلاذري أباه فقال : محمد بن بر بتشديد الراء ليس بعدها ألف بن طريف بن عتوارة بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ولهذا نسبوه أيضاً العتواري .
وغفل ابن دحية فعد فيهم محمد بن عتوارة وهو هو نسب إلى جده الأعلى . ومنهم محمد بن اليحمدي الأزدي ذكره المفجع البصري في كتاب المنقذ . ومحمد بن خولي الهمداني . ذكره ابن دريد . ومنهم محمد بن حمران بن أبي حمران واسمه ربيعة بن مالك الجعفي المعروف بالشويعر ذكره المرزباني فقال : هو أحد من سمي في الجاهلي محمداً وله قصة مع امرئ القيس . ومنهم محمد بن خزاعي علقمة بن حرابة السلمي من بني ذكوان ذكره ابن سعد عن علي بن محمد عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال : سمي محمد ين خزاعي طمعاً في النبوة .
وذكر الطبراني أن أبيرهة الحبشي توجه وأمره أن يغزو بني كنانة فقتلوه وكان
____________________

ذلك من أسباب ( فذلكم ذو التاج منا محمد ** ورايته في حومة الموت تخفق ) ومنهم محمد بن عمر بن مغفل بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام وهو والد هبيب بموحدتين مصغر وهو على شرط المذكورين فإن لولده صحبةً . ومات هو في الجاهلية . ومنهم محمد بن الحارث بن حديج بن حويص ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين وذكر له قصةً مع عمر وقال : إنه أحد من تسمى محمداً في الجاهلية . ومنهم محمد )
الفقيمي ومحمد الأسيدي ذكرهما ابن سعد ولم ينسبهما بأكثر من ذلك . . فعرف بهذا وجه الرد على الحصر الذي ذكره القاضي عياض .
وعجب من السهيلي كيف لم يقف على ما قاله القاضي مع كونه قال قبله وقد تحرر لنا من أسمائهم قدر الذي ذكره القاضي عياض مرتين بل ثلاث مرات فإنه ذكر في الستة الذين جزم بهم : محمد بن مسلمة وهو غلط فإنه ولد بعد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ففضل له خمسة . وقد خلص لنا خمسة عشر والله أعلم . انتهى ما قال ابن حجر .
وقال زين الدين العراقي : قلت : عده أعني عياضاً محمد بن مسلمة فيه نظر من حيث أتنه ولد بعده بعشر سنين ولكنه صحيح من حيث أنه لم يكن ظهرت
____________________

النبوة والله أعلم .
وأنشد بعده وهو ( قلما عرس حتى هجته ** بالتباشير من الصبح الأول ) على أن أبا علي قال : إن قلما قد تجيء بمعنى إثبات الشيء القليل كما في هذا البيت والكثير أن تكون للنفي الصرف . وهذا كلام أبي علي في الإيضاح الشعري قال : وأما قول لبيد : قلما عرس حتى هجته فإن قولهم قلما يستعمل على ضربين : أحدهما : أن يكون بمعنى النفي لا يثبت به شيء والآخر : أن يكون خلاف كثر يثبت به شيء قليل . فمن الأول قولهم : قلما سرت حتى أدخلها فتنصب الفعل معه بعد حتى كما تنصب في قولك : ما سرت حتى أدخلها ومنه : قلما سرت فأدخلها فتنصب معه الفعل بعد الفاء كما تفعل ذلك بالنفي ومنه قلّ رجل جاءني إلا زيد كما تقول : ما جاءني إلا زيد فهذا في هذه المواضع بمنزلة النفي .
ولو أردت نفي كثر لجاز الرفع في الفعل بعد حتى كما تقول : سرت قليلاً حتى أدخلها . ولو أجري هذا الضرب مجرى الأول على معنى أن القليل لم يعتدّ به لقلته لكان ذلك قياساً على كلامهم ألا تراهم قالوا : ما أدري أأذن أو قام فجعل الفعل غير معتد به والبيت مما قد ثبت فيه التعريس ولم بنفه ألبتّة يدلك على ذلك قول ذي الرّمّة :
____________________

( زار الخيال لميّ هاجعاً لعبت ** به التنائف والمهرية النّجب ) انتهى . بيانه : أن ذا الرمّةّ أراد بالهاجع المعرس نفسه . والهاجع : النائم . ولعبت به : ترامت به بلدة إلى بلدة . والمهرية بالفتح : الإبل المنسوبة إلى مهرة وهي حي باليمن . والنّجب : جمع نجيب : )
كرام الإبل . والتعريس : الإقامة في آخر الليل . ومعرساً : صفة هاجعاً . أي : زارني خيال ميّ وأنا معرّس نائم . وجملة : في بياض الصبح وقعته صفة لقوله : معرساً . يريد الوقعة التي ينامها عند الصبح لأن كل من سار ليلته فذلك وقت إراحته ونومه . ويروى : وسائر الليل . ومنجذب : خبر سائر أي : ماض .
وقوله : إلا ذاك استثناء للتعريس من السير وهذا وجه الدليل . ويروى أيضاً : في سواد الليل .
والتفسير في السير والليل والسواد سواء . وهذا الشعر من قصيدة طويلة لذي الرمة مطلعها : ما بال عينك منها الماء ينسكب وهذه القصيدة أول ديوانه .
واعلم أن أبا علي قد تكلم هنا على أقل وقلّ وقلما بكلام جيد قد اختصره الشارع المحقق أحببت أن أنقله هنا برمّته تتميماً للفائدة : قال : اعلم أنهم قالوا : أقل رجل يقول ذلك وأقل امرأة تقول ذلك وأقل امرأتين تقولان ذلك محملوا الصفة فيها على المضاف إليه أقل لا على أقل . فإن قال قائل : ما موضع تقول ذلك وتقولان ذلك فالقول فيه : أن موضعه جرّ على ما عليه استعمالهم ولا يجوز أن يكون موضعه رفعاً لأنه لو كان رفعاً لكان ينبغي أن يكون محمولاً على أقل إما أن يكون وصفاً أو خبراً .
فإن قلت : إذا كان أقل مبتدأ فما خبره فالقول فيه : أنه لا يخلو من أن يكون مضمراً متروك الإظهار والاستعمال كما كان خبر الاسم بعد لولا كذلك . أو
____________________

يكون قد استغني عن الخبر بالصفة الجارية على المضاف أقل إليه وصار أقل لا خبر له لما فيه من معنى النفي كما أن قلما في قولهم : ( قلما ** وصال على طول الصدود يدوم ) غير مسند إلى فاعل لما فيه من معنى النفي فكما صار قل غير مسند إلى فاعل كذلك أقل غير مسند إلى خبر لأن كل واحد منهما قد جرى مجرى صاحبه ألا ترى أنهم قالوا قل رجل يقول ذلك إلا ويد كما قالوا : ما رجل يقول ذلك إلا زيد وقالوا : أقل رجل يقول ذلك إلا زيد فأبدلوا زيداً من أقل وأجروه مجرى قل رجل يقول ذلك إلا زيد ألا ترى أنه لم يبدل من رجل المجرور بل أجري مجرى قل رجل فأما صفة الاسم الذي يضاف إليه أقل فإنه يكون فعلاً أو ظرفاً لأن الظرف كالفعل والفاعل ألا ترى أنه في صلة الموصول كالفعل : في استقلال الموصول )
به وقال أبو الحسن : لو قلت أقل رجل ذي جمّة أو نحو ذلك لم يحسن .
قال أبو علي : وإنما امتنع هذا لأن أقل قد أجري مجرى حرف النفي فلم يظهر له خبر كما أن قل جرى مجراه فلم يسند إلى فاعل . فإذا علمت أنه قد أجري مجرى حرف النفي بما ذكرت وبأنهم قالوا : قل رجل يقول ذلك إلا زيد كان قولهم : أقل رجل يقول ذلك أقل فيه بمنزلة حرف النفي وحرف النفي ينبغي أن يدخل على كلام تام والكلام التام الفعل والفاعل وما حكمهما من الظروف وليس المبتدأ وخبره مما يجري مجرى الفعل والفاعل هنا .
ألا ترى أن أبا الحسن يقول : لو قلت أقل رجل وجهه حسن لم يحسن . فدل
____________________

ذلك على أنهم جعلوا أقل بمنزلة ما وما حقها أن تنفي فعل الحال في الأصل ويؤكد ذلك أنه صفة والصفة ينبغي أن تكون مصاحبة للموصوف فكما لا تدخل ما في نفي الفعل إلا على فعل وفاعل كذلك ينبغي أم يكون الوصف الواقع بعد الاسم المضاف إليه أقل فعلاً وفاعلاً أو ظرفاً لأن الظرف كالفعل .
وإذا كانت كذلك فلو أوقعت جملة من ابتداء وخبر بعده لم يحسن لأن ما في الأصل لا تنفيها إنما تنفي الفعل ولو أوقعت صفة لا معنى للفعل فيها نحو ذي جمة وما أشبهها مما لا يشابه الفعل لم يجز .
ولو أوقعت الصفة المشابهة للفعل نحو ضارب وصالح لم يحسن في القياس أيضاً ألا ترى أن هذا موضع جملة واسم الفاعل لا يسد مسد الجملة ولذلك لم تستقل الصلة به واسم الفاعل في صفة الاسم المجرور بربّ أحسن منه في صفة الاسم المضاف إليه أقل . لأن ربّ وما انجر به من جملة كلام ألا ترى أن الفعل الذي يتعلق به مراد وإن كان قد يترك من اللفظ كما أن ما يتعلق به الكاف من قولك : الذي كزيد كذلك : فإذا كانت كذلك كانت فضلة والفضلة لا تمتنع أن توصف بالصفات التي لا تناسب الفعل والتي تناسبه وليس صفة المضاف إليه أقل كذلك ألا ترى أن أقل بمنزلة حرف النفي كما كان قل كذلك وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة .
وجه جواز وصف الاسم المضاف إليه اقل بصالح ونحوه هو أن هذا الضرب قد أجري مجرى الجمل في غير هذا الموضع ألاترى أن سيبويه قد أجاز حكاية عاقلة لبيبة ونحوها إذا سمي بها فجعله في ذلك بمنزلة الجمل حيث كان في حكمها من حيث كان حديثاً ومحدثاً عنه وقد )
جرى هذا النحو مجرى الفعل والفاعل أيضاً في الأسماء المسمى بها الفعل فكذلك فيما ذكرنا .
والأقيس فيما يجرّ بربّ أن يوصف بفعل وفاعل لأن أصل رب وإن كان كما ذكرنا فقد صار عندهم بمنزلة النفي ألا ترى أنها لا تقع إلا صداراً كما أن النفي كذلك وأن المفرد بعد قل دل على أكثر من واحد وهذا مما يخنص به النفي ونحوه فإذا كان كذلك صار ذلك الأمر كالمرفوض وصار الحكم لهذا الذي
____________________

عليه الاستعمال الآن . وقد صار كانفي بما لزمه بما ذكرنا كما صار أقل رجل بمنزلة ذلك فكما أن حكم صفة المضاف إليه أقل أن يكون على ما ذكرنا كذلك حكم ما انجر برب .
ومما يدل على أن أقل منزل منزلة النفي امتناع العوامل الداخلة على المبتدأ من الدخول عليه امتناعها من الدخول على ما لزمه حرف النفي . ومما جرى مجرى أقل رجل فيما ذكرنا قولهم : خطيئة يوم لا أصيد فيه ألا ترى أن الكلام محمول على على ما أضيف خطيئة إليه كما كان محمولاً على ما أضيف أقل إليه ولم يعد على خطيئة مما بعده ذكر كما لم يعد على أقل شيء مما بعده .
وقياس خطيئة أن تمتنع العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر من الدخول عليها كما امتنعت من الدخول على أقل لاتفاقهما فيما ذكرت وفي المعنى ألا ترى أنه يريد ما يوم لا أصيد فيه إلا الخطيئة فصار كقولهم أقل من جهة المعنى ومن جهة حمل ما بعدها على ما أضيف إليه من دونها . والقياس فيها وفي أقل أن يكون ما جرى بعدهما من الكلام قد سد مسد الخبر وصار معنى أقل امرأتين تقولان ذلك ما امرأتان تقولان ذلك وكذلك خطيئة فحمل الكلام على المعنى فلم يحتج إلى إضمار خبر كما لم تحتج إليه في قولك : أذاهب أخواك وما أشبهه . انتهى وبيت الشاهد من قصيدة طويلة للبيد بن ربيعة الصحابي عدة أبياتها خمسة وثمانون بيتاً ولا بد من ذكر أبيات متصلة به ليتضح معناه وهي : ( ومجود من صبابات الكرى ** عاطف النمرق صدق المبتذل ) ( قال هجدنا فقد طال السرى ** وقدرنا إن خنى الدهر غفل )
____________________

( يتقي الأرض بدف شاسف ** وضلوع تحت صلب قد نحل ) ( قلما عرس حتى هجته ** بالتباشير من الصبح الأول ) ( يلمس الأحلاس في منزله ** بيديه كاليهودي المصل ) ) ( يتمارى في الذي قلت له ** ولقد يسمع قولي حيهل ) ( فوردنا قبل فراط القطا ** إن من وردي تغليس النهل ) قوله : ومجود من صبابات الخ الواو واو رب والمجود : الذي جاده النعاس وألح عليه حتى أخذه فنام من الجود بالفتح وهو المطر الغزير يقال : أرض مجودة أي : مغيثة وجيدت الأرض : إذا مطرت جوداً . وقال أعرابي : المجود : الذي قد جاده العطش أي : غلبه كذا في شرح أبي الحسن الطوسي . وهذا لا يناسب قوله : صبابات الكرى فإن الكرى النوم وصبابته بقيته .
والجيد ما ذكره صاحب القاموس : من أن الجواد كغراب : النعاس وجاده الهوى : شاقه وغلبه وقوله : عاطف النمرق صفة مجود والإضافة لفظية يريد : عطف نمرقته وثناها فنام .
والنمرقة مثلثة النون : الوسادة والطنفسة فوق الرحل وهي المرادة هنا والطنفسة مثلثة الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكس : البساط . وقوله : صدق المبتذل بفتح الصاد أي : جلد قوي لا يغير عند ابتذاله نفسه ولا يسقط ولا يجوز أن يقال صدق المبتذل إلا إذا امتهن ووجد صادق المهنة يوجد عنده ما يحب ويراد .
____________________


وفي القاموس : الصدق : الصلب المستوي من الرماح والرجال والكامل من كل شيء وهي صدقة . والمبتذل : مصدر بمعنى الابتذال وهو ضد الصيانة يقال : سيف صدق المبتذل أي : ماضي الضريبة . وقوله : قال هجدنا الخ قال : هو متعلق رب . والتهجيد من الأضداد . يقال : هجده إذا نومه أي : دعنا ننام وهو المراد هنا وهجده : إذا أيقظه . والفاء للتعليل . والسرى بالضم : سير عامة الليل . وقوله : وقدرنا أي : وقدرنا على ورود الماء وذلك إذا قربوا منه .
وفي القاموس ة بيننا ليلة قادرة : هينة السير لا تعب فيها . والخنى بفتح المعجمة والقصر : الآفة والفساد أي : إن غفل عنا فساد الدهر فلم يعقنا . وقيل : قدرنا أي : على التهجيد وقيل : على السير . وقوله : يتقي الأرض الخ أخبر عن صاحبه النعسان بأنه يتقي الأرض أي : يتجافى عنها . والدف بفتح الدال : الجنب . وروي : يتقي الريح . والشاسف بتقديم المعجمة على المهملة : اليابس ضمراً وهزالاً وقد شسف كنصر وضرب وكرم شسوفاً ويكسر : إذا يبس ونحل جسمه كمنع وعلم ونصر وكرم نحولاً : ذهب من مرض أو سفر .
وقوله : قلما عرّس الخ ما المتصلة بقلّ كافة لها عن طلب الفاعل وجاعلة إياها بمنزلة ما النافية في الأغلب وهنا لإثبات القلة كما تقدم وما تتصل بأفعال ثلاثة فتكفها عن طلب الفاعل وهي )
قلما وطالما وكثر ما وينبغي أن تتصل بالأولين كتابة . والتعريس : النزول في آخر الليل للاستراحة والنوم ومثله الإعراس . و هجته : أيقظته من النوم وهاج يهيج يجيء لازماً ومتعدياً يقال هاج : إذا ثار وهجته : إذا أثرته . وحتى هنا حرف جر بمعنى إلا الاستثنائية أي : ما عرس إلا أيقظته أي : نام قليلاً ثم أيقظته وأكثر دخولها على المضارع كقوله : ( ليس العطاء من الفضول سماحة ** حتى تجود وما لديك قليل )
____________________

وقوله : بالتباشير أي : بظهورها و التباشير : أوائل الصبح وهو جمع تبشير ولا يستعمل إلا جمعاً قال في القاموس : التباشير البشرى وأوائل الصبح وكل شيء وطرائق على الأرض من آثار الرياح وآثار بجنب الدابة من الدبر والبواكر من النخل وألوان النخل أول ما ترطب .
انتهى .
ولكونه مشتركاً بين هذه المعاني بين المراد بقوله : من الصبح . و الأول صفة التباشير وهو بضم الهمزة وفتح الواو جمع أولى مؤنث الأول كالكبر جمع كبرى . وقد جاء هذا المصراع الثاني في شعر النابغة الجعدي وهو : ( وشمول قهوة باكرتها ** في التباشير من الصبح الأول ) والنابغة وإن كان عصري لبيد إلا أنه أسن منه كما بيناه في ترجمتها وقد عيب هذا البيت على النابغة قال صاحب تهذيب الطبع : وأما الأبيات المستكرهة الألفاظ المتفاوتة النسج القبيحة العبارة التي يجب الاحتراز منها كقول النابغة الجعدي : ( وشمول قهوة باكرتها ** في التباشير من الصبح الأول ) يريد بالتباشير الأول من الصبح . وعابه المرزباني أيضاً في كتابه الموشح .
وقوله : يلمس الأحلاس فاعل يلمس ضمير المجود . واللمس : الطلب وفعله من بابي قتل وضرب . و الأحلاس : جمع حلس بالكسر وهو كساء رقيق يكون على ظهر البعير تحت رحله . أي : يطلبها بيديه وهو لا يعقل من غلبة النعاس . وقوله : كاليهودي المصل قال الطوسي في شرحه كأنه يهودي يصلي في جانب يسجد على جبينه . هذا كلامه .
واليهودي يسجد على شق وجهه وأصل ذلك أنهم لما نتق الجبل فوقهم قيل لهم : إما أن تسجدوا وإما أن يلقى عليكم فسجدوا على شق واحد مخافة أن يسقط عليهم الجبل فصار عندهم سنة إلى اليوم . وقوله : يتمارى في الذي قلت له الخ )
____________________


هذا البيت أورده الشارح في اسم الفعل وهناك يشرح إن شاء الله تعالى . التماري في الشيء والامتراء فيه : المجادلة والشك فيه يقال : ماريت الرجل أماريه مراء وممارة : إذا جادلته والمرية : الشك . قال الطوسي : يقول : قال له الصبح والنجاء قد أصبحت ونحو هذا من الكلام .
وحيهل : أي : أسرع وأعجل .
قال السيد المرتضى في أماليه : غرر الفوائد ودرر القلائد : قد قال الناس في وصف قلة النوم .
ومواصلة السرى والإدلاج وشعث السارين فأكثروا فمن أحسن ما قيل في ذلك قول لبيد .
وأنشد هذه الأبيات الخمسة وأورد لها نظائر جيدة .
وقوله : فوردنا قبل فرّاط القطا الخ القطا : مشهور بالتبكير والسبق إلى الماء . وفرّاط القطا : أوائلها وهو جمع فارط يقال : فرطت القوم أفرطهم فرطاً من باب نصر أي : سبقتهم إلى الماء .
وقوله : إن من وردي الخ أي : من عادتي . والتغليس : السير بغلس وهو ظلمة آخر الليل يقال : غلسنا الماء أي : وردناه بغلس . والنهل : الشربة الأولى والعلل : الشربة الثانية . قال الطوسي : قال وترجمة لبيد تقدمت في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة ومطلع هذه القصيدة : ( إن تقوى ربنا خير نفل ** وبإذن الله ريثي والعجل ) ( أحمد الله فلا ند له ** بيديه الخير ما شاء فعل ) ( من هداه سبل الخير اهتدى ** ناعم البال ومن شاء أضل ) قوله : خير نفل هذه رواية الأصمعي وروى أبو عبيدة : خير النفل والنفل : الفضل والعطية كذا قال الطوسي : واستشهد صاحب الكشاف بهذا البيت في سورة الأنفال على أن النفل بالتحريك الغنيمة . وأصله الزيادة ولهذا يقال
____________________

هذا نفل أي : فضل وزيادة ومنه النافلة في الصلاة . والريث مصدر رثت أريث : إذا أبطأت .
قال السيد المرتضى في أماليه : وممن قيل أنه على مذهب الجبر من المشهورين لبيد بن ربيعة العامري واستدل بقوله : ( إن تقوى ربنا خير نفل ** وبإذن الله ريثي والعجل ) ( من هداه سبل الخير اهتدى ** ناعم البال ومن شاء أضل ) وإن كان لا طريق إلى نسب الجبر إلى مذهب لبيد إلا هذان البيتان فليس فيهما دلالة على )
ذلك . وأما قوله : وبإذن الله ريثي والعجل فيحتمل أن يريد بعلمه كما يتأول عليه قوله تعالى : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله أي : بعلمه . وإن قيل في هذه الآية أنه أراد : بتخليته وتمكينه وإن كان لا شاهد لذلك في اللغة أمكن مثله في قول لبيد .
وأما قوله : من هداه سبل الخير الخ فيحتمل أن يكون مصروفاً إلى بعض الوجوه التي يتأول عليها الضلال والهدى المذكوران في القرآن مما يليق بالعدل ولا يقتضي الإجبار اللهم إلا أن يكون مذهب لبيد في الإجبار معروفاً بغير هذه الأبيات فلا يتأول له هذا التأويل بل يحمل على مراده على موافقة المعروف من مذهبه . انتهى كلامه .
وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائتين وما اغتره الشيب إلا اغترارا
____________________

على أن ما بعد إلا مفعول مطلق مؤكد للفعل قبله .
ووجه الشارح المحقق صحة التفريغ في المفعول المطلق المؤكد . وقوله : إن ابن يعيش قال : أصله وما اغتره اغتراراً إلا الشيب فقدم وأخر . فهذا القول إنما هو لأبي علي الفارسي وابن يعيش مسبوق به . قال ابن هشام في المغني : قال الفارسي : إن إلا قد توضع في غير موضعها مثل : إن نظن إلا ظناً . وقوله : لأن الاستثناء المفرغ لا يكون في المفعول المطلق التوكيدي لعدم الفائدة فيه . وأجيب : بان المصدر في الآية والبيت نوعي على حذف الصفة أي : إلا ظناً ضعيفاً وإلا اغتراراً ضعيفاً .
انتهى .
وكذا قال الخفاف الإشبيلي في شرح الجمل قال : وهذا عندي أن تكون إلا في موضعها ويكون مما حذف فيه الصفة لفهم المعنى كأنه قال : إن نظن إلا ظناً ضعيفاً وما اغتره الشيب إلا اغتراراً بيناً . وهذا أولى لأنه قد ثبت حذف الصفة ولم يثبت وضع إلا في غير موضعها . وهذا جواب ثان لكن جواب الشارح المحقق أدق . وهذا المصراع عجز وصدره : أحل له الشيب أثقاله وأحل أنزل والإحلال : الإنزال . والأثقال : جمع ثقل بفتحتين وهو متاع المسافر وحشمه .
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون وقد تقدمت ترجمته في الشاهد الثالث والعشرين من أوائل )
الكتاب . وهذا مطلع القصيدة : ( أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ** وشطت على ذي هوى أن تزارا )
____________________

وأنشد بعده وهو الشاهد الثلاثون بعد المائتين على أن الفراء يجيز النصب على الاستثناء المفرغ نظراً إلى المقدر واستدلالاً بهذا البيت . فإن المستثنى منه محذوف تقديره : ومالي نوق إلا ثمانيا . ورده الشارح المحقق بما ذكره .
أقول : هذا البيت من قصيدة نونية طويلة عدتها ثلاثة وسبعون بيتاً لعروة بن حزام العذري .
والبيت قد تحرف على من استشهد به وروايته هكذا : ( يكلفني عمي ثمانين بكرةً ** وما لي يا عفراء غير ثمان ) وروي أيضاً : ( يكلفني عمي ثمانين ناقةً ** وما لي والرحمن غير ثمان ) وعلى هذا فالاستثناء على الطريقة المألوفة .
وهذه القصيدة ثابتة في ديوانه أقل مما ذكرنا وعدتها على ما فيه ثلاثة وثلاثون بيتاً وأوردها بالعدد الأول القالي في آخر ذيل أماليه وفي أول نوادره . وقد ترجمنا عروة بن حزام مع عفراء العذريين وذكرنا حكايتهما مفصلة في الشاهد السادس والتسعين بعد المائة .
____________________


والقصيدة غرامية فلا بأس بإيرادها لانسجامها ورقتها وأخذها بمجامع القلوب . قال القالي في الذيل وفي النوادر . قال أبو بكر : وقصيدة عروة النونية يختلف الناس في أبيات منها ويتفقون على بعضها فأول الأبيات المجمع عليها وما يتلوها مما لا يختلف فيه أنشدني جميعه أبي رحمه الله عن أحمد بن عبيد وغيره وعبد الله بن خلف الدلال عن أبي عبد الله السدوسي وأبو الحسن بن براء عن الزبير بن بكار وألفاظهم مختلطة بعضها ببعض : ( خليليّ من عليا هلال بن عامر ** بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني ) ( ولا تزهدا في الأجر عندي وأجملا ** فإنكما بي اليوم مبتليان ) ( ألم تعلما أن ليس بالمرخ كله ** أخ وصديق صالح فذراني ) ( أفي كل يوم أنت رام بلادها ** بعينين إنساناهما غرقان ) ( ألا فاحملاني بارك الله فيكما ** إلى حاضر الروحاء ثم دعاني ) ) ( على جسرة الأصلاب ناجية السرى ** تقطّع عرض البيد بالوخدان ) ( ألمّا على عفراء إنكما غداً ** لشحط النوى والبين معترفان ) ( فيا واشيي عفرا دعاني ونظرة ** تقرّ بها عيناي ثمّ كلاني ) ( أغرّكما مني قميص لبسته ** جديد وبردا يمنة زهياني ) ( متى ترفعا عني القميص تبيّنا ** بي الضر من عفراء يا فتيان ) ( وتعترفا لحماً قليلاً وأعظما ** دقاقاً وقلباً دائم الخفقان ) ( على كبدي من حب عفراء قرحة ** وعيناي من وجد بها تكفان ) قال أبو بكر : قال بعض البصريين : ذكّر المعرض لأنه أراد : وعفراء عني الشخص المعرض . وقال الكوفيون : ذكره بناء على التشبيه أي : وعفراء عني مثل المعرض كما تقول العرب : عبد الله الشمس منيرة يريدون مثل الشمس في حال إنارتها . ( فيا ليت كل اثنين بينهما هوىً ** من الناس والأنعام يلتقيان ) ( فيقضي حبيب من حبيب لبانة ** ويرعاهما ربي فلا يريان )
____________________

ويروى : فيسترهما ربي على أن الأصل يسترهما فسكّن الراء لكثرة الحركات . ( هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى ** وإني وإياها لمختلفان ) ( هواي أمامي ليس خلفي معرّج ** وشوق قلوصي في الغدوّ يمان ) ( هواي عراقي وتثني زمامها ** لبرق إذا لاح النجوم يمان ) ( متى تجمعي شوقي وشوقك تظلعي ** وما لك بالعبء الثقيل يدان ) ( يقول لي الأصحاب إذ يعذلونني ** أشوق عراقي وأنت يمان ) ( وليس يمان للعراق بصاحب ** عسى في صروف الدهر يلتقيان ) ( تحملت من عفراء ما ليس لي به ** ولا للجبال الراسيات يدان ) ( كأن قطاة علّقت بجناحها ** على كبدي من شدة الخفقان ) ( فقالا : نعم نشفى من الداء كله ** وقاما مع العوّاد يبتدران ) ( فما تركا من رقية يعلمانها ** ولا سلوة إلا وقد سقياني ) ( ولا شفيا الداء الذي بي كله ** وما ذخرا نصحاً وما ألواني ) ( فقالا : شفاك الله والله ما لنا ** بما ضمّنت منك الضلوع يدان ) ) ( فرحت من العراف تسقط عمتي ** عن الرأس ما ألتاثها ببناني ) ( معي صاحبا صدق إذا ملت ميلة ** وكان بدفي نضوتي عدلاني ) ( فيا عمّ يا ذا الغدر لا زلت مبتلىً ** حليفاً لهمّ لازم وهوان ) ( غدرت وكان الغدر منك سجية ** فألزمت قلبي دائم الخفقان ) ( وأورثتني غمّاً وكرباً وحسرةً ** وأورثت عيني دائم الهملان ) ( فلا زلت ذا شوق إلى من هويته ** وقلبك مقسوم بكل مكان ) ( وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني ** وعفراء يوم الحشر ملتقيان ) ( ألا يا غرابي دمنة الدار بيّنا ** أبا لهجر من عفراء تنتحبان ) ( فإن كان حقاً ما تقولان فاذهبا ** بلحمي إلى وكريكما فكلاني )
____________________

( كلاني أكلاً لم ير الناس مثله ** ولاتهضما جنبيّ وازدرداني ) ( ألا لعن الله الوشاة وقولهم ** فلانة أمست خلّة لفلان ) ( إذا ما جلسنا مجلساً نستلذه ** تواشوا بنا حتى أملّ مكاني ) ( تكنّفني الواشون من كل جانب ** ولو كان واش واحد لكفاني ) ( ولو كان واش باليمامة داره ** أحاذره من شؤمه لأتاني ) ( يكلفني عمي ثمانين بكرة ** وما لي والرحمن غير ثمان ) ( فيا ليت محيانا جميعاً وليتنا ** إذا نحن متنا ضمّنا كفنان ) ( ويا ليت أنّا الدهر في غير ريبة ** خليّان نرعى القفر مؤتلفان ) ( فو الله ما حدثت سرك صاحباً ** أخاً لي ولا فاهت به الشفتان ) ( سوى أنني قد قلت يوماً لصاحبي ** ضحىً وقلوصانا بنا تخدان ) ( ضحيّا ومسّتنا جنوب ضعيفة ** نسيم لريّاها بنا خفقان ) ( تحملت زفرات الضحى فأطقتها ** وما لي بزفرات العشيّ يدان ) ( فيا عمّ لا أسقيت من ذي قرابة ** بلالاً فقد زلّت بك القدمان ) ( ومنيتني عفراء حتى رجوتها ** وشاع الذي منّيت كل مكان ) ( فو الله لولا حب عفراء ما التقى ** علي رواقا بيتك الخلقان ) ( رواقان خفاقان لا خير فيهما ** إذا هبّت الأرواح يصطفقان ) ) ( ولم أتبع الأظعان في رونق الضحى ** ورحلي على نهّاضة الخديان ) ( لعفراء إذ في الدهر والناس غرة ** وإذ خلقانا بالصبا يسران ) ( لأدنو من بيضاء خفاقة الحشا ** بنية ذي قاذورة شنآن ) ( كأن وشاحيها إذا ما ارتدتهما ** وقامت عناناً مهرة سلسان )
____________________

( يعضّ بأبدان لها ملتقاهما ** ومثناهما رخوان يضطربان ) ( وتحتهما حقفان قد ضربتهما ** قطار من الجوزاء ملتبدان ) ( أعفراء كم من زفرة قد أذقتني ** وحزن ألجّ العين في الهملان ) ( وعينان ما أوفيت نشزاً فتنظرا ** بمأقيهما إلا هما تكفان ) ( فهل حاديا عفراءإن خفت فوتهاعليّ إذا ناديتمرعويان ** ضروبان للتالي القطوف إذا ونى ) ( فما لكما من حاديين رميتما ** بحميّ وطاعون ألا تقفان ) ( وما لكما من حاديين كسيتما ** سرابيل مغلاة من القطران ) ( فويلي على عفراء ويلاً كأنه ** على الكبد والأحشاء حرّ سنان ) قال أبو بكر : أخبرني أبي عن الطوسيّ قال : أراد بقوله : ملتقى نعم وألالا شفتيها لأن الكلمتين في الشفتين تلتقيان . وروي : ( ألا حبّذا من حب عفراء ملتقى ** نعام وبرك حيث يلتقيان ) وقيل : هما موضعان . ( لو أن أشد الناس وجداً ومثله ** من الجن بعد الإنس يلتقيان ) ( فيشتكيان الوجد ثمّت أشتكي ** لأضعف وجدي فوق ما يجدان ) ( فقد تركتني ما أعي لمحدّث ** حديثاً وإن ناجيته ونجاني ) ( ة وقد تركت عفراء قلبي كأنه ** جناح غراب دائم الخفقان )
____________________

وأنشد بعده وهو
الشاهد الحادي والثلاثون بعد المائتين ( مهامهاً وخروقاً لا أنيس بها ** إلا الضوابح والأصداء والبوما ) على ان النصب فيه قليل كقوله : لا أحد فيها إلا زيداً .
وفيه أن البيت من الاستثناء المقطع فإن الضوابح وما بعده ليست من جنس الأنيس بخلاف المثال فإنه استثناء متصل .
والبيت قد أنشده الفرّاء للنصب على الانقطاع كما نقله السيد المرتضى في أماليه عند الكلام على قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسّه الناء إلا تحلة القسم قال : الاستثناء منقطع كأنه قال : فتمسه الناء لكن تحلة اليمين أي : لكن ورود النار لا بدّ منه فجرى مجرى قول العرب : سار الناس إلا الأثقال وأنشد الفرّاء : مهامهاً وخروقاً لا أنيس بها وهذا البيت آخر أبيات عدتها أحد عشر بيتاً للأسود بن يعفر وهي في آخر المفضليات : ( قد أصبح الحبل من أسماء مصروما ** بعد ائتلاف وحب كان مكتوما ) ( واستبدلت محلة مني وقد علمت ** أن لن أبيت بوادي الخسف مذموما ) ( عفّ صليب إذا ما جلبة أزمت ** من خير قومك موجوداً ومعدوما )
____________________

( لما رأت أن شيب الرأس شامله ** بعد الشباب وكان الشيب مسؤوما ) ( صدّت وقالت : أرى شيباً تفرّعه ** إن الشباب الذي يعلو الجراثيما ) ( كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ** صرفاً تخيرها الحانون خرطوما ) ( سلافة الدّن مرفوعاً نصائبه ** مقلد الفغو والريحان ملثوما ) ( وقد ثوى نصف حول أشهراً جدداً ** بباب أفّان يبتار السلاليما ) ( وسمحة المشي شملال قطعت بها ** أرضا يحار بها الهادون ديموما ) مهامها وخروقاً لا أنيس بها قوله : قد أصبح الحبل هو الوصل . والمصروم : المقطوع . وقوله : واستبدلت خلة الخ الخلة : الخليل وهو في الأصل مصدر ولهذا يكون للواحد والجمع والمؤنث . قال الأصمعي : الخسف : الذل وأصله أن تبيت الدابة على غير علف ثم أطلق على من أقام على ذل .
وقوله : عفّ صليب . إلى آخره الصليب : الجلد على المصائب الصبور على النوائب . والجلبة )
بضم الجيم وبالموحدة : القحط . وروي : إذا ما أزمة أزمت و الأزمة : الشدة وأزمت : اشتدت من باب ضرب و أصل الأزم العض بالأسنان يقول : أنا صبور على النوائب في الجدب حيث لا يقوم أحد بحق ينوبه لشدة الزمان . و الموجود : الحي والمعدوم : الميت .
وقوله : وكان الشيب مسؤوماً قال الضبي : مسؤوم : مملول مفعول من سئمته سآمة إذا مللته .
وقوله : أرى شيباً تفرعه قال الضبي : تفرّعه أي : ثار في فروعه وفرع كل شيء : أعلاه .
والجرثومة بالضم : أصل الشجرة تجمع إليها الرياح التراب . يريد : أن الشباب يعلو ويرتفع ما لا يقدر عليه الشيوخ وإنما هذا مثل . وقوله : كأن ريقتها الخ اغتبقت من الغبوق وهو شرب العشيّ . والصرف : ما لم يمزج . والحانون : جمع حان بالمهملة وهو الخمّار . والخرطوم : أول ما
____________________

قال الأصمعي : إنما خص الغبوق لأنه أقرب من نومها قال : وإنما خص الحانين لأنهم أبصر بالخمر من غيرهم . وقوله : سلافة الدّنّ الخ قال الضّبّي : أراد بالمرفوع نصائبه الإبريق يقلد الريحان .
ونصائبه : قوائمه . والغفو بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة : ضرب من النبت يكون طيباً وقد قيل إنه الحنّاء وهو الفاغية .
وقال أحمد : نصائبه ما انتصب عليه الدن من أسفله وهو شيء محدد دقيق يجعل له ذلك ليرفع الدّنّ للريح والشمس . بقول : قلّد الريحان وهذا مثل يقول من طيب رائحته كأنه قلد الريحان والمسك ولذلك ذكر الغفو يريد ريح الريحان . ويروى : الريحان نصباً وخفضاً .
وقوله : وقد ثوى نصف حول الخ باب أفان بفتح الهمزة وتشديد الفاء : موضع . ويبتار : يختبر ويمتحن . والسلاليم : ما يتصل به إلى حاجته . وروي : يبتاع . والمعنى : يصونها في مكان مرتفع .
وأنكر أحمد ما قال الضبي في الإبريق وقال : لم يذكر الإبريق بعد وإنما ثوى نصف حول ليشتري الخمر أي : فهو يطلبها لم يشترها بعد وكيف يجعلها في الأباريق وإنما هو يبتار : يصعد سلماً بعد سلم لأنها وضعت على السطوح لبروز الشمس والريح .
وقوله : حتى تناولها الخ قال الضبي الصهباء من عنب أبيض والصافية : الخالصة . والتجار : جمع تاجر وهم تجار الخمر . والتراجيم : خدم من خدم الخمارين ويقال : يريد التراجمة لأن وقوله : وسمحة المشي الواو واو رب . والسمحة : السهلة . والديموم : القفر التي لا ماء فيها ولا علم . والشملال : السريعة .
وقوله : مهامهاً . . الخ هو بدل من قوله : أرضاً في البيت السابق . والمهمه : القفر . والأنيس : من )
يؤنس به وإليه . والضوابح : جمع ضابح بالضاد المعجمة وبالموحدة والحاء المهملة وهو الثعلب والضباح بالضم : صوته . والأصداء : جمع صدى وهو ذكر البوم . والخروق : جمع خرق
____________________

بفتح الخاء المعجمة وآخره قاف وهي الفلاة التي تنخرق فيها الرياح .
وترجمة الأسود بن يعفر تقدمت في الشاهد الرابع والستين .
وأنشد بعده وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه : ولا أمر للمعصي إلا مضيعا هذا عجز . وصدره : أمرتكم أمري بمنعرج اللوى لما تقدم قبله . وقوله : وقال الخليل : مضيعاً حال الخ بهذا يسقط قول الأعلم حيث قال في شرح شواهد سيبويه : الشاهد فيه نصب مضيع على الحال من الأمر وهو حال من النكرة وفيه ضعف لأن أصل الحال أن يكون للمعرفة انتهى .
وأقول : إن جعل حالاً من الضمير المستقر في قوله : للمعصي فإنه خبر لا النافية فلا يرد عليه ما ذكر .
وقال النحاس : ويجوز أن يكون حالاً للمضمر التقدير : إلا أمراً في حال تضييعه فهو حال من نكرة .
أقول : هذا التقدير يقتضي أن يكون مضيعاً صفةً لا حالاً .
وقال الأعلم : ويجوز نصبه على الاستثناء والتقدير : إلا أمراً مضيعاً . وفيه قبح لوضع الصفة موضع الموصوف .
أقول : لا قبح فإن الموصوف كثيراً ما يحذف لقرينة .
____________________


وقال ابن الأنباري في شرح المفضليات : الآستثناء منقطع ولو رفع في غير هذا الموضع لجاز بجعله خبراً للا .
أقول : يجب حينئذ أن يقال ولا أمراً للمعصي بالتنوين إلا هذا مذهب البغداديين .
وهذا البيت من أبيات للكلحية العريني وقد شرحناها وذكرنا موردها مفصلاً وترجمناه في )
وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائتين ( رأيت الناس ما حاشا قريشاً ** فإنا نحن أفضلهم فعالا ) على أن الأخفش روى حاشا موصولة بما المصدرية .
قال ابن عقيل في شرح التسهيل : وسيبويه منع من دخول ما على حاشا قال : لو قلت أتوني ما حاشا زيداً لم يكن كلاماً . وأجازه بعضهم على قلة . . وأخطأ العيني حيث زعم أن ما هنا نافية فإن مراد الشاعر تفضيل قومه على ما عدا قريشاً لا تفضيل قومه على قريش أيضاً .
وقياسه على قول النبي صلى الله عليه وسلم : أسامة أحب الناس إلي ما حاشا فاطمة . في أن ما نافية كما قال صاحب المغني يرده أنه صرح أن ما في البيت مصدرية فإنه قال : وتوهم ابن مالك أن ما في الحديث ما المصدرية وحاشا الاستثنائية فاستدل به على أنه قد يقال قام القوم ما حاشا زيداً كما قال
____________________

رأيت الناس ما حاشا قريشاً . . البيت انتهى كلام المغني .
ورأيت : من الرؤية القلبية تطلب مفعولين والثاني هنا محذوف تقديره دوننا أو الجملة هي المفعول الثاني والفاء زائدة كما قال الدحاميني وزعم : العيني وتبعه السيوطي في شواهد المغني : أن رأيت من الرأي ولهذا اكتفى بمفعول واحد . وهذا لا معنى له هنا . فتأمل .
وروي أيضاً : فأما الناس ما حاشا قريشاً فالفاء في المصراع الثاني فاء الجواب . والفعال : بفتح الفاء قال ابن الشجري في أماليه : هو كل فعل حسن : من حلم أو سخاء أو إصلاح بين الناس أو نحو ذلك . فإن كسرت فاؤه صلح لما حسن من الأفعال وما لم يحسن .
وهذا البيت قال العييني وتبعه السيوطي : إنه للأخطل من قصيدة . وقد راجعت ديوانه مرتين ولم أجده فيه ورأيت فيه أبياتاً على هذا الوزن يهجو بها جريراً ويفتخر بقومه فيها وليس فيها هذا البيت وأول تلك الأبيات : ( لقد جاريت يا ابن أبي جرير ** عذوماً ليس ينظرك المطالا ) والله أعلم بحقيقة الحال .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه : ( سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به ** وقبلنا سبح الجودي والجمد )
____________________

على أن سبحان الله فيه بمعنى سبحاناً . يريد : أن سبحان غير علم لمجيئه نكرةً كما هنا ومعرفاً بالإضافة وباللام كما بينه في باب العلم . ويأتي الكلام عليه إن شاء الله .
وأنشده سيبويه على أن تنكيره وتنوينه ضرورة والمعروف فيه أن يضاف أو يجعل مفرداً معرفة كقوله : سبحان من علقمة الفاخر وهذا البيت من أبيات لورقة بن نوفل قالها لكفار مكة حين رآهم يعذبون بلالاً على إسلامه وهي : ( لقد نصحت لأقوام وقلت لهم : ** أنا النذير فلا يغرركم أحد ) ( لا تعبدن إلهاً غير خالقكم ** فإن دعيتم فقولوا : دونه حدد ) ( سبحان ذي العرش لا شيء يعادله ** رب البرية فرد واحد صمد ) ( سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به ** وقبلنا سبح الجودي والجمد ) ( مسخر كل من تحت السماء له ** لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد ) ( لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه ** والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ) ( ولا سليمان إذ دان الشعوب له ** الجن والإنس تجري بينها البرد ) ( لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ** يبقى الإله ويودي المال والولد ) قوله : دونه حدد بفتح الحاء والدال المهملتين قال صاحب الصحاح : دونه حدد أي : منع .
وأنشد هذا البيت . وهو من الحد بمعنى المنع أي : قولوا : نحن نمنع أنفسنا من عبادة إله غير الله . . وقوله : نعوذ به أي : كلما رأينا أحداً يعبد غير الله عذنا برحمته وسبّحناه حتى يعصمنا من الضلال وروى الرياشيّ : نعود له بالدال المهملة واللام أي : نعاوده مرة بعد أخرى . والجوديّ : جبل بالموصل وقيل بالجزيرة كذا ورد في التفسير قال
____________________

أبو عبيد في المعجم : روي أن السفينة استقلت بهم في اليوم العاشر من رجب واستقرت على الجودي يوم عاشوراء من المحرّم . )
وروى سعيد عن قتادة أن البيت بني من خمسة أجبل : من طور سيناء وطور زيتا ولبنان والجوديّ وحراء . والجمد بضم الجيم والميم وتخفف الميم أيضاً بالسكون .
قال أبو عبيد : هو جبل تلقاء أسنمة قال نصيب : ( وعن شمائلهم أنقاء أسنمة ** وعن يمينهم الأنقاء والجمد ) وقال في أسنمة : بفتح الألف وسكون السين وضم النون وكسرها معاً وقال عمارة بن عقيل : هي أسنمة بضم الهمزة والنون وقال : هي رملة أصفل الدهناء على طريق فلج وأنت مصعد إلى مكة وهو نقاً محدّد طويل كأنه سنام انتهى .
وروي أيضاً : وقبل سبّحه الجوديّ . . الخ بضمّ لام قبل . . وقوله : لا ينبغي أن يناوي الخ أي : يعادي وناواه : عاداه وأصله الهمز لأنه من النوء وهو النهوض . وروي : أن يساوى أي : لا يعادله .
وقوله : ولا سليمان إذ دان الخ دان بمعنى ذلّ وأطاع . والشعوب : جمع شعب بفتح فسكون وهو ما تشعّب أي : تفرّق من قبائل العرب والعجم وبيّنه هنا بقوله : الجن والإنس وضمير بينها للشعوب . والبرد بضمتين . جمع بريد وهو الرسول . وقوله : ويودي المال الخ يقال أودى الشيء أي : هلك فهو مود .
ورقة بن نوفل يعدّ من الصحابة : وقد ألّف أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعيّ الشافعي تأليفاً في إيمان ورقة بالنبي وصحبته له صلى الله عليه وسلم ولقد أجاد في جمعه وشدد الإنكار على من أنكر صحبته وجمع فيه الأخبار التي
____________________

نقلت عن ورقة رضي الله عنه بالتصريح بإيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم وسروره بنبوته والأخبار الشاهدة له بأنه في الجنة وما نقله العلماء من الأحاديث في حقه وما ذكروه في كتبهم المصنفة في أسماء الصحابة وسمي تأليفه : بذل النصح والشفقة للتعريف بصحبة السيد ورقة وقال في ترجمته : هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في جدّ جده .
قال الزبير بن بكار : كان ورقة قد كره عبادة الأوثان وطلب الدين في الآفاق وقرأ الكتب وكانت خديجة رضي الله عنها تسأله عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيقول لها : ما أراه إلا نبي هذه المة الذي بشر به موسى وعيسى .
وقال ابن كثير : قال ابن إسحاق : وكانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ذكرت )
لورقة وكان ابن عمها وكان نصرانياً قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها يعني ميسرة من أمر الراهب يعني الذي قال لما نزل محمد صلى الله عليه وسلم تحت شجرة قريبة من الراهب في السفرة التي سافرها لخديجة إلى الشام : ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي وما كان ميسرة يرى منه إذ كان الملكان يظلانه فقال ورقة : إن كان هذا حقاً يا خديجة إن محمداً لنبي هذه الأمة وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه . قال : فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول : حتى متى وقال في ذلك : ( لججت وكنت في الذكرى لجوجاً ** لهمّ طالما بعث النشيجا ) ( ووصف من خديجة بعد وصف ** فقد طال انتظاري يا خديجا ) ( ببطن المكتين على رجائي ** حديثك إن أرى منه خروجا )
____________________

( بما خبرتنا من قول قسّ ** من الرهبان أكره أن يعوجا ) ( بأن محمداً سيسود يوماً ** ويخصم من يكون له حجيجا ) ( فيلقى من يحاربه خساراً ** ويلقى من يسالمه فلوجا ) ( فيا ليتني إذا ما كان ذاكم ** شهدت وكنت أولهم ولوجا ) ( أرجّي بالذي كرهوا جميعاً ** إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا ) ( وهل أمر السفاهة غير كفر ** بمن يختار من سمك البروجا ) ( فإن يبقوا وأبق تكن أمور ** يضج الكافرون لها ضجيجا ) ( وإن أهلك فكل فتى سيلقى ** من الأقدار متلفة خروجا ) ومات ورقة في فترة الوحي رضي الله عنه قبل نزول الفرائض والأحكام .
وقال الزبير في كتاب نسب قريش : ورقة بن نوفل لم يعقب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا ورقة فإني رأيته في ثياب بيض . وهو الذي يقول : ( ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ** يوماً فتدركه العواقب قد نما )
____________________

( يجزيك أو يثني عليك وإن من ** أثنى عليك بما فعلت كمن جزى ) ومرّ ببلال بن رباح رضي الله عنه وهو يعذب برمضاء مكة فيقول : أحد أحد فوقف عليه فقال : أحد أحد والله يا بلال ونهاهم عنه فلم ينتهوا فقال : والله لئن قتلتموه لأتخذنّ قبره حنانا وقال : )
الأبيات التي شرحناها وفيها بيت الشاهد .
وقد نسب هذه الأبيات إلى ورقة السهيلي أيضاً وكذا الحافظ أبو الربيع الكلاعيّ في سيرته .
وقال السهيلي : قوله : حنانا أي : لأتخذنّ قبره منسكاً ومترحما والحنان : الرحمة .
وقد وقع بيت الشاهد في كتاب س غير معزوّ إلى واحد واختلف شرّاح شواهده فأكثرهم قال : إنها لأمية بن أبي الصلت وقال بعضهم : إنها لزيد بن عمرو بن نفيل . والصواب ما قدمناه .
وحاصل ما ذكره البقاعيّ في شأن ورقة بن نوفل : أنه ممن وحّد الله في الجاهلية فخالف قريشاً وسائر العرب في عبادة الأوثان وسائر أنواع الإشراك وعرف بعقله الصحيح أنهم أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام ووحّد الله تعالى واجتهد في تطلب الحنيفية دين إبراهيم ليعرف أحب الوجوه إلى الله تعالى في العبادة .
فلم يكتف بما هداه إليه عقله بل ضرب في الأرض ليأخذ علمه عن أهل العلم بكتب الله المنزلة من عنده الضابطة للأديان فأداه سؤاله أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم إلى أن اتبع الدين الذي أوجبه الله في ذلك الزمان وهو الناسخ لشريعة موسى عليه السلام : دين النصرانية ولم يتبعهم في التبديل بل في التوحيد وصار يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي بشر به موسى وعيسى عليهما السلام .
____________________


فلما أخبرته ابنة عمّه الصدّيقة الكبرى خديجة رضوان الله عليها بما رأت وأخبرت به في شأن النبي صلى الله عليه وسلم من المخايل : بإظلال الغمام ونحوها ترجى أن يكون هو المبشر به وقال في ذلك أشعاراً يتشوق فيها غاية التشوق إلى إنجاز الأمر الموعود لينخلع من النصرانية إلى دينه لأنه كان قال لزيد بن عمرو بن نفيل لما قال لهم العلماء : إن أحب الدين إلى الله دين هذا المبشر به : أنا أستمر على نصرانيتي إلى أن يأتي هذا النبي فلما حقق الله الأمر وأوقع الإرهاصات : بالسلام من الأشجار والأحجار على النبي صلى الله عليه وسلم وبمناداة إسرافيل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم مع الاستتار منه وخاف النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فاشتد خوفه فنقل ذلك إلى ورقة بن نوفل رضي الله عنه اشتد سروره بذلك وثبته وشد قلبه وشجعه . فلما بدا له الأمر بفراغ نوبة إسرافيل وأتاه جبريل عليه السلام وفعل ما أمره الله به : من شق صدره الشريف وغسل قلبه وإيداعه الحكمة والرحمة وما شاء الله وتبدّى له جبريل وأنزل عليه بعض القرآن وأخبره به قفّ شعر ورقة )
وسبح الله وقدّسه وعظم سروره بذلك وشهد أنه أتاه الناموس الأكبر الذي كان يأتي الأنبياء قبله عليهم السلام وشهد أنه الذي أنزل عليه كلام الله وشهد أنه نبي هذه الأمة وتمنى أن يعيش إلى أن يجاهد معه . هذا مع ما له بالنبي عليه الصلاة والسلام وزوجه الصدّيقة خديجة ومن شعره : ( أتبكر أم أنت العشية رائح ** وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح ) ( لفرقة قوم لا أحب فراقهم ** كأنك عنهم بعد يومين نازح ) ( وأخبار صدق خبّرت عن محمد ** يخبّرها عنه إذا غاب ناصح ) ( فتاك الذي وجّهت يا خير حرة ** بغور وبالنجدين حيث الصحاصح ) ( إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت ** وهنّ من الأحمال قعص دوالح )
____________________

( يخبّرنا عن كل حبر بعلمه ** وللحق أبواب لهن مفاتح ) ( بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ** إلى كل من ضمت عليه الأباطح ) ( وظني به أن سوف يبعث صادقاً ** كما أرسل العبدان : هود وصالح ) ( وموسى وإبراهيم حتى يرى له ** بهاء ومنشور من الذكر واضح ) ( ويتبعه حياً لؤيّ بن غالب ** شبابهم والأشيبون الجحاجح ) ( فإن أبق حتى يدرك الناس أمره ** فإني به مستبشر الودّ فارح ) ( وإلا فإني يا خديجة فاعلمي ** عن أرضك في الأرض العريضة سائح ) ومن شعره أيضاً : ( وجبريل يأتيه وميكال فاعلمي ** من الله وحي يشرح الصدر منزل ) ( يفوز به من فاز فيها بتوبة ** ويشقى به العاتي الغرير المضلّل ) ( فريقان منهم فرقة في جنانه ** وأخرى بأجواز الجحيم تغلّل ) ( فسبحان من تهوى الرياح بأمره ** ومن هو في الأيام ما شاء يفعل ) ( ومن عرشه فوق السماوات كلها ** وأقضاؤه في خلقه لا تبدّل ) ومن شعره أيضاً : ( يا للرجال وصرف الدهر والقدر ** وما لشيء قضاه الله من غير ) ( جاءت خديجة تدعوني لأخبرها ** وما لنا بخفي الغيب من خبر ) ) ( جاءت لتسألني عنه لأخبرها ** أمراً أراه سيأتي الناس من أخر ) ( فخبّرتني بأمر قد سمعت به ** فيما مضى ن قديم الدهر والعصر ) ( بأن أحمد يأتيه فيخبره ** جبريل أنك مبعوث إلى البشر ) ( فقلت علّ الذي ترجين ينجزه ** لك الإله فرجّي الخير وانتظري ) ( وأرسليه إلينا كي نسائله ** عن أمره ما يرى في النوم والسهر ) ( فقال حين أتانا منطقاً عجباً ** يقفّ منه أعالي الجلد والشعر ) ( ثم استمر فكاد الخوف يذعرني ** مما يسلّم ما حولي من الشجر ) ( فقلت : ظني وما أدري أيصدقني ** أن سوف يبعث يتلو منزل السور )
____________________

( وسوف أبليك إن أعلنت دعوتهم ** من الجهاد بلا منّ ولا كدر ) وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه : سبحان من علقمة الفاخر هذا عجز وصدره : أقول لمّا جاءني فخره على أن ترك تنوين سبحان ليس لأنه غير منصرف للعلمية وزيادة الألف والنون بل لأجل بقائه على صورة المضاف لما غلب استعماله مضافاً والأصل سبحان الله فحذف المضاف إليه للضرورة .
وهذا ردّ على سيبويه ومن تبعه في زعمه أن سبحان علم غبر منصرف . ويأتي إن شاء الله تعالى بقية الكلام عليه في باب العلم .
قال الراغب : قوله : سبحان من علقمة الفاخر تقديره : سبحان علقمة على التهكم فزاد فيه من ردّاً إلى أصله وقيل : أراد سبحان الله من أجل علقمة فحذف المضاف إليه اه .
أقول : والوجه الأول ضعيف لغة وصناعة : أما الأول فلأن العرب لا يستعملونه إلا مضافاً إلى الله ولم يسمع إضافته إلى غيره وأما صناعة فلأن من لا تزاد في الواجب عند البصريين وسبحان في البيت للتعجب ومن داخلة على المتعجب منه والأصل فيه أن يسبح الله تعالى )
عند رؤية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه .
____________________


قال بعضهم : يستلزم التنزيه التعجب من بعد ما نزّه عنه من المنزه فكأنه قيل ماأبعده منه فقد يقصد به التنزيه أصلاً والتعجب تبعاً كما في سبحان الذي أسرى بعبده وقد يقصد به التعجب ويجعل تنزيهه تعالى ذريعة له فيسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه . ثم كثر حتى استعمل عند كل تعجب من شيء كما في : سبحانك هذا بهتان عظيم اه . والمعنى أعجب من علقمة إذ فاخر عامر بن الطفيل .
وهذا البيت من قصيدة لأعشى ميمون قبحه الله تعالى هجا بها علقمة بن علاثة الصحابي رضي الله عنه ومدح ابن عمه عامراً المذكور لعنه الله تعالى وغلّبه عليه في الفخر .
وسبب هذه القصيدة أن علقمة بن علاثة الصحابي نافر ابن عمه عامر بن الطفيل عدو الله والمنافرة : المحاكمة في الحسب والشرف فهاب حكام العرب أن يحكموا بينهما بشيء كما تقدم في الشاهد السادس والعشرين ثم أن الأعشى مدح الأسود العنسي فأعطاه خمسمائة مثقال ذهباً وخمسمائة حللاً وعنبراً فخرج فلما مرّ ببلاد بني عامر وهم قوم علقمة وعامر خافهم على ما معه فأتى علقمة بن علاثة فقال له : أجرني قال : قد أجرتك من الجن والإنس قال الأعشى : ومن الموت قال : لا .
فأتى عامر بن الطفيل فقال له : أجرني قال : قد أجرتك من الجن والإنس قال الأعشى : ومن الموت قال عامر : ومن الموت أيضاً قال : وكيف تجيرني من الموت قال : إن مت في جواري بعثت إلى أهلك الدية قال : الآن علمت أنك قد أجرتني فحرّضه عامر على تنفيره على علقمة فغلّبه عليه بقصائد فلما سمع نذر ليقتلنه إن ظفر به فقال الأعشى هذه القصيدة .
ومطلعها :
____________________

( شاقك من قتلة أطلالها ** بالشط فالجزع إلى حاجر ) ( لو أسندت ميتاً إلى نحرها ** عاش ولم ينقل إلى قابر ) ( حتى يقول الناس مما رأوا ** يا عجباً للميت الناشر ) ( دعها فقد أعذرت في ذكرها ** واذكر خنى علقمة الخائر ) ( يحلف بالله : لئن جاءه ** عنّي نباً من سامع خابر ) ( ليجعلني ضحكة بعدها ** خدعت يا علقم من ناذر ) )
إلى أن قال : ( إن الذي فيه تماريتما ** بيّن للسامع والناظر ) ( ما جعل الجدّ الظنون الذي ** جنّب صوب اللجب الماطر ) ( مثل الفراتي إذا ما جرى ** يقذف بالبوصيّ والماهر ) ( أقول لمّا جاءني فخره ** سبحان من علقمة الفاخر ) ( علقم لا تسفه ولا تجعلن ** عرضك للوارد والصادر ) ( وأول الحكم على وجهه ** ليس قضائي بالهوى الجائر ) ( حكّمتموه فقضى بينكم ** أبلج مثل القمر الباهر ) ( لا يأخذ الرشوة في حكمه ** ولا يبالي غبن الخاسر ) ( سدت بني الأحوص لا تعدهم ** وعامر ساد بني عامر ) ( قد قلت شعري فمضى فيكما ** فاعترف المنفور للنافر ) وهي قصيدة طويلة : ومنها :
____________________

وسيأتي شرحه مع أبيات في باب أفعل التفضيل .
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رواية هذه القصيدة ولهذا لم أذكرها كلها .
قال السيوطي في شرح شواهد المغني . وعلقمة بن علاثة صحابيّ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شيخ فأسلم وبايع وروى حديثاً واحداً . أخرج ابن منده وابن عساكر من طريق الأعمش عن أبي صالح قال : حدثني علقمة بن علاثة قال : أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤوساً . واستعمله عمر بن الخطاب على حوران فمات بها .
وأخرج أبو نعيم والخطيب وابن عساكر عن محمد بن مسلمة قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده حسان فقال : يا حسان أنشدنا من شعر الجاهلية ما عفا الله لنا فيه فأنشده حسان قصيدة الأعشى في علقمة بن علاثة : ( علقم ما أنت إلى عامر ** الناقض الأوتار والواتر ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا حسان لا تنشدني مثل هذا بعد اليوم فقال حسان : يا رسول الله ما يمنعني من رجل مشرك هو عند قيصر أن أذكر هجاء له فقال : يا حسان إني ذكرت عند قيصر وعنده أبو سفيان بن حرب وعلقمة بن علاثة فأما أبو سفيان فلم يترك فيّ )
وأما علقمة فحسن القول وإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس . فقال حسان : يا رسول الله وقال وكيع في الغرر عن الزهري : قال : رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأشعار كلها إلا هاتين الكلمتين : التي قال أمية بن أبي الصلت في أهل
____________________

بدر : ( ماذا ببدر فالعقنقل ** من مرازبة جحاجح ) والتي قال الأعشى في علقمة بن علاثة : شاقك من قتلة أطلالها .
انتهى ما رواه السيوطي .
قال شارح ديوان الأعشى محمد بن حبيب وكذلك ابن قتيبة في كتاب الشعراء : إن علقمة بن علاثة لما نذر بدم الأعشى جعل له على كل طريق رصداً فاتفق أن الأعشى خرج يريد وجهاً ومعه دليل فأخطأ به الطريق فألقاه على ديار بني عامر بن صعصعة فأخذه رهط علقمة بن علاثة فأتوه به فقال له علقمة : الحمد لله الذي أمكنني منك فقال الأعشى : ( أعلقم قد صيّرتني الأمور ** إليك وما أنت لي منقص ) ( فهب لي ذنوبي فدتك النفوس ** ولا زلت تنمو ولا تنقص ) فقال قوم علقمة : يا علقمة : اقتله وأرحنا منه والعرب من شرّ لسانه فقال علقمة : إذاّ تطلبوا بدمه ولا يغسل عني ما قاله ولا يعرف فضلي عند القدرة فأمر به فحلّ وثاقه وألقى عليه حلة وحمله على ناقة وأحسن عطاءه وقال : انج حيث شئت وأخرج معه من بني كلاب من يبلغه مأمنه فقال الأعشى بعد ذلك : ( علقم يا خير بني عامر ** للضيف والصاحب والزائر ) ( والضاحك السن على همّة ** والغافر العثرة للعاثر )
____________________

وترجمة علقمة بن علاثة تقدمت في الشاهد السادس والعشرين وترجمة عامر بن الطفيل في الشاهد الثامن والستين بعد المائة .
وقتلة : اسم امرأة . والشط : جانب النهر وموضع . والخنى : الفحش . والخاتر : الغادر . وقوله : ما جعل الجدّ الخ ما نافية . والجدّ بضم الجيم : البئر القديمة التي لا يدرى أفيها ماء أم لا .
والصوب : المطر . واللجب بفتح اللام وكسر الجيم : السحاب والفراتي يعني الفرات المعروف أو الماء المعروف . والبوصيّ بضم الموحدة : ضرب من السفن . والماهر السابح . يريد أن البئر التي )
بها ماء ليست كالبحر الذي تجري فيه السفن وغيرها . وجملة سبحان من علقمة الفاخر مقول القول . والفاخر بالخاء المعجمة . والمنفور : المفضول . والنافر : الفاضل .
وأنشد بعده وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المائتين هذا عجز وصدره : ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه على أن المبرد استدل به على فعلية حاشى بتصرفه .
قال ابن الأنباري في مسائل الخلاف : ذهب الكوفيون إلى أن حاشا في الاستثناء فعل ماض وذهب بعضهم إلى أنه استعمل استعمال الأدوات وذهب
____________________

البصريون إلى انه حرف جر وذهب أبو العباس المبرد إلى أنه يكون فعلاً ويكون حرفاً . أما الكوفيون فاحتجوا على فعليته بالتصرف كقول النابغة : ( وما أحاشي من الأقوام من أحد ** ) وبأن لام الخفض تتعلق به قال تعالى : حاش لله وحرف الجر إنما يتعلق بالفعل لا بالحرف وبأن الحذف يلحقه فإنهم قالوا في حاشا لله : حاش لله . واستدل البصريون على حرفيته بأنّ لا يقال ما حاشا زيداً كما يقال ما خلا زيداً وما عدا عمراً وبأن نون الوقاية لا تلحقه فلا يقال حاشاني ولو كان فعلاً لقيل . وأجابوا عن قول الكوفيين بالتصرف بأن أحاشي مأخوذ من لفظ حائى وليس متصرفاً منه كما يقال : بسمل وهلل وحمدل وسبحل وحوقل : إذا قال بسم الله ولا إله إلا الله والحمد لله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وكذلك يقال : لبّي إذا وقولهم : إن لام الجر تتعلق به قلنا : لا نسلّم فإنها زائدة لا تتعلق بشيء . وأما قوله تعالى : حاش لله فليس لهم فيه حجة فإن حاش فيه ليست للإستثناء وإنما هي للتنزيه .
وقولهم : لحقه الحذف قلنا : جوابه من وجهين : أحدهما أن الأصل حاش لله والألف في حاشا حدثت زيادتها والثاني أن الحرف يدخله الحذف كثيراً كربّ وإن يلحقهما التخفيف وكقولك : سَوْ أفعل في سوف أفعل ويقال : فيه سف أفعل أيضاً اه كلامه مختصراً .
وبهذا وبكلام الشارح المحقق يرد على ابن هشام في المغني قوله أن أحد أوجه حاشا أن تكون فعلاً متعدياً متصرفاً تقول : حاشيته بمعنى استثنيته ودليل تصرّفه قوله : )
ولا أحاشي من الأقوام من أحد وهذا البيت من قصيدة طويلة للنابغة الذبياني مدح بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة وقد تقدم شرح أبيات منها في الشاهد التاسع والثمانين بعد المائة .
____________________


وقبله : ( فتلك تبلغني النعمان إن له ** فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد ) ( ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ** ولا أحاشي من الأقوام من أحد ) ( إلا سليمان إذ قال الإله له ** قم في البرية فاحددها عن الفند ) وقوله : فتلك تبلغني الإشارة إلى الناقة التي وصفها في أبيات شرحت هناك . وقوله : ولا أحاشي أي : لا أستثني أحداً ممن يفعل الخير فأقول حاشا فلان . ومن زائدة وأحد مفعول . . .
وقوله : إلا سليمان هذا استثناء من قوله : من أحد أو بدل من موضع أحد والمراد به سليمان بن داود عليهما السلام وإذ تعليلية . وقوله : إذ قال الإله له الخ يريد لكونه نبياً إذ الخطاب إنما يكون مع الأنبياء إنما خص بالذكر من الأنبياء سليمان لأنه كان له الملك مع النبوة . يريد : لا يشبهه أحد ممن أوتي الملك إلا سليمان النبي .
وقوله : فاحددها أي : امنع البرية والحدّ : المنع ورجل محدود : ممنوع والحداد : السجان لأنه يمنع . والفند بفتح الفاء والنون : خطأ الرأي والصنيع وقال ابن الأعرابي : الفند : الظلم .
وترجمة النابغة تقدمت في الشاهد الرابع بعد المائة .
وأنشد بعده وهو
الشاهد السابع والثلاثين بعد المائتين وهو من شواهد س :
____________________

لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت هذا صدر البيت وأنشده بتمامه في باب الظروف وتمامه : على أن غير إذا أضيفت إلى إن أو أن المشددة فلا خلاف في جواز بنائها على الفتح . . فإن قلت : أن حرف والحرف لا يضاف إليه قلت : قال ابن هشام في حواشي الألفية : إنهم جعلوا ما يلاقي المضاف من المضاف إليه كأنه المضاف إليه ونظيره تعليل الزمخشري البناء في يوم لا تملك بإضافة يوم إلى لا والحروف مبنية مع علمنا بأن أحداً لا يتخيل الإضافة إلى الحرف .
وجعل بعضهم المضاف إليه مجموع أن نطقت حمامة أي : جملتها .
قال الدماميني في شرح المغني المزج : سأل بعض الناس كيف أضيفت غير لمبني مع ان هذا المضاف إليه في تقدير معرب وهو النطق فلم تضف في الحقيقة إلا لمعرب فقلت : المعرب إنما هو الاسم الذي يؤول به وأما الحرف المصدري وصلته فمبني ألا تراهم يقولون : المجموع في موضع كذا . . . إلى آخر ما بيّنه . وظاهره جواز بناء غير عند إضافتها إلى أحد اللفظين من المبنيات لا غير . وقد عمّم سيبويه وغيره في إضافتها إلى كل مبني قال ابن هشام في المغني في غير أنه يجوز بناؤها على الفتح إذا أضيفت لمبني كقوله : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت وقوله : ( لذ بقيس حين يأبى غيره ** تلفه بحراً مفيضاً خيره ) وذلك في البيت الأول أقوى لأنه انضم إلى الإبهام والإضافة لمبني تضمن غير
____________________

معنى إلا وقال في الأمور التي يكتسبها الاسم بالإضافة من الباب الرابع : إن البناء يكون في ثلاثة أبواب : أحدها : أن يكون المضاف مبهماً كغير ومثل ودون . الثاني : ان يكون المضاف زماناً مبهماً والمضاف إليه إذ نحو ومن خزي يومئذ . الثالث : أن يكون المضاف زماناً مبهماً والمضاف إليه فعل مبني سواء كان البناء أصلياً كقوله : على حين عاتبت المشيب أو عارضاً كقوله : )
على حين يستصبين وكذلك يجوز البناء إذا كان المضاف إليه فعلاً معرباً أو جملة إسمية على الصحيح اه .
وقد بين الشارح المحقق علة البناء في الظروف وفي الإضافة .
وقد ذهب الكوفيون إلى جواز بناء غير في كل موضع يحسن فيه إلا سواء أضيفت إلى متمكن أو غير متمكن . وقد بسط الكلام ابن الأنباري في مسائل الخلاف على مذهبهم وذكر ما ردّ به البصريون عليهم مفصلاً ومن أحب الاطلاع عليه فلينظر هناك .
وهذا البيت من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت . وقبله :
____________________

( تعطيك مشياً وإرقالاً ودأدأة ** إذا تسربلت الآكام بالآل ) ( تردي الإكام إذا صرّت جنادبها ** منها بصلب وقاح البطن عمّال ) لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت قوله : ارعويت أي : رجعت . والوجناء : الناقة الشديدة وقيل العظيمة الوجنتين . والشملال بالكسر : الخفيفة السريعة . وضمير فيها للدار . يريد : أنه طال وقوفه على دار حبيبته وليس فيها أحد . والإرقال : مصدر أرقلت الناقة : إذا أسرعت وكذلك الدأدأة مصدر دأدأت بمعناه وهما نوع من العدو .
وقوله : إذا تسربلت الخ الظرف متعلق بقوله تعطيك يريد : وقت اشتداد الحر في الظهيرة لأن الآكام وهي الجبال إنما تتسربل بالآل وهو السراب عند الظهيرة . والسربال : القميص وتسربل أي : لبس سربالاً والآكام فاعله وهو جمع أكم بضمتين كأعناق جمع عنق وهو جمع إكام بالكسر مثل كتب جمع كتاب والإكام أيضاً جمع أكم بفتحتين مثل جبال جمع جبل وأكم أيضاً جمع أكمة بفتحات . يقول : إنها نشيطة في العدو وقت الهاجرة .
وقوله : تردي الإكام الخ من ردى الفرس بالفتح يردي ردياً وردياناً : إذا رجم الأرض رجماً بين العدو والمشي الشديد . والإكام بالكسر : جمع أكم بفتحتين كما تقدم والأكمة : الجبل الصغير .
وإذا متعلق بقوله تردي . و صرّت : صوتت . والجنادب : جمع جندب وهو نوع من الجراد يصوّت عند اشتداد الهاجرة .
وقوله : بصلب أي : بخفّ صلب سديد . والوقاح بالفتح هو الصلب ومنه الوقاحة لصلابة الوجه . يريد : ان خفها ظهره وبطنه صلب . وعمال بالفتح مبالغة عامل وهو المطبوع على )
العمل .
وقوله : لم يمنع الشرب منه . . . الخ ضمير منها راجع للوجناء والشرب مفعول يمنع وغير فاعله لكنه بني على الفتح جوازاً لإضافته إلى مبني . وروي الرفع أيضاً . ونطقت : صوتت وصدحت عبر عنه بالنطق مجازاً . وفيّ : بمعنى على . وذات بالجر صفة لغصون لا بالرفع صفة لحمامة كما وهم ابن المستوفى في شرح شواهد المفصل . والأوقال : جمع وقل بفتح
____________________

الواو وسكون القاف قال الدينوري في كتاب النبات : قال أبو عبد الله الزبير بن بكار : المقل إذا كان رطباً لم يدرك فهو البهش فإذا يبس فهو الوقل والدوم : شجر المقل . وأنشد هذا البيت اه .
وبهذا التفسير قد أصاب المحزّ وطبّق المفصل وبه يضمحل التعسف الذي ارتكبه شراح الشواهد . قال ابن السيرافي في شرح شواهد إصلاح المنطق : يريد لم يمنعها أن تشرب إلا أنها صوتت حمامة فنفرت . يريد : أنها حديدة النفس يخامرها فزع وذعر لحدة نفسها . وذلك وأبو قيس بن الأسلت قال صاحب الأغاني : لم يقع إليّ اسمه . والأسلت لقب أبيه واسمه عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عمارة بن مرة بن مالك بن الأوس . . وهو شاعر من شعراء الجاهلية . وكانت الأوس قد أسندت إليه حربها يوم بعاث وجعلته رئيساً عليها فكفى وساد .
وأسلم عقبة بن أبي قيس واستشهد يوم القادسية . وكان يزيد بن مرداس السلمي قتل قيس بن أبي قيس في بعض حروبهم فطلبه بثأره هارون بن النعمان بن الأسلت حتى تمكّن من يزيد بن مرداس فقتله بقيس وهو ابن عمه ولقيس يقول أبوه أبو قيس بن الأسلت : ( أقيس إن هلكت وانت حيّ ** فلا تعدم مواصلة الفقير ) وقال هشام بن الكلبي : كانت الأوس قد أسندوا أمرهم في يوم بعاث إلى أبي قيس بن الأسلت فقام في حربهم وآثرها على كل أمر حتى شحب وتغير ولبث أشهراً لا يقرب امرأته ثم إنه جاء ليلة فدقّ على امرأته ففتحت له فأهوى إليها
____________________

بيده فدفعته وأنكرته فقال : أنا أبو قيس فقالت : والله ما عرفتك حتى تكلمت فقال في ذلك أبو قيس القصيدة التي أولها : ( قالت ولم تقصد لقيل الخنى ** مهلاً فقد أبلغت أسماعي ) ( استنكرت لوناً له شاحباً ** والحرب غول ذات أوجاع ) ( من يذق الحرب يجد طعمها ** مرّاً وتتركه بجعجاع ) ( أسعى على جلّ بني مالك ** كل امرئ في شأنه ساعي ) ) ( لا نألم القتل ونجزي به ال ** أعداء كيل الصاع بالصاع ) اه . كلام الأغاني .
وقال ابن حجر في الإصابة : أبو قيس بن الأسلت اسمه صيفيّ وقيل : الحارث وقيل : عبد الله وقيل : صرمة وقيل غير ذلك . . واختلف في إسلامه . فقال أبو عبيد القاسم بن سلام في ترجمة ولده عقبة بن أبي قيس : كان أبو قيس يحض قومه على الإسلام وذلك بعد أن اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وسمع كلامه .
وكان يتألّه في الجاهلية ويدعي الحنيفية وكان يقول : ليس أحد على دين إبراهيم إلا أنا وزيد بن عمرو بن نفيل . وكان يذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يهاجر إلى يثرب . وشهد وقعة بعاث وهو يوم للأوس على الخزرج وكانت قبل الهجرة بخمس سنين .
____________________


وزعموا أنه لما حضره الموت أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : قل لا إله إلا الله أشفع لك بها فسمع يقول ذلك وقيل : قال : والله لا أسلم إلى سنة فمات قبل الحول على رأس عشرة أشهر من الهجرة بشهرين . وقد جاء عن ابن إسحق : أنه هرب إلى مكة فأقام بها مع قريش إلى عام الفتح اه . باختصار .
روى صاحب الأغاني بسنده إلى المبرد قال : قال لي صالح بن حسان : أنشدني بيتاً خفراً في امرأة خفرة شريفة فقلنا : قول حاتم : ( يضيء لها البيت الظليل خصاصه ** إذا هي يوماً حاولت أن تبسما ) فقال : هذه من الأصنام أريد أحسن من هذا قلنا : قول الأعشى : ( كأن مشيتها من بيت جارتها ** مرّ السحابة : لا ريث ولا عجل ) فقال : هذه خرّاجة ولاجة قلنا : بيت ذي الرمة : ( تنوء بأخراها فلأياً قيامها ** وتمشي الهوينى من قريب فتبهر ) فقال : ليس هذا مما أردت إنما وصف هذه بالسمن وثقل البدن فقلنا : ما عندنا شيء .
فقال : قول أبي قيس بن الأسلت :
____________________

( ويكرمها جاراتها فيزرنها ** وتعتلّ عن إتيانهن فتعذر ) ( وليس لها أن تستهين بجارة ** ولكنها منهنّ تحيا وتخفر ) ثم قال : أنشدوني أحسن بيت وصفت به الثريا : قلنا : بيت ابن الزبير الأسديّ : ) ( وقد لاح في الغور الثريا كأنما ** به راية بيضاء تخفق للطعن ) قال : أريد أحسن من هذا قلنا : بيت امرئ القيس : قال : أريد أحسن من هذا قلنا : بين ابن الطثرية : ( إذا ما الثريا في السماء كأنها ** جمان وهي من سلكه فتسرّعا ) قال : أريد أحسن من هذا قلنا : ما عندنا شيء قال : قول أبي قيس بن الأسلت : ( وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى ** كعنقود ملاّحيّة حين نوّرا ) قال : فحكم له عليهم في هذين المعنيين بالتقدم . انتهى .
وهذا البيت الأخير من أبيات علم المعاني ولأجله أوردت هذه الحكاية . ( تتمة : ) البيت الشاهد كونه لابن الأسلت هو ما ذكره أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات وهو من معرفة الأشعار أديب غير منازع فيها . وقد نسبه الزمخشري في الأجاجي إلى الشماخ وقد راجعت ديوانه فلم أجده فيه .
____________________


ونسبه بعض شراح شواهد كتاب سيبويه لرجل من كنانة . ونسبه بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل تبعاً للزمخشري في شرح أبيات الكتاب لأبي قيس بن رفاعة الأنصاري .
أقول : لم يوجد في كتب الصحابة من يقال له أبو قيس بن رفاعة وإنما الموجود قيس بن رفاعة وهو واحد أو اثنان . قال ابن حجر في الإصابة في القسم الأول : قيس بن رفاعة الواقفي من بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاري . ذكره المرزباني في معجم الشعراء وقال : أسلم وكان أعور وأنشد له : ( أنا النذير لكم مني مجاهرة ** كي لا نلام على نهي وإنذار ) ( من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة ** يصل بنار كريم غير غدار ) ( وصاحب الوتر ليس الدهر يدركه ** عندي وإني لدرّاك لأوتاري )
____________________

ثم قال ابن حجر : قيس بن رفاعة بن الهميس بن عامر بن عانس بن نمير الأنصاري ذكره العدوي وقال : كان شاعراً وأدرك الإسلام فأسلم .
وذكره ابن الأثير فقال : كان من شعراء العرب . قلت : يحتملأن يكون الذي قبله . انتهى .
قلت : كيف يكون هو الذي قبله مع اختلاف النسبين والظاهر أنهما اثنان . والله أعلم . )
وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائتين ( غير أني قد أستعين على اله ** مّ إذا خفّ بالثويّ النجاء ) على أن غيراً يجوز أن تكون مبنية على الفتح إضافتها إلى أن المشددة ويجوز أن تكون منصوبة وهذا البيت من قصيدة الحارث بن حلّزة اليشكري وهي سابعة المعلّقات السبعة وأولها : ( آذنتنا ببينها أسماء ** ربّ ثاو يملّ منه الثواء ) ( آذنتنا ببينها ثم ولّت ** ليت شعري متى يكون اللقاء )
____________________

( بعد عهد لها ببرقة شمّا ** ء فأدنى ديارها الخلصاء ) ( لا أرى من عهدت فيها فأبكى الي ** وم دلهاً وما يردّ البكاء ) ( وبعينيك أوقدت هند النا ** ر أصيلاً تلوي بها العلياء ) ( أوقدتها بين العقيق وشخصي ** ن بعود كما يلوح الضياء ) ( فتنوّرت نارها من بعيد ** بخزاز هيهات منك الصلاء ) ( غير أني قد أستعين على اله ** مّ إذا خفّ بالثوي النجاء ) ( بزفوف كأنها هقلة أ ** مّ رئال دوية سقفاء ) قوله : آذنتنا أي : أعلمتنا . والبين : الفراق . وأسماء : حبيبته . والثاوي : المقيم يقال : ثوى يثوي ثواء وثواية : إذا قام وروى جماعة من اللغويين أثوى بمعناه وأنكرها الأصمعي . ويملّ بالبناء للمفعول من الملل وهو الضجر والسأم . وهذا المصراع الثاني من قبيل إرسال المثل .
وقوله : بعد عهد لها الخ البرقة بالضم : رابية فيها حجارة يخلطها رمل وطين وشماء : اسم أكمة . وأدنى : أقرب . والخلصاء : موضع أيضاً يقول : عزمت على فراقنا بعد أن لقيتها ببرقة شمّاء والخلصاء هي أقرب ديارها إلينا .
ثم اورد بيتين آخرين فيهما أسامي أماكن معطوفة على الخلصاء لا فائدة في إيرادها .
____________________


وقوله : لا أرى من عهدت الخ دلهاً أي : باطلاً وهو مفعول مطلق وقيل : هو من قولهم دلّهني أي : حيّرني فهو تمييز . يقول : لا أرى في هذه المواضع من عهدت وهي أسماء فأنا أبكي اليوم بكاء باطلاً او ذاهب العقل . وما استفهامية للإنكار أي : لا يردّ البكاء شيئاً على صاحبه .
يعني : لما خلّت هذه المواضع منها بكيت جزعاً لفراقها مع علمي أنه لا فائدة في البكاء . )
وروي أيضاً : ( لا أرى من عهدت فيها فأبكي ** أهل ودّي وما يردّ البكاء ) أي : فأنا أبكي أهل مودتي شوقاً إليهم حين نظرت إلى منازلهم الخالية وروي أيضاً : وما يحير البكاء من أحاره بالمهملة أي : رجعه .
وقوله : وبعينيك أوقدت الخ أي : وترى بعينيك أو بمرأى عينيك يقال : هو مني بمرأى ومسمع أي : حيث أراه وأسمعه . والمعنى : أوقدت النار تراها لقربها منك . وهند ممن كانت تواصله بتلك المنازل . وأصيلاً : ظرف بمعنى العشي وروي بدله أخيراً أي : في آخر عهدك بها . يقول : والعلياء بالفتح : ما ارتفع من الأرض وإنما يريد العالية وهي أرض الحجاز وما والاها من بلاد قيس . ويقال : قد ألوت الأرض بالنار تلوي بها إلواء أي : رفعتها وكذلك الناقة : ألوت : إذا رفعت ذنبها فلوّحت به .
وقوله : أوقدتها بين العقيق الخ العقيق وشخصان قال الأخفش : شخصان : أكمة لها قرنان ناتئان وهما الشعبتان . والعود هو عود البخور . وأراد بالضياء ضياء الفجر وقيل ضياء السراج .
وقوله : فتنوّرت نارها الخ يقال : تنورت النار : إذا نظرتها بالليل لتعلم : أقريبة هي أم بعيدة أكثيرة أم قليلة وخزاز بفتح الخاء المعجمة والزاءين المعجمتين : موضع .
وقوله : هيهات الخ يقول : رأيت نارها فطمعت أن تكون قريبة وتأملتها
____________________

فإذا هي بعيدة بخزار فلما يئست منها قلت : هيهات أخبر أنه رآها بالعلياء ثم أخبر أنه رآها بين العقيق وشخصين ثم بخزاز وهو جبل . والصلاء : مصدر صلا النار وصلي بالنار يصلى صلاء . إذا ناله حرها .
وقوله : غير أني قد أستعين . . الخ بنقل حركة الهمزة إلى دال قد وخف فلان للمضي إذا تحرك لذلك يقال : خف يخف خفة . والثوي مبالغة ثاو أي : مقيم . والنجاء بفتح النون والجيم : المضي يقال : منه نجا ينجو نجاءً ونجواً . والباء للتعدية . أي : إذا اضطر المقيم للسفر وأقلقه السير والمضي لعظم الخطب وشدة الخوف .
وبهذا البيت خرج من صفة النساء وصار إلى صفة ناقته على طريقة الاستثناء المنقطع من قوله فتنورت أو من قوله وما يرد البكاء أي : وما يرد على بكائي بعد أن تباعدت عني فاهتممت )
بذلك لكني أستعين على همي بهذه الناقة الآتي وصفها فيما بعد . فغير الاستثناء المنقطع وفتحتها إما حركة إعراب وإما فتحة بناء بنيت لإضافتها إلى مبني فتكون حينئذ في محل نصب .
وقوله : بزفوف كأنها الخ الباء متعلقة بأستعين . والزفوف بفتح الزاي المعجمة وبفاءين أراد به الناقة السريعة من الزفيف وهو السرعة وأكثر ما يستعمل في النعام . شبّه ناقته في وطاءتها وسرعتها بنعامة تزفّ والزفيف مثل الدفيف وذلك أن النعامة إذا عدت نشرت جناحيها ورفعت ذنبها ومرّت على الأرض أخفّ من الريح وربما ارتفعت من الأرض لخفتها . والزفيف للنعام والدفيف للطير يقال : زفّ النعام يزف زفاً وزفيفاً ودفّ الطير يدفّ دفّاً ودفيفاً .
والهقلة بكسر الهاء وسكون القاف : أنثى النعام والهقل ذكره .
والرئال بكسر الراء المهماة فعدها همزة مفتوحة : جمع رأل بفتح الراء وسكون الهمزة وهو ولد النعام . والدويّة بتشديد الواو منسوبة إلى الدوّ وهي الأرض البعيدة الواسعة وهو صفة أمّ وكذلك سقفاء من السقف بفاء بعد قاف وهو طول في انحناء والذكر أسقف . يقول : أستعين على إزالة همي بناقة مسرعة مكأنها في إسراعها نعامة لها أولاد طويلة منحنية لا تفارق المفاوز .
____________________


وقد تقدمت ترجمة الحارث بن حلّزة مع شرح أبيات من هذه المعلقة في الشاهد الثامن والأربعين في باب التنازع .
وأنشد بعده وهو
الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائتين وهو من شواهد س : ( أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ** قليل بها الأصوات إلا بغامها ) على أن إلا صفة للأصوات وهي وإن كانت معرفة بلام الجنس فهي شبيهة بالمنكر . ولما كانت إلا الوصفية في صورة الحرف الاستثنائي نقل إعرابها الذي تستحقه إلى ما بعدها فرفع بغامها إنما هو بطريق النقل من إلا إليه . والمعنى : أن صوتاً غير بغام الناقة قليل في تلك البلدة وأما بغامها فهو كثير .
قال الشارح المحقق : ويجوز في البيت أن تكون إلا للإستثناء وما بعدها بدلاً من الأصوات لن في قليل معنى النفي . والمعنى على هذا : ما في تلك البلدة من جنس الأصوات إلا بغامها بخلاف المعنى الأول فإنه يقتضي أن يكون فيها صوت غير البغام لكنه قليل بالنسبة إلى البغام .
قال : ومذهب سيبويه جواز وقوع إلا صفة مع صحة الاستثناء .
نسب ابن هشام في المغني هذا الجواز إلى جماعات من النحويين ثم قال : وقد يقال إنه مخالف لمثال سيبويه : لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا ولقوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا قال : فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للإستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ : لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك
____________________

يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم يفسدا وليس ذلك المراد . ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكّر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه لو قلت قام رجل إلا زيد لم يصح اتفاقاً . انتهى .
وهذا البيت من قصيدة لذي الرمة وقبله : ( ألا خيّلت ميّ وقد نام صحبتي ** فما نفّر التهويم إلا سلامها ) ( طروقاً وجلب الرحل مشدودة به ** سفينة برّ تحت خدي زمامها ) ( أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ** قليل بها الأصوات إلا بغامها ) قوله : ألا خيلت مي الخ خيلت أي : رأينا منها خيالاً جاء في المنام . وميّ : اسم محبوبته .
وجملة قد نام الخ حالية . والتهويم : مفعوله مصدر هوّم الرجل : إذا هزّ رأسه من النعاس .
وسلامها : فاعل نفر يقول : نفر نومنا حين سلّم الخيال علينا .
وقوله : طروقاً الخ الطروق : مصدر طرق أي : أتى ليلاً وهو من باب قعد . يريد : خيلت )
طروقاً . وجلب الرحل : بكسر الجيم وضمها : عيدانه وخشبه وهو مبتدأ ومشدودة خبره وسفينة نائب فاعل الخبر وبه أي : بالجلب . وأراد بسفينة البرّ الناقة . وزمامها مبتدأ وتحت خدّي خبره . والجملة : صفة سفينة يريد : أنه كان نزل عن ناقته آخر الليل وجعل زمامها تحت خده ونام .
____________________


وقوله : أنيخت فألقت . الخ هو مجهول أنختها أي : أبركتها . والبلدة الأولى : الصدر والثانية : الأرض . أي : أبركت فألقت صدرها على الأرض . والضمير في أنيخت وألقت وبغامها راجع إلى سفينة برّ المراد بها الناقة . و قليل بالجرّ صفة سببية للبلدة الثانية . والأصوات : فاعل قليل والرابط ضمير بها .
ويجوز رفع قليل على انه خبر الأصوات والجملة صفة . و البغام : بموحدة مضمومة بعدها غين معجمة قال صاحب الصحاح : بغام الظبية : صوتها وكذلك بغام الناقة : صوت لا تفصح به وقوله : يمانية في وثبها الخ بالتخفيف أي : هذه الناقة منسوبة إلى اليمن . والوثب بالمثلثة وثب وثباً ووثوباً : إذا ظفر . والعجرفية : الجفاء وركوب الرأس وهو أن يسير سيراً مختلطاً . وإطلاها : خاصرتاها مثنى إطل بكسر الهمزة . وأودى : ذهب وهلك . يقول : هي في ضمرها هكذا شديدة فكيف تكون قبل الضمر وترجمة ذي الرمّة تقدمت في الشاهد الثامن من أوائل الكتاب .
وأنشد بعده وهو
الشاهد الأربعون بعد المائتين وهو من شواهد س :
____________________

( وكل أخ مفارقه أخوه ** لعمر أبيك إلا الفرقدان ) على أن إلا صفة لكل مع صحة جعلها أداة استثناء ونصب الفرقدين على الاستثناء كما هو الشرط في وصفية إلا .
قال ابن هشام في المغني : والوصف هنا مخصص فإن ما بعد إلا مطابق لما قبلها لأن المعنى : كل أخوين غير هذين الكوكبين متفارقان . وليس إلا استثنائية وإلا لقال : إلا الفرقدين بالنصب لأنه بعد كلام تام موجب كما هو الظاهر مع كونه لمستغرق وهو كل أخ كما نصب الشاعر في هذا البيت وهو من أبيات مذكورة في مختار أشعار القبائل لأبي تمام صاحب الحماسة لأسعد الذهلي وهو : ( وكل أخ مفارقه أخوه ** لشحط الدار إلا ابني شمام ) قال أبو عبيد القاسم في أمثاله : ابني شمام هنا : جبلان . وهو بفتح الشين المعجمة وكسر الميم كحذام .
وفي المرصع لابن الأثير : ابنا شمام جبلان في دار بني تميم مما يلي دار عمرو بن كلاب وقيل : شمام هو جبل . وابناه : رأساه وأنشد الخليل : ( وإنكما على غير الليالي ** لأبقى من فروع ابني شمام اه ) وقال حمزة الأصبهاني في أمثاله التي جاءت على أفعل : ابنا شمام : هضبتان في أصل جبل يقال له : شمام .
وعند ابن الحاجب في البيت الشاهد شذوذ من ثلاثة أوجه : أحدهما : أنه اشترط في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وهنا يصح لو نصبه .
وثانيهما : وصف المضاف والمشهور وصف المضاف إليه . وثالثهما : الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر وهو قليل .
____________________


قال صاحب المقتبس : وفي البيت تخريج يتراءى لي غير بعيد عن الصواب وهو أن يجعل قوله : مفارقه أخوه : صفة لكل وصاغ ذلك لكونه نكرة إذ أضافته لفظية ثم يجعل إلا الفرقدان خباً للمبتدأ الموصوف ولا يخرج جعلها خبراً عن الوصفية لأن الخبر أيضاً صفة حقيقية . )
فتكون إلا في قوله تعالى : إلا الله لفسدتا صفة نحوية . وفي البيت صفة معنوية وبهذا الوجه يخرج الكلام عن تخلل الخبر بين الصفة والموصوف .
وتقدير البيت على ما ذكرت : وكل أخ مفارق أخاه مغاير للفرقدين أي : ليس على صفتهما لأنهما لا يفترقان منذ كانا . انتهى .
ورده السيد عبد الله في شرح اللب بقوله : ولا يجوز أن يجعل مفارقه صفة وإلا الفرقدان خبراً حتى يتخلص من هذه الفسادات كما قيل لفساد المعنى . ووجهه أن المراد الحكم من على كل أخ بأنه مفارق أخاه في الدنيا سوى الفرقدين فإنهما لا يفترقان إلا عند فناء الدنيا وليس المعنى على ما ذكره فإنه يقتضي مفهومه : أن كل أخ لا يفارق أخاه مثل الفرقدين في اجتماع الشمل . وليس في الدنيا أخوان لا يفترقان . فتأمل .
وفي البيت تخاريج أخر : إحداهما للكوفيين نقله عنهم ابن الأنباري في مسائل الخلاف : أن إلا هنا بمعنى الواو وهي تأتي بمعناه كثيراً كقوله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا أي : ولا الذين ظلموا لا تكون لهم
____________________

أيضاً حجة وقوله تعالى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم أي : ومن ظلم لا يحب أيضاً الجهر بالسوء منه وكذا قال السيد المرتضى في أماليه في أحد أوجه إلا في قوله تعالى : خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن إلا بمعنى الواو وأورد هذا البيت وغيره شاهداً لمجيء إلا بمعنى الواو وأجاب البصريون أن إلا في البيت بمعنى غير وفي الآيات للاستثناء المنقطع .
ثانيها ما ذهب إليه الكسائي . أن أصله إلا أن يكون الفرقدان وقد رد سيبويه هذا القول كما بينه الشرح المحقق .
قال أبو علي في الإيضاح الشعري : أنشد سيبويه هذا البيت وقال : لا يجوز أن يكون قوله : إلا الفرقدان على تقدير إلا أن يكون الفرقدان . وإنما لم يجز هذا لأنك لا تحذف الموصول وتدع الصلة لأن الصلة تذكر للتخصيص والإيضاح للموصول فإذا حذفت الموصول لم يجز حذفه وذكرك ما يكون إيضاحاً له .
ونظير ذلك أجمعون في التوكيد لا يجوز أن تذكره وتحذف المؤكد . فإن قلت : لم لا يكون كالصفة والموصوف في جواز حذف الموصوف وذكر الصفة وكذلك تحذف الموصول وتذكر الصلة قلت : لم يكن في هذا كالوصف إذا كان مفرداً ألا ترى أن الوصف إذا كان مفرداً كان )
كالموصوف في الإفراد وإذا كان مثله جاز وقوعه مواقع الموصوف من حيث كان مفرداً مثله مع استقباح لذلك .
فأما الصلة فلا تقع مواقع المفرد من حيث كانت جملاً كما لم يجز أن تبدل الجمل من المفرد من حيث كان البدل في تقدير تكرير العامل والعامل في المفرد لا يعمل في لفظ الجملة فكذلك لا يجوز أن تحذف الموصول وتقيم الصلة مقامه . فإن قلت : هلاّ جاز حذفها كما جاز حذف الصلات وإبقاء الموصولة كقوله : بعد اللتيا والتي قلت : إبقاء الموصول وحذف الصلة أشبه من عكس ذلك لأن
____________________

الموصول مفرد وليس كالصلة التي هي جملة فكذلك جاء في الشعر ولم يمتنع كما لا يمتنع أن يذكر المؤكد ولا يذكر التأكيد . ولو ذكرت أجمعون ونحوه ولم تذكر المؤكد لم يجز .
انتهى كلام أبي علي ولكثرة فوائده نقلناه برمّته .
ثالثهما ما نقله بعض شرّاح أبيات المفصل من فضلاء العجم وهو أن إلا هنا بمعنى حتى والمعنى : كل أخ مفارقه أخوه حتى إن الفرقدين مع شدة اجتماعهما وكثرة مصاحبتهما يفرق كل واحد منهما عن صاحبه فما ظنك بغيرهما قال : وعلى هذا تكون إلا مستعملة استعمال حتى للمناسبة بين الاستثناء والغاية ويكون ذلك كقولهم : مات الناس حتى الأنبياء . هذا كلامه وليس المعنى على ما زعمه وفيه تعسف أيضاً .
رابعها : ما ذكره ابن الأنباري في مسائل الخلاف : أن إلا هنا للاستثناء المنقطع قال : أراد لكن الفرقدان فإنهما لا يفترقان على زعمهم في بقاء هذه الأشياء . هو غير متبادر منه وهو كقول الأعلم في شرح أبيات الكتاب : وهذا على مذهب الجاهلية مع أن قائل هذا البيت صحابي كما سيأتي .
وسبقهما المبرد في الكامل فإنه بعد أن نسب البيت لعمرو بن معد يكرب اعتذر عنه فقال : وهذا البيت قاله قبل أن يسلم . ثم أورد عقبه بيت أبي العتاهية دليلاً على ما فهمه بقوله : وقال اسماعيل بن القاسم : ( ولم أر ما يدوم له اجتماع ** سيفترق اجتماع الفرقدين ) ونحن نقول : محمل هذا البيت أنهما يفترقان عند قيام الساعة . ولكل وجهة . والفرقدان : نجمان قريبان من القطب لا يفارق أحدهما الآخر .
وبقي في البيت احتمال وجه آخر لم أر من ذكره وهو أن تكون إلا للاستثناء والفرقدان )
منصوب بعد تمام الكلام الموجب لكنه بفتحة مقدرة على
____________________

الألف على لغة من يلزم المثنى الألف في الأحوال الثلاثة وهي لغة بني الحارث بن كعب . والله أعلم .
وقوله : وكل أخ مفارقه أخوه قال الفاليّ في شرح اللباب : يحتمل وجوهاً من الإعراب : أحدها : أن يكون كل مبتدأ ومفارقه خبره وأخوه فاعل مفارقه . والثاني : أن يكون كل مبتدأ ومفارقه مبتدأ ثانياً وأخوه خبره والحملة خبر الأول . الثالث : أن يكون كل مبتدأ وأخوه مبتدأ ثانياً ومفارقه خبر المقدم والجملة خبر الأول . الرابع : أن يكون كل مبتدأ ومفارقه بدلاً منه وأخوه خبر كلّ أي : مفارق كل أخ أخوه . الخامس : ان يكون مفارقه بدلاً من كل وأخوه مبتدأ وكل أخ مفارقه خبر مقدم انتهى .
وقوله : لعمر أبيك مبتدأ خبره محذوف تقديره : قسمي . والجملة معترضة . وهذا البيت جاء في شعرين لصحابيين : أحدهما : عمرو بن معد يكرب انشده الجاحظ في البيان والتبيين له وكذا نسبه إليه المبرّد في الكامل وصاحب جمهرة الأشعار وغيرهم وتقدمت ترجمته في الشاهد الرابع والخمسين بعد المائة .
الثاني حضرمي بن عامر الأسدي : قال الآمدي في المؤتلف والمختلف : هو حضرمي بن عامر بن مجمّع بن موعلة بن هشام بن ضب بن كعب بن القين بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد . وهو شاعر فارس سيد وله في كتاب بني أسد أشعار وأخبار حسان وهو القائل :
____________________

( ألا عجبت عميرة أمس لمّا ** رأت شيب الذؤابة قد علاني ) إلى أن قال : ( وذي فخم عزفت النفس عنه ** حذار الشامتين وقد شجاني ) ( قطعت قرينتي عنه فأغنى ** غناه فلم أراه ولم يراني ) ( وكل قرينة قرنت بأخرى ** ولو ضنت بها ستفرّقان ) ( وكل أخ مفارقة أخوه ** لعر أبيك ألا الفرقدان ) ( وكل إجابتي إياه أني ** عطفت عليه خوّار العنان اه ) والذؤابة : الخصلة من الشعر . والفخم : بفتح الفاء وسكون الخاء المعجمة : التعظم والاستعلاء ومثله الفخيمة بالتصغير . وعزفت بالعين المهملة والزاي والفاء أي : صرفت . وحذار : مفعول )
لأجله لقوله عزفت . وجملة وقد شجاني أي : أحزنني حالية .
وقوله : قطعت قرينتي هو جواب ربّ المقدّرة في قوله : وذي فخم . ومعناه كل نفس مقرونة بأخرى ستفارقها . وضنّت : بخلت . وقوله : وكل إجابتي كلّ : فعل ماض من الكلال . ويروى : وكان إجابتي إياه .
وحضرمي بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وبعد الراء ميم مكسورة بعدها ياء مشددة . ومجمّع بوزن اسم الفاعل من جمع تجميعاً . وموألة بفتح الميم وسكون الواو وبعدها همزة مفتوحة قال في القاموس : وبنو موألة كمسعدة : بطن وهو مفعلة اسم مكان من وأل إليه يئل بمعنى لجأ وخلص والموئل : الملجأ .
____________________


وضبطه ابن حجر في الإصابة مولة بفتحات وأورد حمام بدل هشام وأورد باقي النسب كما ذكرنا وقال : ذكره ابن شاهين وغيره في الصحابة . وروى أبو يعلى وابن نافع من طريق محفوظ بن علقمة عن حضرمي بن عامر الأسدي وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ولا يستنجي بيمينه قال السيوطي في شرح شواهد المغني : ولم أقف لحضرمي على رواية غير هذا الحديث .
قال ابن حجر : وروى ابن شاهين من طريق المدائني عن جماعة أنهم قالوا : وفد بنو أسد بن خزيمة وفيهم حضرمي بن عامر وضرار بن الأزور وسلمة وقتادة وأبو مكعت . فذكر الحديث في قصة إسلامهم وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً . قال : فتعلّم حضرمي بن عامر سورة عبس وتولى فزاد فيها : وهو الذي أنعم على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا تزد فيها .
وأخرجه من طريق منجاب بن الحارث من طرق ذكر فيها أن السورة سبح اسم ربك الأعلى : وروى عمر بن شبّة بإسناد صحيح إلى أبي وائل قال : وفد بنو أسد فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : من أنتم قالوا : نحن بنو الزنية أحلاس الخيل قال : بل أنتم بنو الرشدة فقالوا : لا ندع اسم أبينا وذكر قصة طويلة .
وقال المرزباني في معجمه : كان حضرمي يكنى أبا كدام ولما سأله عمر بن الخطاب عن شعره في حرب الأعاجم أنشده أبياتاً حسنة في ذلك .
وروى أبو عليّ القاليّ من طريق ابن الكلبي قال : كان حضرمي بن عامر عاشر عشرة من إخوته )
فماتوا فورثهم فقال فيه ابن عم له يقال له جزء بن مالك : يا حضرمي ورثت تسعة إخوة فأصبحت ناعماً فقال حضرمي من أبيات :
____________________

( إن كنت قاولتني بها كذباً ** جزء فلاقيت مثلها عجلا ) فجلس جزء على شفير بئر هو وإخوته وهم أيضاً تسعة فانخسفت بهم فلم ينج غير جزء فبلغ ذلك حضرمي بن عامر فقال : كلمة وافقت قدرا وأبقت حقدا انتهى ما أورده ابن حجر في الإصابة .
وهذا البيت الذي نقله عن أبي القاليّ هو أحد أبيات ثلاثة أوردها ابن السيد البطليوسي في شرح شواهد أدب الكاتب وهي : ( يزعم جزء ولم يقل جللا ** أني تروّحت ناعماً جذلا ) ( أفرح أن أرزأ الكرام وأن ** أورث ذوداً شصائصاً نبلا ) وجزء بفتح الجيم وسكون الزاي وثالثه همزة وهومنادى في البيت الثاني . والجلل هنا بمعنى الحقير ويأتي بمعنى العظيم أيضاً وهو من الأضداد . وتروّح بالحاء المهملة : صار ذا راحة .
وناعم : وصف من النعيم وهو الخفض والدّعة والمال . وجذلان بمعنى فرحان من الجذل بفتحتين وهو الفرح . وأزننتني : اتهمتني يقال : زننته وأزننته بكذا : إذا اتهمته به ونسبته إليه .
وقوله : أفرح أراد أأفرح على معنى التقرير والإنكار فترك ذكر الهمزة وهو يريدها حين فهم ما أراد وهذا قبيح وإنما يحسن حذفها مع أم .
وقد أورده صاحب الكشاف في تفسيره دليلاً على حذف همزة الاستفهام .
والرزء براء مضمومة وزاي ساكنة بعدها همزة قال صاحب القاموس : رزأه ماله كجعله وعمله رزْاً بالضم : أصاب منه شيئاً . فالمفعول الثاني في البيت محذوف أي : أرزأ الكرام مالهم . وأورث بالبناء للمفعول .
____________________


والذود من الإبل : دون العشرة وأكثر ما يستعمل في الإناث . والشصائص التي لا ألبان لها الواحد شصوص بفتح المعجمة وإهمال الصادين يقال : شصّت الناقة وأشصت .
والنبل بفتح النون والموحدة : الصغار قال في القاموس : والنبل محركة : عظام الحجارة والمدر ( تتمة : ) أورد الآمدي في المؤتلف والمختلف اثنين من الشعراء ممن اسمه حضرمي أحدهما هذا )
الصحابي .
والثاني حضرمي بن الفلندح بفتح الفاء واللام وسكون النون وفتح الدال وآخره حاء مهملة قال : هو أخو بني حرام بن عوف المشجعي . وبنو مشجعة بن تيم بن النمر بن وبرة أخو كلب بن وبرة شاعر وهو القائل : ( إذا نفحت من نحو أرضك نفحة ** رياح الصبا يا قيل طاب نسيمها ) ( كأنك في الجلباب شمس نقيّة ** تجوّب عنها يوم دجن غيومها ) انتهى .
وقيل مرخّم قيلة بالقاف اسم امرأة ولا أعرف هل هو إسلامي أو لا . والله أعلم .
____________________


وأنشد بعده وهو الشاهد الحادي والأربعون بعد المائتين ( ولم يبق سوى العدوان دنّاهم كما دانوا ** صفحنا عن بني ذهل ) ( عسى الأيام أن يرجع ** ن قوماً كالذي كانوا ) ( فلما صرّح الشر ** فأمسى وهو عريان ) ( ولم يبق سوى العدوا ** ن دنّاهم كما دانوا ) ( مشينا مشية الليث ** غدا والليث غضبان ) ( بضرب فيه توهين ** وتخضيع وإقران ) ( وطعن كفم الزقّ ** غدا والزقّ ملآن ) ( وبعض الحلم عند الجه ** ل للذلة إذعان ) وفي الشر نجاة حي ن لا ينجيك إحسان )
الصفح : العفو وحقيقته أعرضنا عنهم وأوليناهم صفحة عنقنا . وروي :
____________________

عن بني هند وهي هند بنت مرّ بن أدّ أخت تميم . وقوله : عسى الأيام الخ قال المرزوقيّ : لا يجوز أن يكون الذي بمعنى الذين لأن الموصول والصلة يصير صفة لقوم آخرين كالقوم المذكورين بل التقدير : أن يرددن دأب القوم كائناً كالدأب الذي كانوا عليه .
وفي هذا الوجه يجوز أن يكون الذي للجنس كما قال تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به ثم قال : أولئك . والفصل بين هذا الوجه والوجه الأول أنه أمّل في الوجه الأول أنهم إذا عفوا عنهم أدّبتهم الأيام وردّت أحوالهم كأحوالهم فيما مضى : في الاتفاق والتوادّ وفي الوجه الثاني أمّل أن ترجع الأيام أنفسهم إذا صفحوا عنهم كما عهدت : سلامة صدور وكرم عهود انتهى .
ومعنى يرجعن : يرددن من باب فعل وفعلته يقال : رجع فلان رجوعاً ومرجعاً ورجعاناً ورجعته رجعاً والعائد محذوف أي : كالذي كانوه وهو خبر كان .
وهذا البيت أورده ابن هشام في المغني على ان بعضهم استدل به على أن المعرفة إذا أعيدت نكرة كانت عينها على القاعدة المشهورة .
وصرّح بمعنى انكشف ويأتي أيضاً متعدّياً بمعنى كشفه . وجملة وهو عريان خبر أمسى وذكر العريان مثل لظهور الشرّ . وروي : فأضحى وهو عريان وهذه احسن لأن الشيء في الضحى وقوله : ولم يبق سوى العدوان معطوف على قوله صرّح .
____________________


وقوله : دنّاهم . . الخ جواب لما . والعدوان : الظلم الصريح . والدين : الجزاء . وأورد البيضاوي هذا البيت في قوله تعالى : مالك يوم الدين على أن الدين الجزاء . والمعنى : لما أصرّوا على البغي وأبوا أن يدعوا الظلم ولم يبق إلا أن نقاتلهم ونعتدي عليهم كما اعتدوا علينا جازيناهم بفعلهم القبيح كما ابتدؤونا به . وإطلاق المجازاة على فعلهم مشاكلة على حد قوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه .
وقوله : مشينا مشية الخ هذا تفصيل لما أجمله في قوله دنّاهم وتفسير لكيفية المجازاة . وكرّر الليث ولم يأت به مضمراً تفخيماً وتعظيماً .
والمعنى : مشينا إليهم مشية الأسد ابتكر وهو جائع . وكنى عن الجوع بالغضب لأنه يصحبه .
وغدا بمعجمة فمهملة ولا يجوز بمهملتين لأن الليث لا يكون ماشياً عادياً في حال . فإن قيل : اجعله من العدوان قلت : الليث لا يمشي في حال عدوانه وإنما يشدّ شدّاً ويجوز على رواية )
شددنا شدة الليث على أنه من العدوان .
وقوله : بضرب فيه توهين الخ الباء تتعلق بمشينا . والتوهين : التضعيف . والإقران : مواصلة لا فتور فيها . وروي : والتأييم : جعل المرأة أيّماً والأيّم هي التي قتل زوجها أو مات . والإرنان من الرنين والبكاء يقال : رنّ وأرنّ .
وقوله : وطعن كفم الزقّ الخ غذا بمعجمتين بمعنى سال يقال : غذا يغذو غذواً والاسم الغذاء أي : وطعن في اتساعه وخروج الدم منه كفم الزق إذا سال بما فيه وهو مملوء . وجملة إذا مع ضميره بتقدير قد حالية .
وقوله : وبعض الحلم الخ الإذعان : الانقياد يقال : أذعن لكذا : إذا انقاد له وأذعن بكذا : إذا أقرّ به . اعتذر في هذا البيت عن تركهم التحلم مع الأقرباء بأنه كان يفضي إلى الذل .
____________________


وقوله : وفي الشر نجاة الخ أراد في دفع الشر ويجوز أن يريد وفي عمل الشر نجاة كانه يريد : وفي الإساءة مخلص إذا لم يخلّصك الإحسان .
والفند الزمّاني اسمه شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمّان الحنفي . فهو منسوب إلى جد أبيه .
وشهل بالشين وليس في العرب شهل بالمعجمة إلا هو وشهل بن أنمار من قبيلة بجيلة . وزمّان بكسر الزاي وتشديد الميم هو إما فعلان من زممت أو فعّال من الزمن . والفند بكسر الفاء وسكون النون : القطعة من الجبل وإنما لقّب به لأن بكر بن وائل بعثوا إلى بني حنيفة في حرب البسوس لينصروهم فأمدّوهم به وكتبوا إليهم : قد بعثنا إليكم بثلثمائة فارس فلما أتى بكراً وهو مسنّ قالوا : وما يغني هذا العشبة قال : أو ما ترضون أن أكون لكم فنداً تأوون إليه فلقب به . . . والعشبة بفتحات العين المهملة والشين المعجمة والتاء الموحدة : الشيخ الكبير ويقال : العشمة بالميم بدل الموحدة كذا في إعراب الحماسة لابن جنّي .
وفي الأغاني : كان الفند أحد فرسان ربيعة المشهورين المعدودين شهد حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة فأبلى بلاء حسناً . وإنما لقّب فنداً لأن بكر بن وائل بعثوا إلى بني حنيفة يستنصرونهم . وذكر الحكاية التي ذكرناها ثم قال : فوجّهوا إليهم بالفند الزمّاني في سبعين رجلاً وكتبوا إليه : إنا قد بعثنا إليكم ألف رجل .
وانشد بعده وهو )
الشاهد الثاني والأربعون بعد المائتين
____________________

( تجانف عن جو اليمامة ناقتي ** وما عدلت عن أهلها لسوائكا ) على أن خروج سواء عن الظرفية شاذ خاص بالشعر وإذا خرجت كانت بمعنى غير .
وقد استفتى بعضهم من جملة أسئلة أربعة : هل تكون سواء بمعنى غير فأجابه أبو نزار الملقب بملك النحاة بأنه قد نص على أنها لا تأتي إلا ظرف مكان وأن استعمالها اسماً متصرفاً بوجوه الإعراب بمعنى غير خطأ .
ونقل ابن الشجري في أماليه صورة الاستفتاء الأسئلة الأربعة وما أجاب به أبو نزار وجواب الإمام أبي منصور الجواليقي واستجهل أبا نزار وذمّه وخطّأه تبعاً للجواليقي وأصاب هو أيضاً عن الأسئلة وقال في سوى : وأما سوى فإن العرب استعملتها استثناء وهي في ذلك منصوبة على الظرف بدلالة أن النصب يظهر فيها إذا مدّت فإذا قلت أتاني القوم سواءك فكأنك قلت مكانك .
واستدلّ الأخفش على أنها ظرف بوصلهم الاسم الناقص بها في نحو : أتاني الذي سواك .
والكوفيون يرون استعمالها بمعنى غير . وأقول : إدخال الجارّ عليها في قول الأعشى : وما قصدت من أهلها لسوائكا يخرجها عن الظرفية . وإنما استجازت العرب ذلك فيها تشبيهاً لها بغير من حيث استعملوها استثناء . وعلى تشبيهها بغير قال أبو الطيب : ( أرض لها شرف سواها مثلها ** لو كان مثلك في سواها يوجد ) رفع سوى الأولى بالابتداء وخفض الثانية بفي فأخرجهما من الظرفية . فمن خطّأه فقد خطّأ الأعشى في قوله : لسوائكا ومن خطأ الأعشى في لغته التي جبل
____________________

عليها وشعره يستشهد به في كتاب الله تعالى فقد شهد على نفسه بأنه مدخول العقل ضارب في غمرة الجهل . ومن العجب أن هذا الجاهل يقدم على تخطئة سلف النحويين وخلفهم وتخطئة الشعراء الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين ولا يؤثر عنه انه قرأ مصنفاً في النحو إلا مقدمة من تأليف عبد القاهر الجرجاني قيل : إنها لا تبلغ أن تكون في عشر أوراق وقيل إنه لا يملك من كتب النحو واللغة ما مقداره عشر أوراق وهو مع ذلك يردّ بقحّته على الخليل وسيبويه إنها لوصمة اتسم بها زماننا هذا لا يبعد عارها ولا ينقضي شنارها . )
وإنما طلب بتلفيق هذه الأهواس أن تسطّر فتوى فيثبت خطّه فيها مع خط غيره . فيقال : أجاب أبو نزار بكذا وأجاب غيره بكذا وقد أدرك لعمر الله مطلوبه وبلغ مقصوده ولولا إيجاب حق من أوجبت حقه والتزمت وفاقه واحترمت خطابه لصنت خطي ولفظي عن مجاورة خطه ولفظه : انتهى كلام ابن الشجري .
واجاب الجواليقي بقوله : وأما سوى فلم يختلفوا في أنها تكون بمعنى غير تقول : رأيت سواك أي : غيرك . وحكى ذلك أبو عبيد عن أبي عبيدة . وقال الأعشى : ( وما قصدت من أهلها لسوائكا ** ) أي : لغيرك وهي أيضاً غير ظرف وتقدير الخليل لها بالظرف في الاستثناء بمعنى مكان وبدل لا يخرجها عن ان تكون بمعنى غير . وفيها لغات : إذا فتحت مدّت لا غير وإذا ضمت قصرت لا غير وإذا كسرت جاز المد والقصر أكثر . وما يحمل المتكلم بالقول الهراء إلا فشوّ الجهل .
انتهى .
وقد حكى ابن الأنباري في مسائل الخلاف مذهب البصريين والكوفيين
____________________

مفضّلاً فلا بأس بإيراده مجملاً . قال : ذهب الكوفيون إلى أن سواء تكون اسماً وتكون ظرفاً واحتجوا على أنها تكون اسماً بمنزلة غير ولا تلزم الظرفية انهم يدخلون عليها حرف الخفض قال المرّار بن سلامة العجليّ : ( ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ** إذا جلسوا منا ولا من سوائنا ) وقال الآخر : وما قصدت من أهلها لسوائكا وقال أبو دواد : ( وكل من ظن أن الموت مخطئه ** مجلل بسواء الحق مكذوب ) وقال الآخر : ( أكرّ على الكتيبة لا أبالي ** أفيها كان حتفي أم سواها ) وروي عن بعض العرب أنه قال : أتاني سواؤك فرفع . وذهب البصريون إلى أنها لا تكون إلا ظرفاً واحتجوا بأنها ما استعملت في اختيار الكلام إلا ظرفاً قالوا : مررت بالذي سواك .
فوقوعها صلة يدلّ على ظرفيتها بخلاف غير . وقولهم : مررت برجل سواك أي : برجل مكانك )
أي : يغني غناءك ويسدّ مسدك . والذي يدل على تغاير سوى وغير ان سوى لا تضاف إلا إلى معرفة نحو مررت برجل سواك وسوى العاقل ولو قلت : سوى عاقل لم يجز ولو قلت غير عاقل جاز . ويدل على ظرفية سوى أن العامل يتعداها قال لبيد :
____________________

( وابذل سوام المال إ ** ن سواءها دهماً وجونا ) فنصب سواءها على الظرف ودهماً بأن . . وأجابوا عن الأبيات بأنه إنما جاز ذلك لضرورة الشعر وعندنا يجوز خروجها عن الظرفية في ضرورة الشعر ولم يقع الخلاف في حال الضرورة وإنما استعملوها بمنزلة غير في الضرورة لأنها في معناها وليس شيء يضطرون إليه إلا ويحاولون له وجهاً . وأما رواية : أتاني سواؤك فرواية تفرّد بها الفرّاء عن أبي ثروان وهي رواية شاذة غريبة فلا يكون فيها حجة . انتهى .
والبيت الشاهد من قصيدة للأعشى ميمون مدح بها هوذة بن علي بن ثمامة الحنفي ومطلعها : ( أحيّتك تيّاً أم تركت بدائكا ** وكانت قتولاً للرجال كذلكا ) ( وأقصرت عن ذكرى البطالة والصبا ** وكان سفيهاً ضلّة من ضلالكا ) ( وقامت تريني بعد ما نام صحبتي ** بياض ثناياها وأسود حالكا ) ثم وصف الفقر والفاقة في أبيات . . إلى أن قال : ( إلى هوذة الوهّاب أهديث مدحتي ** أرجّي نوالاً فاضلاً من عطائكا ) ( تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي ** وما عمدت من أهلها لسوائكا ) ( ألمّت بأقوام فعافت حياضهم ** قلوصي وكان الشرب فيها بمائكا ) ( فلما أتت آطام جوّ وأهله ** أنيخت فألقت رحلها بفنائكا ) ( سمعت برحب الباع والجود والندى ** فألقيت دلوي فاستقت برشائكا ) ( وما ذاك إلا أن كفيك بالندى ** يجودان بالإعطاء قبل سؤالكا ) ( فتىً يحمل الأعباء لو كان غيره ** من الناس لم ينهض بها متماسكا ) ( وأنت الذي عودتني أن تريشني ** وانت الذي آويتني في ظلالكا )
____________________

( وإنك فيما نابني بي مولع ** بخير وإني مولع بثنائكا ) ( وجدت عليّاً بانياً فورثته ** وطلقاً وشيبان الجواد ومالكا ) ( ولم يسع في العلياء سعيك ماجد ** ولا ذو إناً في الحيّ مثل إنائكا ) ) ( وفي كل عام أنت جاشم رحلة ** تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا ) قوله : أحيّتك الهمزة للآستفهام والتحية معروفة . وتيّاً بفتح المثناة الفوقية وتشديد المثناة التحتية الظاهر أنه اسم محبوبته وقد تغزل بها في أكثر قصائده كقوله : ( تذكرت تياً وأترابها ** وقد أخلفت بعض ميعادها ) وقوله : ( عرفت اليوم من تيّا مقاما ** بجوّ او عرفت لها خياما ) وقيل : إنها اسم إشارة بمعنى هذه . وأراد بالأسود الحالك شعرها .
وقوله : تجانف عن جوّ . . الخ أصله تتجانف بتاءين من الجنف وهو الميل . وجوّ بفتح الجيم وتشديد الواو : اسم اليمامة في الجاهلية حتى سماها الحميري لما قتل المرأة التي تسمى اليمامة باسمها وقال الملك الحميري : ( وقلنا فسموها اليمامة باسمها ** وسرنا وقلنا لا نريد إقامه ) وقال الأعشى في مدح الحنفيّ أيضاً وهو صاحب اليمامة ويذمّ الحارث بن
____________________

وعلة : ( وإن امرأً قد زرته بعد هذه ** بجوّ لخير منك نفساً ووالدا ) كذا في معجم ما استعجم للبكري . وروي : عن جلّ اليمامة وفي الروايتين حذف مضاف فالأول عن أهل جو اليمامة والثاني عن جلّ أهل اليمامة أي : معظم أهلها . يعني : أنه لم يقصد سواه من أهل اليمامة . وضمير أهلها لليمامة . وجعل الميل عن غير هوذة إلى هوذة فعل الناقة وإنما هو فعل صاحبها . واللام في لسوائكا بمعنى إلى غيرك .
قال صاحب التصحيف : قال أبو عبيد : لا يكون سواء وسوى اسما هو صفة وقال في قوله : وما قصدت من أهلها لسوائكا قال الزجّاج : سواء زيد وعمرو في معنى ذوا سواء وسواء عنده مصدرن وإنما هو لمكان سوائكا . انتهى .
وقال ابن ولاد في المقصور والممدود : سوى بمعنى غير مكسور الأول مقصور يكتب بالياء وقد يفتح أوله فيمد ومعناه معنى المكسور قال الأعشى بفتح ومد : وما قصدت من أهلها لسوائكا وقوله : وجدت علياً بانياً الخ علي أبوه وطلق وشيبان ومالك أعمامه . وقوله : لما ضاع فيها )
من قروء نسائكا يعني الغزوة التي شغلته عن وطء نسائه في الطهر .
وهذه القصيدة تشبه أشعار المحدثين والمولّدين في الرقة والانسجام ولهذا أوردنا أكثرها .
وترجمة الأعشى تقدمت في الشاهد الثالث والعشرين من أوائل الكتاب .
____________________


وأنشد بعده وهو خالط من سلمى خياشيم وفا على ان أصله وفاها فحذف المضاف إليه .
قال أبو علي في إيضاح الشعر : اعلم أن أبا الحسن الأخفش قال في قول الراجز : خالط من سلمى خياشيم وفا إن التقدير : وفاها فحذف المضاف إليه . وكذلك قال في قوله : ليس غير : إن التقدير ليس غيره . وحكى بعضهم أن من الناس من قد لحّنه . والتلحين ليس بشيء لاحتماله ما قال أبو الحسن وفيه قول آخر : انه جاء على قول من لم يبدل من التنوين الألف في النصب ولكن جعل النصب في عدم إبدال التنوين ألفاً كالجر والرفع كما جعلوا النصب في نحو : كفى بالنأي من أسماء كاف مثل الجر والرفع . وكذلك جعل النصب مثلهما في نحو قوله :
____________________

وآخذ من كل حي عصم أي : عصماً . وهذه اللغة وإن لم يحكها سيبويه فقد حكاها أبو الحسن وغيره . ووجهها من القياس ما أعلمتك . فإذا جاز أن يقدر على هذه اللغة قدرناه عليها وكانت الألف في الكلمة التي هي بدل من عين الفعل وجاز ذلك لأنه ليس يبقى الاسم المتمكن على حرف . ألا ترى أن الألف منقلبة عن العين فصار في ذلك كالأسماء التي لما أمن إلحاق التنوين بها جاز أن تبقى على حرفين أحدهما حرف لين : كقوله : ذو التي في معنى الذي وذا وتا ونحو ذلك مما جاء على حرفين أحدهما حرف لين لما لم يكن مما يلحقه التنوين .
فكذلك خياشيم وفا لا يمتنع أن يكون على حرفين أحدهما حرف لين على الوجه الذي ذكرناه . انتهى .
وبسط هذا الكلام في التذكرة القصريّة وأطال وأطاب في المسائل العسكرية .
وهذا البيت من أرجوزة للعجّاج مطلعها : ) ( يا صاح ما هاج العيون الذرفا ** من طلل أمسى يحاكي المصحفا ) ( رسومه والمذهب المزخرفا ** جرّت عليه الريح حتى قد عفا ) والبيت الأول من شواهد شروح الألفية في التنوين إلى أن قال : ( خالط من سلمى خياشيم وفا ** صهباء خرطوماً عقاراً قرقفا ) والخياشيم : جمع خيشوم وهو أقصى الأنف . والصهباء : فاعل خالط وهي الخمر سميت به للونها وهو الصهبة وهي الشقرة . والخرطوم : السلافة في الأساس : وشرب الخرطوم أي : السلافة لأنها أول ما ينعصر . والعقار بالضم : الخمر . سميت بذلك لأنها عاقرت العقل على قول .
يصف طيب نكهتها كأن فيها خمراً . وإنما جمع الخياشيم باعتبار أجزائه وأطرافه . وحيث
____________________

كان الأصل فاها فحذف المضاف إليه ينبغي أن يكون خياشيم كذلك أيضاً أي : خياشيمها وفاها .
وترجمة العجاج تقدمت في الشاهد الحادي والعشرين من أوائل الكتاب .
وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع والأربعون بعد المائتين ولا سيما يوماً بدارة جلجل على أنه روي بنصب يوم بعد لا سيما .
وقد ذكر الشارح المحقق ما قيل في توجيهه . وهذا عجز وصدره : ألا رب يوم صالح لك منهما وسي بمعنى مثل وأصله سيو وقال ابن جني : سوى من سويته فتسوى فلما اجتمع حرفا العلة وسبق أحدهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء .
ويجوز في الاسم الذي بعدها الجر والرفع مطلقاً والنصب أيضاً إذا كان نكرة وقد روي بهن في قوله : ولا سيما يوم . والجر أرجحها وهو على الإضافة وما إما زائدة وإما نكرة غير موصوفة ويوم بدل منها . والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والجملة صلة ما إن كانت موصولة أو صفتها إن كانت نكرةً موصوفة تقديره : لا مثل الذي هو يوم أو لا مثل شيء هو يوم .
وسي في الوجهين نكرة لأنه بمعنى مثل فلا يتعرف في الإضافة لتوغله في
____________________

الإبهام ولهذا جاز دخول لا التي لنفي الجنس . وضعف الرفع بحذف العائد المرفوع مع عدم الطول في نحو لا سيما )
زيد وأما في البيت فقد طالت الصلة أو الصفة بالجار والمجرور بعد يوم فإنه صفته وبإطلاق ما على من يعقل . كذا قال ابن هشام في المغني وفيه : أنه لا مانع من الإطلاق قال تعالى : والسماء وما بناها . والأرض وما طحاها . ونفس وما سواها ولهذا لم يتعرض له الشارح المحقق .
وعلى الجر والرفع ففتحة سي إعراب لأنه مضاف فيكون اسم لا والخبر محذوف أي : لنا . قال ابن هشام : وعند الأخفش ما خبر للا . ويلزمه قطع سي عن الإضافة من غير عوض . قيل : وكون خبر لا معرفةً . وجوابه أنه يقدر ما نكرة موصوفة أو يكون قد رجع إلى قول سيبويه في لا رجل قائم : إن ارتفاع الخبر بما كان مرتفعاً به لا بلا النافية .
وفي الهتيات للفارسي : إذا قيل : قاموا لا سيما زيد فلا مهملة وسي حال أي : قاموا غير مماثلين لزيد في القيام . ويرده صحة دخول الواو وهي لا تدخل على الحال المفردة وعدم تكرار لا وأما من نصب فقد تكلفوا لتوجيهه : فقيل : إنه تمييز ثم قيل : ما نكرة تامة مخفوضة بالإضافة وكأنه قيل : ولا مثل شيء ثم جيء بالتمييز . ففتحة سي إعراب أيضاً . وقال الفارسي : ما حرف كاف لسي عن اللإضافة فأشبهت اللإضافة في : على التمرة مثلها زبداً . ففتحتها على هذا بناء . وقيل : منصوب بإضمار فعل أي : أعني يوماً . وقد بينه الشارح المحقق . وقيل : على الاستثناء . وقيل منصوب على الظرف ويكون صلةً لها . كذا في شرح اللب .
وأما انتصاب المعرفة نحو : ولا سيما زيداً فقد منعه الجمهور وقال ابن الدهان : لا أعرف له وجهاً . وقد وجهه الشارح المحقق بأنه تمييز . وقال ابن هشام : ووجهه بعضهم بأن ما كافة وأن لا تنزلت منزلة إلا في الاستثناء ورد بأن المستثنى مخرج وما بعدها داخل من باب الأولى .
وأجيب بأنه مخرج مما أفهمه الكلام السابق من مساواته لما قبلها . وعلى هذا فيكون استثناء منقطعاً انتهى .
____________________


وأورد أيضاً على جعلها للاستثناء بأنها لو كانت بمعنى إلا لما جاز دخول الواو العاطفة عليه كما لا يجوز دخولعا على إلا واجب بان المعنى لا سيما خصوصاً فكأنه قال : وخصوصاً فكأنه قال : أي : فأخص هذا اليوم من سائر الأيام خصوصاً لكونه أبلغ في الخطوة منها فهو في المعنى مقدر بفعل ينصبه . وإنما أطلق عليه أنه بمنزلة إلا نظراً إلى المعنى لأن الاستثناء أيضاً تخصيص . وإنما أدخل الواو نظراً إلى المعنى أنه مقدر بجملة أي : وأخص هذا اليوم لأنه ليس )
مثل الأيام الصالحة بل هو أفضل . كذا في شرح اللباب .
وقد جعلها الشارح واو الاعتراض وبين المعنى ثم ذكر ان قولهم : ولا سيما قد تحذف واوها وقد تخفف ياؤها كقوله : ( فه بالعقود وبالأيمان لا سيما ** عقد وفاء من أعظم القرب ) لكن قال ثعلب : من استعمله على خلاف ما جاء في قوله : ولا سيما يوم بدارة جلجل فهو مخطئ .
تتمة : في شرح التسهيل : قد يقع بعد ما ظرف نحو : يعجبني الاعتكاف لا سيما عند الكعبة قال : ( يسرّ الكريم الحمد لا سيما لدى ** شهادة من في خيره يتقلّب ) وقد تقع جملة فعلية كقوله : ( فق الناس ف يالخير لا سيما ** ينيلك من ذي الجلال الرضا ) والغالب وصلها بالاسمية . وقال المرادي : إنه وقع بعدها الجملة الشرطية فما كافة بناء على أن الشرطية لا تكون صلة للموصول . وفيه كلام في شروح الكشاف .
____________________


وهذا كما حكى الجوهري : فلان يكرمني لا سيما إن زرته . ولا يصح جعل ما زائدة لأنه يلزم إضافة سيّ إلى الجملة الشرطية ولا يضاف إلى الجمل إلا أسماء الزمان .
وقد يقع بعدها جملة مقترنة بالواو فعلية كما وقع في عبارة الكشاف : لا سيما وقد كان كذا واسمية كما في قول صاحب المواقف : لا سيما والهمم قاصرة .
وفي شرح التسهيل : إنه تركيب غير عربي وكلام الشارح يخالفه . وفي شرح المواقف أن قوله : والهمم قاصرة مؤوّل بالظرف نظراً إلى قرب الحال من ظرف الزمان فصحّ وقوعها صلة لما .
وهذا من قبيل الميل إلى المعنى والإعراض عن ظاهر اللفظ أي : لا مثل انتفائه في زمان قصور الهمم . وهذا لا يرضاه نحويّ كيف والجملة الحالية في محل النصب والصلة لا محل لها .
وهذا البيت من معلقة امرئ القيس المشهورة . وهذه أبيات منها : ( وإن شفائي عبرة لو سفحتها ** فهل عند رسم دارس من معوّل ) ( كدأبك من أم الحويرث قبلها ** وجارتها أمّ الرباب بمأسل ) ( إذا قامتا تضوّع المسك منهما ** نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفل ) ) ( فاضت دموع العين مني صبابة ** على النحر حتى بلّ دمعي محملي )
____________________

( ألا ربّ يوم صالح لك منهما ** ولا سيما يوماً بدارة جلجل ) ( فظلّ العذارى يرتمين بلحمها ** وشحم كهدّاب الدمقس المفتل ) ( ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ** فقالت : لك الويلات إنك مرجلي ) ( تقول وقد مال الغبيط بنا معاً : ** عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل ) ( فقلت لها : سيري وأرخي زمامه ** ولاتبعديني من جناك المعلّل ) البيتان الأولان قد تقدم شرحهما في باب الحال في الشاهد التاسع والتسعين بعد المائة .
وقوله : إذا قامتا الخ ضمير المثنى لأم الحويرث وأم الرباب . وتضوع : فاح متفرقاً . والمسك يذكّر ويؤنث وكذلك العنبر ومن أنّثه ذهب به إلى معنى الريح ورواه تضوع المسك على أنه فعل مضارع أصله تتضوع بتاءين . ونصب نسيم الصبا لأنه قام مقام نعت لمصدر محذوف قال ابن هشام في المغني في بيان كيفية التقدير : إنه إذا استدعي الكلام تقدير موصوف وصفة مضافة مثلاً فلا يقدر أن ذلك حذف دفعة واحدة بل على التدريج نحو : تضوع المسك منهما
____________________

نسيم الصبا أي : تضوعاً مثل تضوع نسيم الصبا أي تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا . انتهى .
وأورد صاحب تحرير التحبير هذا البيت في باب الاتساع وهو أن يأتي الشاعر ببيت يتسع فيه التأويل على قدر قوى الناظر فيه وبحسب ما تحتمله ألفاظه : فإن هذا البيت اتسع النقاد في تأويله : فمن قائل : تضوع المسك منهما تضوع نسيم الصبا وهذه هو الوجه عندي ومن والريّا : الرائحة الطيبة لا غير . وجملة جاءت الخ بتقدير قد حال من الصبا . ونسيم الصبا هبوبها بضعف . قال الدينوري في كتاب النبات : القرنفل أجود ما يؤتى به من بلاد الصين . وقد كثر مجيء الشعر بوصف طيبه . . وأنشد هذاالبيت ثم قال : وقالوا : قد أخطأ امرؤ القيس فإنه لا يقال تضوع المسك حتى كأنه ريّا القرنفل إنما كان ينبغي أن يقول : تضوع القرنفل حتى كأنه ريا المسك . انتهى .
وقد تبعه الإمام الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن قال : وفيه خلل لأنه بعد أن شبّه عرفها بالمسك شبّه ذلك بنسيم القرنفل . وذكر ذلك بعد المسك نقص . وكذلك قوله : إذا قامتا تضوّع المسك منهما . ولو أراد أن يجوّد أفاد أن بهما طيباً على كل حال . فأما في حال القيام فقط فذلك تقصير . وقوله : نسيم الصبا في تقدير المنقطع عن المصراع الأول . انتهى . )
والعيبان الأخيران ليسا كما زعمه فتأمل .
وقوله : ففاضت دموع العين الخ فاضت : سالت . والصبابة : رقة الشوق ونصبها على أنها مفعول له . والمحمل بكسر الأول : السير الذي يحمل به السيف قال شراح المعلقة : ومما يسأل عنه هنا أن يقال : كيف يبلّ
____________________

الدمع محمله وإنما المحمل على عاتقه فيقال : قد يكون منه على صدره فإذا بكى وجرى عليه الدمع ابتلّ وقال الإمام الباقلاني : قوله : مني استعانة ضعيفة عند وقوله : على النحر حشو آخر لأن قوله : بلّ دمعي محملي يغني عنه . ثم قوله : حتى بلّ دمعي الخ إعادة ذكر الدمع حشو آخر وكان يكفيه أن يقول : حتى بلّت محملي . فاحتاج لإقامة الوزن إلى هذا كله . ثم تقديره أنه قد أفرط في إفاضة الدمع حتى بلّ محمله تفريط منه وتقصير ولو كان أبدع لكان يقول : حتى بلّ دمعي مغانيهم وعراصهم . ويشبّه أن يكون غرضه إقامة الوزن والقافية لأن الدمع يبعد أن يبلّ المحمل وإنما يقطر من الواقف والقاعد على الأرض . أو على الذيل . وإن بلّه فلقلته وأنه لا يقطر . وأنت تجد في شعر المتأخرين ما هو أحسن من هذا البيت انتهى .
وقوله : ألا ربّ يوم صالح . . الخ ربّ هنا للتكثير ومنهما أي : من أمّ الحويرث وأمّ الرباب .
وروي : ألا ربّ يوم لك منهن صالح أي : من النساء وفيه الكف وهو حذف النون من مفاعيلن . والمعنى : ألا رب يوم لك منهن سرور وغبطة بوصال النساء وعيش ناعم معهن . وقوله : ولا سيما الخ أي : وليس يوم من تلك الأيام مثل يوم دارة جلجل فإن هذا اليوم كان أحسن الأيام وأفضلها . يريد : التعجب من فضل هذا اليوم . ودارة جلجل بضم الجيمين : اسم غدير قال البكري في معجم ما استعجم : قال أبو قال الإمام الباقلاّني : وهذا البيت خال من المحاسن والبديع خاو من المعنى
____________________

وليس له لفظ يروق ولا معنى يروع من طباع السوقة فلا يرعك تهويله باسم موضع غريب .
وقوله : ويوم عقرت الخ يوم معطوف على يوم في قوله : ولا سيما يوم لكنه بني على الفتحة لإضافته إلى مبني أو هو منصوب بتقدير : اذكر . والعقر : الضرب بالسيف على قوائم البعير وربما قيل عقره : إذا نحره . والعذارى : البنات الأبكار . والرحل : كل شيء يعدّ للرحيل : من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن . والمتحمّل : اسم مفعول أي : المحمول . )
وأورد ابن هشام هذا البيت في المغني على أن لام للعذارى للتعليل . وقوله : فيا عجباً الألف بدل من الياء فإنها تبدل في النداء إليها جوازاً . ويقال : كيف يجوز أن ينادى العجب وهو مما لا يجيب ولا يفهم فالجواب : أن العرب إذا أرادت أن تعظم أمر الخبر جعلته نداء .
قال سيبويه : إذا قلت يا عجباً كأنك قلت : تعال يا عجب فإن هذا من إبانك . فهذا أبلغ من قولك تعجبت . والمعنى : انتبهوا للعجب كذا في شروح المعلقة .
وقال الإمام الباقلاّني : قال بعض الأدباء : قوله يا عجبا يعجّبهم من سفهه في سبابه من نحره ناقته لهنّ . وإنما أراد ألا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعاً عن الأول وأراد أن يكون الكلام ملائماً له . وهذا الذي ذكره بعيد وهو منقطع عن الأول وظاهر أنه يتعجب من تحمّل العذارى رحله . وليس في هذا تعجّب كبير ولا في نحر الناقة لهن تعجب . وإن كان يعني به أنهن حملن رحله وأن بعضهن حملته فعبر عن نفسه برحله فهذا قليلاً يشبه أن يكون عجباً . لكن الكلام لا يدلّ عليه . ولو سلم البيت من العيب لم يكن فيه شيء غريب ولا معنى بديع أكثر من سفاهته مع قلة معناه وتقارب أمره ومشاكلته طبع المتأخرين .
____________________

ومن أول القصيدة لم يمرّ له بيت رائع وكلام رائق .
وقوله : فظل العذارى الخ يرتمين : يناول بعضهن بعضاً . والهدّاب بالضم والتشديد هو الهدب وهو طرف الثوب الذي لم يتم نسجه . والمقس : الحرير الأبيض ويقال له القز .
قال الإمام الباقلاني : هذا البيت يعدونه حسناً ويعدون التشبيه مليحاً واقعاً . وفيه شيء : وذلك انه عرّف اللحم ونكّر الشحم فلا يعلم أنه وصف شحمها وذكر تشبيه أحدهما بشيء واقع وعجز عن تشبيه القسمة الأولى فمرّت مرسلة وهذا نقص في الصنعة وعجز عن إعطاء الكلام حقه . وفيه شيء آخر من جهة المعنى : وهو أنه وصف طعامه لضيوفه بالجودة وهذا قد يعاب وقد يقال : إن العرب تفتخر بذلك ولا تراه عيباً وإنما الفرس هم الذين يرون هذا عيباً شنيعاً . وأما تشبيه الشحم بالدمقس فشيء يقع للعامة ويجري على ألسنتهم فليس بشيء قد سبق إليه . وإنما زاد المفتل للقافية وهذا مفيد .
ومع ذلك فلست أعلم العامة تذكر هذه الزيادة . وفيه شيء آخر : وهو أن تبجحه بما أطعم الأحباب مذموم وإن سوغ التبجح بما أطعم الأضياف إلا أن يورد الكلام مورد المجون على طرائق أبي نواس في المزاح والمداعبة . )
وقوله : ويوم دخلت الخ هو معطوف على يوم عقرت . والخدر بالكسر : الهودج هنا . وخدر عنيزة بدل منه . وعنيزة بالتصغير : لقب ابنة عمه فاطمة . وفيه ردّ على من زعم أنه لم يسمع تلقيب الإناث . وأنشد ابن هشام هذا البيت في بحث النون من المغني على ان التنوين اللاحق لعنيزة تنوين الضرورة وهو التنوين اللاحق لما لا ينصرف .
وقوله : مرجلي : اسم فاعل من أرجلته إذا صيّرته راجلاً ورجل الرجل يرجل من باب علم : إذا صار راجلاً . وقوله : لك الويلات فيه قولان :
____________________

أحدهما : ان يكون دعاء منها عليه إذ كانت تخاف عليه أن يعقر بعيرها . والثاني : أن يكون دعاء منها له على الحقيقة كما تقول العرب للرجل إذا رمى فأجاد : قاتله الله ما أرماه وحقيقة مثل هذا أنه يجري مجرى المدح والثناء .
وقال الإمام الباقلاني : دخلت الخدر خدر عميزة ذكره تكريراً لإقامة الوزن لا فائدة فيه غيره ولا ملاحة ولا رونق . وقوله : فقالت لك الخ الكلام مؤنث من كلام النساء نقله من جهته إلى شعره وليس فيه غير هذا . انتهى .
وقوله : تقول وقد مال الخ الغبيط بفتح المعجمة : الهودج بعينه وقيل : قتب الهودج وقيل : مركب من مراكب النساء . وعقرت هنا بمعنى جرحت ظهره قال الإمام الباقلاني : كرر قوله سابقاً بقوله : تقول وقد مال الخ ولا فائدة فيه غير تقدير الوزن وإلا فحكاية قولها الأول كاف .
وهو في النظم قبيح لأنه ذكر مرة فقالت ومرة تقول في معنى واحد وفصل خفيف . وفي المصراع الثاني أيضاً تأنيث من كلامهن . انتهى .
طعنه الأول غير وارد لأنه من باب الإطناب بسطه ثانياً للتلذذ والإيضاح . وقوله ثانياً تقول غير معيب لأنه من حكاية الحال الماضية وقد عدّ حسناً .
ثم قال الباقلاني : وذكر أبو عبيدة أنه قال : عقرت بعيري ولم يقل ناقتي لأنهم يحملون النساء على ذكور الإبل لأنها أقوى . وفيه نظر لأن الأظهر أن البعير اسم للذكر والأنثى . واحتاج إلى ذكر البعير لإقامة الوزن .
وقوله : فقلت لها سيري الخ جناها : ما اجتنى منها من القبل . والمعلل : الملهى الذي يعلله ويتشفى به . وروي بفتح اللام أي : الذي علل بالطيب أي طيّب مرة بعد مرة من العلل بفتحتين وهو الشرب الثاني . ومعنى
____________________

البيت : أنه تهاون بأمر الجمل في حاجته فأمرها أن تخلّي زمامه ولا تبالي بما أصابه . قال الباقلاني : هذا البيت قريب النسج ليس له معنى بديع ولا لفظ شريف )
والمراد باليوم في هذه المواضع مطلق الوقت والزمان وإلا فجميع هذه الأمور قد صدرت في يوم واحد كما يعرف من خبر يوم دارة جلجل وقد رواه ابن الأنباري في شرح المعلقة قال : كان من حديثه على ما حدّث ابن رألان عن أبي شفقل راوية أبي فراس همام بن غالب الفرزدق أنه قال : لم أر أروى من الفرزدق لأخبار امرئ القيس وأشعاره وخرجنا يوماً إلى المربد بعقب طشّ قد وقع واتصل به خبر نسوة أشراف قد خرجن إلى متنزه لهن قال : سر بنا حتى قرب من مجتمعهن فخلفني وصار إليهن فلما رأينه قلن : قد علمنا أنا لن نفوتك .
فلم يزل يومه الأطول يحدثهن ويفاكههن وينشدهن إلى ان ولّى النهار ثم انصرف إليّ فقال : سر بنا . فلم أر يوما قط أشبه بيوم دارة جلجل من يومنا هذا ثم أنشأ يحدّث حديث يوم دارة جلجل . فقال : حدثني الثقة أن حي امرئ القيس تحملوا وهو يومئذ شاب حديث السن يهوى ابنة عم له يقال لها : فاطمة ويكنة عنها بعنيزة وتخلف النساء وفيهن فاطمة وارتحل امرؤ القيس لا يرى الحي مسيره إلى أن نأى عن الحي فأخفى شخصه بقرب غدير يعرف بدارة جلجل وقال لمن كان معه : سيمرّ النساء بالغدير فلا بد أن يتبردن فيه .
وأمعن الحي في المسير وارتحل النساء بعدهم فمررن على الغدير ولا يدرين أن وراءهن أحداً فنزلن وعند الغدير شجرة فأنخن إبلهن إلى تلك الشجرة ونزعن ثيابهن فدخلن الغدير وجاء امرؤ القيس فأخذ ثيابهن وقال : لا تأخذ امراة منكن ثيابها حتى تخرج كما هي فناشدنه الله وطلبن إليه حتى طال يومهن وخشين أن
____________________

يفوتهن المنزل فجعلن يخرجن واحدة واحدة حتى بلغ إلى فاطمة فرآها واستمتع بالنظر إليها ثم قلن له : قد أتعبتنا فاجلس فجلس ينشدهن ويحدثهن ويشرب من شراب معه فقالت إحداهن : أطعمنا لحماً . فقام إلى مطيّته فنحرها وأطعمهن من لحمها وشرب حتى انتشى . حتى إذا أرادوا الرواح قالت امرأة منهن : أتدعن امرأ القيس يهلك فقالت فاطمة : فككن رحله واحملنه معكن وأنا أحمله معي في هودجي ففعلن فجعل يميل رأسه إليها فيقبلها وجعل هودجها يميل بها وهي تنادي به وتقول : قد عقرت بعيري فانزل حتى إذا بلغ قريباً من الحي كمن في غمض من الأرض . وسار النساء حتى لحقن برحالهن . انتهى .
وروى ابن عبد ربه في العقد الفريد نحواً من هذا مع بعض مخالفة . ونصه . قال الفرزدق : أصابنا بالبصرة ليلاً مطر جود فلما أصبحت ركبت بغلتي وسرت إلى المربد فإذا أنا بآثار )
دوابّ فاتبعت الأثر حتى انتهيت إلى بغال عليها رحال موقوفة على غدير فأسرعت إلى الغدير فإذا فيه نسوة مستنقعات في الماء فقلت : لم أر كاليوم أشبه بيوم دارة جلجل وانصرفت مستحيياً فنادينني : يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيء .
فرجعت إليهن فقعدن في الماء إلى حلوقهن ثم قلن : بالله لمّ أخبرتنا ما كان من حديث دارة جلجل قلت : حدثني جدي وأنا يومئذ غلام حافظ أن امرأ القيس كان عاشقاً لابنة عمه فاطمة ويقال لها عنيزة وأنه طلبها زماناً فلم يصل إليها حتى كان يوم الغدير وهو يوم دارة جلجل : وذلك أن الحي تحملوا فتقدم الرجال وتخلف الخدم والثقل فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار مع رجال قومه غلوة فكمن في غامض حتى مر به النساء وفيهن عنيزة فلما وردن الغدير قلن : لو نزانا فاغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنا بعض الكلال فنزلن في الغدير ونحين العبيد ثم تجرّدن فوقفن فيه فأتاهن امرؤ القيس فأخذ ثيابهن فجمعها
____________________

وقعد عليها وقال : والله لا أعطي جارية منكن ثوبها ولو قعدت في الغدير يومها حتى تخرج متجردة فتأخذ ثوبها فأبين ذلك عليه حتى تعالى النهار وخشين أن يقصّرن عن المنزل الذي يردنه فخرجن جميعاً غير عنيزة فناشدته الله أن يطرح ثوبهان فأبى فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة وأقبلن عليه فقلن له : إنك عذبتنا وحبستنا وأجعتنا . قال : فإن نحرت لكنّ ناقتي أتأكلن معي قلن : نعم فجرد سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها وجمع الخدم حطباً كثيراً فأجّجن ناراً عظيمة فجعل يقطع أطايبها ويلقي على الجمر ويأكلن ويأكل معهن ويشرب من فضلة خمر كانت معه ويغنيهن وينبذ إلى العبيد من الكباب فلما أرادوا الرحيل قالت إحداهن : أنا أحمل طنفسته وقالت الأخرى : أنا أحمل رحله وأنساعه .
فتقسمن متاعه وزاده وبقيت عنيزة لم تحمل شيئاً فقال لها : يا ابنة الكرام لا بدّ أن تحمليني معك فإني لا أطيق المشي فحملته على غارب بعيرها فكان يجنح إليها فيدخل رأسه في خدرها فيقبلها فإذا امتنعت مال هودجها فتقول : عقرت بعيري فانزل . . وكان الفرزدق أروى الناس لأخبار امرئ القيس وأشعاره وذلك أن امرأ القيس رأى من أبيه جفوة فلحق بعمه شرحبيل بن الحارث وكان مسترضعاً في بني دارم فأقام فيهم . وهم رهط الفرزدق . انتهى .
وقد روى أيضاً خبر هذا اليوم أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي في شرح هذه المعلقة )
على وجه مجمل .
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين .
وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائتين
____________________

( فأنت طلاق ** والطلاق أليّة ثلاثاً ومن يخرق أعق وأظلم ) على أن الواو في قوله : والطلاق ألية اعتراضية والجملة اعتراض للتقوية والتسديد بين قوله : فأنت والأليّة : اليمين . أراد أن الطلاق يلزم المطلق كما يلزم الوفاء بمضمون اليمين . والرواية الصحيحة : والطلاق عزيمة ووقع في أكثر النسخ المصراع الأول فقط اكتفاء بشهرة الشعر .
وقد نقل السعد كلام الشارح هنا في بحث الجملة الحالية من المطوّل قال الفناري في حاشيته : قوله : فأنت طالق والطلاق ألية آخره : بهاء المرء ينجو من شباك الطوامث .
الشباك : الحبائل . والطوامث : الحيّض من طمثت المرأة : حاضت . وفي وقع هذه الجملة متوسطة بين أجزاء كلام واحد كما هو الظاهر من كلامه نوع خفاء إذ الظاهر أن قوله : بها المرء الخ كلام مستقل . وقيل : آخر المصراع المذكور : ثلاثاً ومن يخرق أعق وأظلم لكن الرواية في هذا البيت عزيمة مكان أليّ . ولعل فيه رواية اخرى لم أطلع عليها . انتهى .
وقال بعضهم : هذا الاعتراض على مذهب الزمخشري فإن الاعتراض عنده ما يساق لنكتة سوى رفع الإبهام . ويكون لا محلّ لها .
وهذا البيت مبني على مسألة فقهية . وأوّل من تكلم عليه الإمام محمد بن الحسن أو الكسائي على اختلاف سيذكر .
____________________


ونقل ابن هشام في المغني الجواب وبحث فيه وزاد ثم تكلم عليه السيد معين الدين الإيجي في رسالة أفردها وزاد على ابن هشام فيما استنبطه . وكل منهما لم ير ما كتبه عليه أبو علي الفارسي في المسائل القصرية وقد تنبّه لما قالاه وردّه فينبغي أن نورد كلام كل منهم على حدة لكن نقدم ابتداء ذكر السائل والمجيب أولاً فنقول : قال أبو علي الفارسي : حدثنا الشيخ أبو الحسن الكرخي عن يحيى بن الحريش الرقي قال : )
أرسلني الكسائي إلى محمد بن الحسن أسأله عن الجواب في هذه الأبيات : ( إن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ** وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم ) ( فأنت طلاق والطلاق عزيمة ** ثلاثاً ومن يجني أعق وأظلم ) ( فبيني بها أن كنت غير رفيقة ** فما لامرئ بعد الثلاث مقدم ) قا ل : فأتيت محمد بن الحسن بالأبيات فقال : إن نصب الثلاث فهي ثلاث تطليقات وإن رفع الثلاث فهي واحدة كأنه أراد أن يخبر أن عزيمة الطلاق ثلاث . قال : فرجعت إلى الكسائي فأخبرته بقول محمد فتعجب من فطنته . انتهى .
وهذا هو المسطور في كتب الحنفية كالمبسوط وشرح الكنز للزيلعي لكن ذكروا أن رسول الكسائي إلى محمد هو ابن سماعة . ولا مخالفة لجواز أن يكونا ذهبا معاً برسالة الكسائي وكل وقال ابن هشام في المغني : كتب الرشيد ليلة إلى القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة يسأله عن قول القائل وأنشد الأبيات فقال : ماذا يلزمه إذا رفع الثلاث وإذا نصبها قال أبو يوسف : فقلت : هذه مسألة نحوية فقهية ولا آمن الخطأ إن قلت فيها برأيي . فأتيت الكسائي وهو في فراشه فسألته فقال : إن رفع ثلاثاً طلقت واحدة لأنه قال أنت طالق ثم أخبر أن الطلاق التام ثلاث وإن
____________________

نصبها طلقت ثلاثاً لأن معناه : أنت طالق ثلاثاً وما بينهما جملة معترضة . فكتبت بذلك إلى الرشيد فأرسل إلي بجوائز فوجّهت بها إلى الكسائي . انتهى ملخصاً . هذا كلامه .
وقال السيد معين الدين : قد وجدت في كتاب من كتب النحو أن المسألة قد وقعت بين الإمام محمد والكسائي بحضرة الرشيد فقال الكسائي : أنت يا محمد تزعم أن الماهر في علم يمكن أن يستنبط من العلوم وأنت ماهر في الفقه فاستنبط من هذا البيت . فقال : في نصب العزيمة ورفع الثلاث طلقة وفي رفعها ونصب الثلاث ثلاث . فقال الكسائي : أصبت والقول ما قلت .
انتهى .
والرفق من باب قتل : خلاف الخرق والعنف وخرق خرقاً من باب فرح : إذغ عمل شيئاً فلم يرفق فيه فهو أخرق وهي خرقاء والاسم الخرق بالضم . وأيمن وصف بمعنى ذي يمن وبركة لا والعزيمة قال الكرماني في شرح البخاري : هي في الأصل عقد القلب على الشيء استعمل لكل أمر محتوم . وفي الاصطلاح : ضد الرخصة . وفعله من باب ضرب يقال : عزم على الشيء )
وعزمه عزماً بمعنى عقد ضميره على فعله . وقال النووي : حقيقة العزم حدوث رأي وخاطر في الذهن لم يكن . والعزم والنية متقاربان يقام أحدهما مقام الآخر . ويجني مضارع جنى على قومه جناية : أذنب ذنباً يؤاخذ به . وروى الجماعة : ومن يخرق فقال ابن يعيش : من شرطية .
ورد عليه الدماميني بأنه يلزمه حذف الفاء والمبتدأ من جملة الجزاء والتقدير : فهو أعق وأظلم وليس هذا بمتعين لجواز أن تكون موصولة وتسكين القاف للتخفيف كقراءة أبي عمرو : وما يشعركم . بإسكان الراء . وأعق خبر من الموصولة فلا حذف ولا ضرورة ولا قبح . انتهى .
والذي ذكره الجعبري : أن وجه الإسكان فيه طلب التخفيف عند اجتماع ثلاث
____________________

حركات ثقال من نوع واحد أو نوعين . ويخرق ليس منهما . وأما التسكين في قوله : فاليوم أشرب غير مستحقب فقد قيل أنه للضرورة . . وقوله : أعق من العقوق وهو ضد البر .
وقوله : فبيني بها الخ هي أمر من البينونة وهي الفراق وضمير بها للثلاث أي : كوني ذات طلاق بائن بهذه التطليقات الثلاث لكونك غير رفيقة . فأن مفتوحة الهمزة مقدر قبلها لام العلة .
ومقدم : مصدر ميمي أي : ليس لأحد تقدم إلى العشرة والألفة بعد إيقاع الثلاث . كذا قال الدماميني . وأجاز بعضهم أن يكون مقدم بمعنى مهر مقدم أي : ليس له بعد الثلاث مهر يقدمه لمطلقته ثلاثاً إلا بعد زوج آخر . فيكون اسم مفعول . هذا كلامه .
وأما ما بحثه ابن هشام بعد الجواب المذكور فهذا نصه : أقول : إن الصواب أن كلاً من الرفع والنصب محتمل لوقوع الثلاث ولوقوع الواحدة : أما الرفع فلأن أل في الطلاق إما لمجاز الجنس وإما للعهد الذكري أي : وهذا الطلاق المذكور عزيمة ثلاث . فعلى العهدية تقع الثلاث وعلى الجنسية تقع واحدة .
وأما النصب فلأنه محتمل لأن يكون على المفعول المطلق وحينئذ يقتضي وقوع الثلاث إذ المعنى : فأنت طالق ثلاثاً ثم اعترض بينهما بقوله والطلاق عزيمة ولأن يكون حالاً من الضمير المستتر في عزيمة وحينئذ لا يلزم وقوع الثلاث لأن المعنى : والطلاق عزيمة إذا كان ثلاثاً فإنما يقع ما نواه . هذا ما يقتضيه اللفظ مع قطع النظر عما بعده فإنه يعين الثلاث . انتهى كلامه .
____________________


وقال الفناري في حاشية المطول : قد انتصر جدنا شمس الدين الفناري للكسائي وأبي يوسف حيث قال : ولقائل أن يقول : إنما لم يعتبر الكسائي وأبو يوسف حين ارتفاع الثلاث كون اللام )
للعهد لأن ثلاث وعزيمة لا يصح أن يكونا خبرين عن الطلاق المعهود فإن الطلاق رخصة وليس بعزيمة . وكذا حين انتصاب الثلاث لايصح أن يكون ثلاثاً حالاً من ضمير عزيمة لما قلنا . فلم يتعين أيضاً قال اللهم إلا أن تحمل العزيمة على المعنى اللغوي . والعرف أملك . وفيه بحث : أما أولاً فلأنه لا دخل في لزوم المحذور المذكور لجعل اللام للعهد إذ منشؤه عدم اجتماع الثلاث والعزيمة وهذا الاجتماع لازم على تقدير الحمل على مجاز الجنس اللهم إلا أني يراد الحمل على الجنس المطلق ويجعل الإخبار بالعزيمة والثلاث بالنظر إلى أنواع الطلاق .
وأما ثانياً : فالأملك في مثله هو العرف العام فالظاهر أن المعنى : الطلاق الذي ذكرت ليس بلغو ولا لعب بل هو معزوم عليه . نعم الكلام على تقدير جعل ثلاثاً حالاً من المستتر في عزيمة محتمل لوقوع الثلاث بأن يكون المعنى والطلاق الذي ذكرته إذ كان ثلاثاً . فتأمل . انتهى .
ونازعه الدماميني في الأخير فقال : الكلام محتمل لوقوع الثلاث على تقدير الحال أيضاً بأن تجعل أل للعهد الذكري كما تقدم له في أحد وجهي الرفع . كأن قال : والطلاق الذي ذكرت معزوم عليه حال كونه ثلاثاً . ولا يقدر حينئذ إذاكان بل إذ كان .
وأما كلام السيد معين الدين فإنه قال : الشعر يحتما اثني عشروجهاً لأن اللام إما للجنس وغما للعهد وعزيمة إما مرفوع وإما منصوب وثلاث إما مرفوع وإما منصوب على الحال أو على المفعول المطلق فخرج من ضرب أربعة في
____________________

ثلاثة : اثنا عشر لكن أربعة منها تركيب باطل . أما الثمانية فعلى تقدير أم اللام للجنس إما أن يكون عزيمة وثلاث مرفوعين فيلزمه على ما قال ابن هشام واحدة والظاهر أنه يلزمه ثلاث إذ ليس الطلاق عنده إلا عزيمة ثلاث وطلاقه فرد مما ادعاه . وإما أن يكون عزيمة منصوباً وثلاث مرفوعاً فيلزمه واحدة وهو أحد وجهي الإمام محمد وفيه أن ذا الحال مبتدأ .
وإما أن يكون عزيمة مرفوعاً وثلاث حالاً من المستتر في عزيمة يلزمه واحدة وهو وجه ثان لابن هشام وللإمام لكن في كلام الإمام إبهام لأنه يحتمل أن يكون ثلاث مفعولاً مطلقاً وحينئذ يلزمه ثلاث وإما أن يكون عزيمة مرفوعاً وثلاث مفعولاً مطلقاً فيلزمه ثلاث وهو ثالث وجوه ابن هشام . فهذه وجوه أربعة .
وعلى تقدير أن اللام للعهد إما أن يكون عزيمة وثلاث مرفوعين كأنه قال : فأنت طلاق وهذا الطلاق عزيمة ثلاث فيلزمه ثلاث وهو رابع وجوه ابن هشام . وإما أن يكون عزيمة منصوباً )
وثلاث مرفوعاً فيلزمه ثلاث . وإما أن يكون عزيمة مرفوعاً وثلاث منصوباً حالاً من المستتر فيلزمه ثلاث . وإما أن يكون عزيمة مرفوعاً وثلاث مفعولاً مطلقاً فيلزمه ثلاث . فهذه أربعة أخرى فتكون ثمانية .
واما الأربعة التي فسدت لأجل الإعراب فهي : بتقدير أن اللام للجنس إما أن يكون عزيمة منصوباً وثلاث حالاً من المستتر أو مفعولاً مطلقاً . وبتقدير أن اللام للعهد إما ان يكون عزيمة منصوباً وثلاث حالاً من المستتر أو مفعولاً مطلقاً . وعلى الوجهين وهو أنه حال يلزمه واحدة وعلى الوجهين الآخرين يلزمه ثلاث . هذا كلامه .
وقد كتب ابن قاسم العبادي على مواضع من هذ الرسالة فكتب عند قوله : الشعر يحتمل اثني عشر وجهاً : لا بد على سائر التقادير في وقوع أصل الطلاق عند الشافعية من النية كما هو ظاهر لأن أنت طلاق من الكنايات عندهم .
وكتب عند قوله : والظاهر أنه يلزمه ثلاث : قد يمنع من هذا الظاهر عند الشافعية أن : أنت طلاق كناية عندهم وشرط تأثير الكناية في أصل الوقوع والعدد
____________________

النية ولا يقوم مقام النية ما اقترن بالكناية مما يدل على الوقوع أو العدة من القرائن ولهذا صرحوا بعدم الوقوع بقوله أنت بائن بينونة محرمة ولا تحلين لأي أبداً إذا لم ينو . وحينئذ فالقياس في قول الشاعر : فأنت طلاق عدم الوقوع رأساً إن لم ينو . فإن نوى الطلاق الثلاث وقع الثلاث وإن نوى أصل الطلاق فقط فالقياس وقوع واحدة .
وقوله : والطلاق عزيمة ثلاث على تقدير رفع عزيمة وثلاث وكون أل في الطلاق للجنس لا يصلح لتقييد الطلاق الذي أوقعه بالثلاث لأنه إن أراد أن جنس الطلاق ليس إلا الثلاث فهو غير صحيح إذ الجنس موجود في الواحدة والثنتين أيضاً وغن أراد أن الجنس قد يكون في الثلاث فهذا لا يقتضي تقييد هذا الطلاق الواقع بالثلاث فليتأمل .
وما ذكرناه لا ينافيه قول الروض : فإن قال أنت بائن ثلاثاً ونوى الطلاق الثلاث وقعن أي : الثلاث . انتهى .
لأنه قيد البينونة التي نوى بها الطلاق بالثلاث وما ذكر لا تقييد فيه ولا ارتباط فيه للثلاث بالطلاق الذي أوقعه . فليتامل .
وكتب عند قوله : وطلاقه فرد مما ادعاه قد يقال : ما ادعاه ليس بصحيح بظاهره إذ جنس )
الطلاق لا ينحصر في الثلاث فلا يلزم ان يكون طلاقه فرداً من جنس الثلاث نعم إن قصد ذلك بأن قصد طلاقاً من أفراد الثلاث فمسلّم فليتامل . .
وكتب عند قوله : وفيه أن ذا الحال مبتدأ : قد يقال هذا لا يرد لأن المراد ان هذا التقدير والحمل يقتضي هذا الحكم وأما أن هذا التقدير ضعيف فشيء آخر لا ينافي ذلك . . وكتب عند قوله : وحينئذ يلزمه ثلاث : هذا ظاهر إن أريد المفعول المطلق من طالق لا من الطلاق .
وكتب شيخنا الشهاي الخفاجي عند بيانه للأربعة التي فسدت لأجل الإعراب : وما ادعاه من بطلان الوجوه الأربعة إذا رفع الطلاق ونصب عزيمة وثلاث على الحالية أو المفعولية غير مسلم
____________________

هذا ما وقفت عليه مما كتب على هذا الشعر . وكلامهم دائر على ان ثلاثاً إما مفعول مطلق لطلاق المنكر أو المعرف وإما حال من الضمير المستتر .
ومنع الكلّ أبو علي في المسائل القصرية ومنع كونه تمييزاً أيضاً وعيّن أن يكون ثلاثاً مفعولاً مطلقاً إما لعزيمة أو لطلقت محذوفاً وإما ظرف لعزيمة . وحقق أن مفاد البيت الطلاق الثلاث لا غير و هذا كلامه : قوله : ( فأنت طلاق والطلاق عزيمة ** ثلاث ) لا يخلو إذا نصبت ثلاثاً أن يكون متعلقاً بطلاق أو غيره فلا يجوز أن يكون متعلقاً بطلاق لأنه إن كان متعلقاً به لم يخل من أن يكون طلاق الأول أو الثاني فلا يجوز أن يكون متعلقاً بطلاق الأول لأن الطلاق مصدر فلا يجوز ان يتعلق به شيء بعد العطف عليه ولا يجوز ان ينصب ثلاث بطلاق الثاني لأنه قد أخبر عنه للفصل .
فإذا بطل الوجهان جميعاً ثبت أنه متعلق بغيره : فيجوز ان يكون متعلقاً بعزيمة أي : أعزم ثلاثاً ولم يحتج إلى ذكر الفاعل لأن ما تقدم من قوله : فأنت طلاق قد دلّ على الفاعل ألا ترى أن معناه : أنت ذات طلاق اي : ذات طلاقي أي : قد طلقتك .
فلا فصل بين انت ذات طلاقي وبين قد : طلقتك لما أضفت المصدر إلى الفاعل استغنيت عن إظهار المفعول لجري ذكره في الكلام فحذفته كما استغنيت من ذكر المفعول في قوله : والحافظين فروجهم والحافظات فلم يحتج إلى ذكر الفاعل في عزيمة إذ كان مصدراً كالنذير والنكير وكما لم يحتج إليه في قوله تعالى : او إطعام في يوم ذي مسبغة يتيماً لتقدم ذكره فلذلك لم يحتج إلى ذكر الفاعل في عزيمة فصار كأنه قال : أنت طلاق والطلاق عزيمتي ثلاثاً أي : أعزمه )
ثلاث . فيكون ثلاثاً المنصوب متعلقاً بعزيمة أو يكون تعلقه به على جهة
____________________

الظرف كأنه قال : أعزم ثلاث مرات أو ثلاث تطليقات فإذا كان كذلك وقع ثلاثاً تطليقات لتعلق الثلاث بما ذكرناه ولا يجوز ان يكون أقلّ من ذلك لتعلقه بالعزيمة . والأشبه فيمن نصب ثلاثاً أن يكون الطلاق الثاني المعرف باللام يراد به الطلاق المنكور الذي تقدم ذكره أي : ذلك الطلاق عزمته أي : عزمت عليه ثلاثاً . فإذا كان كذلك لم يتجه إلا إلى الإيقاع للثلاث .
وأما إذا رفع ثلاثاً أمكن أن يكون المراد : الطلاق عزيمة ثلاث أي : جنس الطلاق ذو عزيمة ثلاث وأمكن أن يكون طلاقي ذو عزيمة ثلاث . فإذا امكن أن يكون المراد به طلاقه خاصة وأمكن أن يكون غير طلاقه ولكن جنس الطلاق لم يوقع به شيءاً حتى يتيقن ذلك بإقرار من المطلق أنه أراد ذلك فأما إذا لم يقترن إلى هذا اللفظ الذي يحتمل الطلاق الخاص والطلاق العام شيء يدلّ به أنه يريد به طلاقه خاصة لم نوقعه .
والأشبه في قولهم : واحدة واثنتان وثلاث في الطلاق وإيصالهم إياه بهن أن يكون مراراً فينتصب على أنه ظرف من الزمان يقوي ذلك قوله تعالى : الطلاق مرتان والمعنى : الطلاق في مرتين إلا أنه اتسع فيه فأقيم مقام الخبر كما أقيم ظرف الزمان مقام الفاعل في قولهم : سير عليه طوران وسير عليه مرتان وشهران فكذلك قوله مرتان . وإذا كان كذلك كان قولهم : أنت طالق واحدة كانك قلت : أنت طالق مرة وأنت طالق ثنتين أي : مرتين . وكذلك ثلاثاً . فيكون ذلك ظرفاً من الزمان .
ويجوز فيمن نصب ثلاثاً في البيت أن لا يحمله على عزيمة ولكن يحمله على فعل مضمر كأنه لما لم يجز أن يحمله على طلاق الأول ولا على طلاق الثاني وكان المعنى والمراد أن يكون يكون الثلاث محمولاً على الطلاق أضمر طلقت . ودلّ عليه ما تقدم من ذكر الطلاق فكأنه قال : طلقتك ثلاثاً . فأما حمل الثلاث على التفسير في قولهم : أنت طالق ثلاثاً فليس ذلك من مواضع التفسير ألا ترى أن التفسير جميع ما كان منتصباً منه فقد نص النحويون على جواز إدخال من فيه وأن منه ما يردّ
____________________

إلى الجمع ومنه ما يقر على الواحد كقولهم : عشرون من الدراهم ولله دره من رجل . ولا يجوز ذلك في هذا ألا ترى انه لا يستقيم : انت طالق من واحد ولا من العدد ولا ما أشبه ذلك فإذا كان كذلك لم يكن تفسيراً .
وأيضاً فإن التفسير لا يجوز أن يكون معرفاً والتعريف في هذا غير ممتنع تقول : انت طالق )
الثلاث وأنت طالق الثنتين او الطلقتين . فإذا كان كذلك كان ظرفاً والظرف يكون تارة معرفة وتارة نكرة .
وقد تقول : أنت طالق من ثلاث ما شئت فيكون ما شئت معرفة كانك قلت : الذي شئته فيكون معرفة . ولو كان تفسيراً لم تقع المعرفة في هذا الموضع .
ولا يجوز أن ينتصب على أنه حال لأنه لو كان حالاً لم يجز أن يقع خبراً للأبتداء في قوله : الطلاق مرتان كما لا يكون الحال خبراً للمبتدأ . ولو قلت : قمت خلفك فنصبت خلفك على تقدير الحال أي : قمت ثابتاً فيه لم يجز الإخبار عنه لأن الحال لا يكون خبر مبتدأ .
فإن قلت : يكون قوله : والطلاق عزيمة اعتراضاً بين الصلة والموصول وتحمل ثلاثاً على الطلاق الأول قيل : لا يجوز أن تحمله على الاعتراض .
كما أن قوله : وأقرضوا الله قرضاً حسناً في قولنا اعتراض الا ترى أن ذلك اعتراض بين الخبر والمخبر عنه وكذلك قوله تعالى : قل إن الهدى هدى الله اعتراض بين المفعول الذي هو أن يؤتى أحد . ولا يعترض بين الطلاق وثلاث لأنه لا مثل له يشبه به .
____________________


هذا كله كلام أبي عليّ وقد حذفنا منه بعض ما يستغنى عنه . وفي منعه الاعتراض رد على كمل الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله باب خبر كان وأخواتها والحمد لله وحده
____________________

عبس فقتله . وإنّما مدح حيًّ ذبيان لتحملهم الديات إصلاحاً لذات البين .
وضمير كان و طوى لحصين بن ضمضم . و الكشح الخاصرة يقال : طوى كشحه عن فعلةٍ إذا أضمرها في نفسه . و المستكنّة : المستترة أي : أضمر على غدرة مستترة لأنّه كان قد أضمر قتل ورد بن حابس فإنّه كان قتل أخاه هرم بن ضمضم .
وقوله : فلا هو أبداها . . الخ المعنى : فلم يظهرها ولم يتقدّم فيها قبل مكانها .
ويروى : ولم يتجمجم بجيمين أي : لم يتنهنه عمّا أراد مّما كتم . وتكون لا مع الماضي بمنزلة لم مع المضارع في المعنى كقوله تعالى : فلا اقتحم العقبة أي : لم يقتحمها . وقال أميّة بن أبي الصّلت : الرجز ( إن تغفر اللّهمّ تغفر جمّا ** وأيّ عبدٍ لك لا ألمّا ) أي : لم يلمّ بالذنب . وقوله : وكان طوى هو عند المبّرد بإضمار قد أي : قد طوى .
قال : لأنّ كان فعل ماض فلا يخبر عنه إلاّ باسم أو بما ضارعه . قال : ولا يجوز كان زيد قام )
لأنّ زيد قام يغنيك عن كان . وخالفه أصحابه فقالوا : الماضي قد ضارع الاسم أيضاً فهو يقع خباً لكان كما يقع الاسم والفعل المستقبل
____________________

وأمّا قولك كان زيد قام فإنّما جيء بكان لتؤكّد أن الفعل لما مضى .
وقد تقدّم في الشاهد السادس والخمسين بعد المائة أول باب الاشتغال شرح هذين البيتين مع أبياتٍ كثيرة من هذه المعلقة وذكرنا سبب نظمها بما لا مزيد عليه إن شاء الله تعالى .
ويقدم أيضاً ترجمة زهير بن أبي سلمى في الشاهد الثامن والثلاثين بعد المائة .
وأنشد بعده وهو ( الشاهد السابع والأربعون بعد المائتين ) البسيط ( أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملوا ** أخنى عليها الذي أخنى على لبد ) على أنّ خبر أضحى يجوز أن يكون فعلاً ماضياً بدون قد فأهلها اسم أضحى وجملة احتملوا في محل نصب على أنها خبر أضحى ولا تقدّر قد كما ذهب إليه ابن مالك خلافاً للمبرّد كما تقدّم بيانه .
وهذا البيت من قصيدةً للنّابغة الذُّبيانيّ مدح بها النعمان بن المنذر واعتذر إليه مما بلغه عنه وهي من الاعتذاريّات وقد ألحقوها لجودتها بالمعلقات السبع . وهذا أوّلها : ( يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ** أقوت وطال عليها سالف الأبد
____________________

) ( وقفت فيها اصيلاً كي أسائلها ** عيّت جواباً وما بالرّبع من أحد ) ( إلاّ أواريّ لأياً ما أبيّنها ** والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد ) ( ردّت عليه أقاصيه ولبّده ** ضرب الوليدة بالمسحاة في الثّأد ) أضحت خلاءً أهلها احتملوا . . . . . . . . . . . . البيت قوله : يا دار ميّة الخ قال الأصبهانيّ في الأغاني : قال الأصمعيّ : يريد يا أهل دار ميّة . وقال القراء : نادى الديار لا أهلها أسفاً عليها وتشوّقاً إليها . وقال : أقوت ولم يقل أقويت لأنّ من شأن العرب أن يخاطبوا الشيء ثم يتركوه ويكنون عنه . هـ . العلياء بالفتح والمد : المكان المرتفع من الأرض . قال ابن السكّيت : قال بالعلياء فجاء بالياء لأنّه بناها على عليت بالكسر . و السّند : سند الوادي في الجبل وهو ارتفاعه حيث يسند )
فيه أي : يصعد . و أقوت : خلت من أهلها .
____________________

و السالف : الماضي . و الأبد : الدّهر . ويأتي الكلام على هذا البيت إن شاء الله تعالى بأكثر من هذا في الفاء من حروف العطف .
قوله : وقفت فيها الخ الأصيل ما بعد الظّهر إلى الغروب وروي أصيلاناً مصغر أصلان وهو جمع الكثرة إذا صغر ردّ إلى مفرده . وروي : وقفت فيها طويلاً أي : وقوفاً طويلاً .
وقوله : عيّت يقال : عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه . وجواباً قيل منصوب على المصدر أي : عيّت أن تجيب وما بها أحدٌ . و الرّبع : المنزل في الربيع ثم كثر حتّى قيل كل منزل ربع .
وقوله : إلاّ أواريّ بالنصب لأنّه استثناء منقطع . و النّؤي معطوف عليه . وروي : إلاّ أواريّ بالرفع على أنّه بدل من موضع قوله : من أحد الواقع فاعلاً للظرف والأواريّ هي الأواخيّ جمع آريّ وآخيّة بالمد والتشديد فيهما . والآريّ : محبس الدّابة والآخية قطعة من حبل يدفن طرفاه في الأرض وفيه عصيّة أو حجر فتظهر منه مثل عروة تشدّ إليه الدّابّة وقد تسمى الآخية آرياً وفعلهما آريت الدابّة وأخيّتها بتشديد الثاني . واللأي بفتح اللام وسكون الهمزة : البطء يقال : فعل كذا بعد لأي أي : بعد شدّة لأياً والتأى أي : أبطأ إبطاءً . والمعنى : بعد بطء تعرّفتها .
والنّؤي بضم النون وسكون الهمزة : حفيرة حول الخباء والبيت يجعل ترابها حاجزاً حولهما لئلاّ يصل إليهما ماء المطر . والمظلومة : الأرض التي قد حفر فيها في غير موضع الحفر . و الجلد بفتح الجيم واللام : الأرض الغليظة الصّلبة من غير حجارة وإنّما قصد إلى الجلد لأنّ الحفر فيها يصعب فيكون ذلك أشبه شيءٍ بالنؤي .
____________________


قال ابن السّكّيت : إنّما قال بالمظلومة لأنهم مرّوا في تربةٍ فحفروا فيها حوضاً وليست بموضع حوض فجعل الشيء في غير موضعه .
وهذا البيت يأتي الكلام عليه أيضاً إن شاء الله في خبر ما ولا .
وقوله : ردّت عليه أقاصيه الخ أقاصيه نائب فاعل ردّت والضمير للنّؤي . و الأقاصي : الأطراف وما بعد منه أي : والأقصى على الأدنى ليرتبع . و لبّدة : سكّنه أي : سكنّه حفر وقوله : خلّت سبيل أتيّ الخ الأتيّ : السّيل الذي يأتي ويقال للنهر الصغير . يقول : لما انسدّ سبيل السّيل سهّلت له طريقاً حتّى جرى أي : تركت الأمة سبيل الماء في الأتيّ ورفعته أي : قدّمت الحفر إلى موضع السّجفين أوصلته إليهما . وليس الترفيع هنا من ارتفاع العلوّ بل هو من )
قولهم : ارتفع القوم إلى السلطان . و السّجفان : ستران رقيقان يكونان في مقدّم البيت . و النّضد بفتح النون والضاد المعجمة : ما نضد من متاع البيت .
وقوله : أضحت خلاء الخ أي : أضحت الدار . و الخلاء بالفتح والمد : المكان الذي لا شيء به . و احتملوا : حمّلوا جمالهم وارتحلوا . قال في الصحاح : وأخنى عليه الدّهر : أتى عليه وأهلكه . ومنه قول النّابغة : أخنى عليها الذي أخنى على لبد ولبد : آخر نسور لقمان بن عاد وهو منصرف لأنّه ليس بمعدول وفي المثل : أعمر من لبد .
قال الزّمخشريّ : وهو نسر لقمان العاديّ سمّاه لبداً معتقداً فيه أنه أبدٌ فلا يموت ولا يذهب ويزعمون أنه حين كبر قال له : انهض لبد فأنت نسر الأبد .
____________________


قال في الصحاح : وتزعم العرب أنّ لقمان هو الذي بعثته عادٌ في وفدها إلى الحرم يستسقي لها فلما أهلكوا خيّر لقمان بين بقاء سبعة أنسرٍ كلما هلك نسر خلف بعده نسر فاختار أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملوا . . . البيت ولقمان هو ممن آمن بهودٍ عليه السلام وهلك قومه لكفرهم به عليه السلام فأهلكهم الله تعالى بالرّيح سبع ليال وثمانية أيّام حسوما فلم تدع منهم أحداً وسلم هودٌ ومن آمن معه . وأرسلت عليهم يوم الأربعاء فلم تدر الأربعاء وعلى الأرض منهم حيّ .
وأما لقمان المذكور في القرآن فهو غيره قال صاحب الكشّاف : هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيّوب أو ابن خالته وقيل : كان يفتي قبل مبعث داود فلمّا بعث قطع الفتوى فقيل له فقال : ألا أكتفي إذا كفيت وقيل : كان قاضياً في بني إسرائيل . وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً .

____________________

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما : لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي قوله ووصيّته فقصّ أمره في القرآن ليتمسّكوا بوصيته .
وقال عكرمة والشّعبي : كان نبيّا . وقيل : خيّر بين النّبوّة والحكمة . وعن ابن المسّيب : كان أسود من سودان مصر خياطاً . وعن مجاهد : كان عبداً أسود غليظ الشّفتين متشقق القدمين . وقيل : كان نجاراً وقيل كان راعياً وقيل : كان يختطب لموالاة كل يوم حزمة . هـ .
وهو متأخر عن لقمان العاديّ لأن هوداً متقدمٌ على أيوب وداود يقال للعاديّ : لقمان )
وانشد بعده وهو ( الشاهد الثامن والأربعون بعد المائتين ) وهو من شواهد سيبويه : البسيط ( قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذباً ** فما اعتذارك من شيء إذا قيلا ) على أنّ كان تحذف مع اسمها بعد إن الشرطيّة أي : إن كان ذلك حقاً وإن كان كذباً جعله صاحب اللباب من قبيل : النّاس مجزيّون بأعمالهم : إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ في الوجوه الأربعة .

____________________

قال شارحه الفالي : يجوز فيه أربعة أوجه : رفعهما ونصبهما ورفع الأوّل ونصب الثاني وبالعكس . وتقدير الرفع فيهما : إن وقع حقٌ وإن وقع كذبٌ أو إن كان فيه أي : في المقول حقّ وإن كان فيه كذب . ونصبهما على أنّهما خبر كان والتقدير : إن كان المقول حقاً وإن كان المقول كذباً وأما رفع أحدهما ونصب الآخر فيظهر من بيان نصبهما ورفعهما . وإنّما قال : منه لأن الوجوه الأربعة كانت في الشرط والجزاء وهو إن خيراً فخير وفي البيت الوجوه في الشرطين وهما إن حقاً وإن كذباً .
وهذا البيت من قصيدةٍ للنّعمان بن المنذر أوّلها : ( شرّد برحلك عنّي حيث شئت ولا ** تكثر عليّ ودع عنك الأقاويلا ) ( فقد رميت بداءٍ لست غاسله ** ما جاور السّيل أهل الشّام والنّيلا ) ( فما انتفاؤك منه ما قطعت ** هوج المطيّ به أكناف شمليلا ) ( قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً ** فما اعتذارك من شيءٍ إذا قيلا ) ( فالحق بحيث رأيت الأرض واسعةً ** وانشر بها الطرف إن عرضاً وإن طولا ) قوله : شرّد برحلك أي : أبعده وارتحل عني . وقوله : فقد رميت روي بدله : فقد ذكرت به والرّكب حامله وضمير به وحامله للبرص المذكور . وقوله : شمليلا قال البكريّ في معجم
____________________

ما استعجم : هو بكسر أوله وإسكان ثانيه بعده لام مكسورة على وزن فعليل بلد وانشد هذا البيت . ومن العجائب تفسير العينيّ إيّاه بالناقة الخفيفة وكأنّه يكتب من غير أن يتصورّ المعنى .
والسبب في هذه الأبيات هو ما رواه الحسن الطوسيّ في شرح ديوان لبيد والمفضّل بن سلمة )
في الفاخر وابن خلف في شرح أبيات سيبويه وقد تداخل كلام كل منهم في الآخر أنّ وفد بني عامر منهم طفيل بن مالك وعامر بن مالك أتوا النعمان بن المنذر أول ما ملك في أسارى من بني عامر يشترونهم منه ومعهم ناس من بني جعفر ومعهم لبيدٌ وهو غلامٌ صغير فخلّفوه في رحالهم ودخلوا على النّعمان فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسيّ وكان نديم النّعمان قد غلب على حديثه ومجلسه فجعل الربيع يهزأ يهم ويسخر منهم لعداوة غطفان وهوازن فغاظهم ذلك فرجعوا بحال سيّئة فقال لهم لبيد : إنّكم تنطلقون بحال حسنة ثم ترجعون وقد ذهب ذاك وتغير . قالوا : خالك وكانت أمّ لبيد عبسيّة كلّما أقبل علينا بوجهه صدّه عنّا بلسان بليغ مطاع .
فقال لهم لبيد : فما يمنعكم من معارضته قالوا : لحسن منزلته عند النعمان . قال : فانطلقوا بي معكم . فأزمعوا أن يذهبوا به وحلقوا رأسه وألبسوه حلّةً وغدا معهم فانتهوا إلى النعمان وربيع معه وهما يأكلان طعاماً وقيل تمراً وزبداً فقال لبيد : أبيت اللعن وإن رأيت أن تأذن لي في الكلام . فأذن له فأنشد : الرجز ( مهلاً أبيت اللّعن لا تأكل معه ** إنّ استه من برص ملمّعه ) ( وإنّه يدخل فيها إصبعه ** يدخلها حتّى يواري أشجعه )
____________________

كأنما يطلب شيئاً ضيّعه وسيأتي شرح هذه الأبيات إن شاء الله تعالى في ربّ من حروف الجرّ .
فرفع النّعمان يده وأفّف وقال : كفّ ويلك يا ربيع إني أحسبك كما ذكر . فقال الربيع : إنّ الغلام لكاذب . فترك النّعمان مؤاكلته وقال : عد إلى قومك . فمضى الرّبيع لوقته وتجرّد وأحضر من شاهد بدنه وأنه ليس فيه سوء ولحق بأهله وأرسل إلى النعمان بأبيات منها : البسيط ( لئن رحلت ركابي لا إلى سعةٍ ** ما مثلها سعة